أجرت مجلة «دير شبيغل» أخيراً حواراً مع محمد يونس (66 عاماً) الحائز على جائزة نوبل للسلام والملقب بمصرفي الفقراء، ناقش فيه فشل المساعدات التنموية التقليدية واستخدامه الناجح للقروض الصغيرة في معركته ضد الفقر وفيما يلي نص الحوار:

* البروفيسور يونس، يظل هدف الأمم المتحدة في خفض نسبة الفقر العالمي إلى النصف بحلول عام 2015 بعيداً كما كان. وفي غضون ذلك قفز عدد الذين يعانون من المجاعة هذا العام من 840 مليوناً ليصل إلى 854 مليوناً. فما هي مشكلة المساعدات التنموية؟

ـ انظر إلى الأمر أساساً باعتباره انجازاً للأمم المتحدة لحملها المجتمع الدولي على الاتفاق بالإجماع على هذا الهدف في قمة الألفية 2000. لأننا بدأنا نلاحظ ـ قبل بضع سنوات من تلك القمة ـ إن جميع المحاولات التي بذلت حتى تلك اللحظة من أجل معالجة الفقر قد فشلت.

* ولكن ذلك لم يفعل شيئا يذكر للتخفيف من وطأة الجوع والفقر في العالم.

ـ لأنه ولسوء الحظ، بعد وقت قصير من إعلان الأمم المتحدة، عمل الإرهاب والحرب على العراق والحرب العالمية ضد الإرهاب على تشتيت كل الجهود. وأفسدت سياسات الولايات المتحدة بقيادة الرئيس جورج بوش العملية برمتها.

وبدلاً من التركيز على الحرب ضد الفقر، فإن الاهتمام العالمي يركز الآن على نوع آخر من المذابح، على أمر غير ملموس مع ذلك يتم مواجهته بكل الوسائل العسكرية التي يمكننا الحصول عليها. وكل التصريحات التي أدلى بها قادة العالم فيما يتعلق بمكافحة الفقر والتي أشادت بها الجمعية العامة تحولت إلى كلمات محبطة.

* على الرغم من تخصيص أكثر من 106 مليارات دولار للمساعدات التنموية التي تم دفعها العام الماضي فقط. فإنك اخترت طريقاً آخر. ما الذي أدى بك إلى التوصل إلى فكرة توفير القروض الشخصية والقروض الصغيرة لأفقر الفقراء؟

ـ في الجامعة التي تقع في شيتاغونغ في جنوب بنغلاديش، حيث كنت أعلم لفترة من الزمن، لم يكن هناك مستشارون- ليس من دكا ولا حتى من الخارج- كي يخبرونا بما يتعين علينا فعله. في القرية الصغيرة المجاورة للجامعة بدأنا مع طلبتنا، الذين ينتمون إلى تلك القرية، مشروعاً ضد الفقر في عام 1976.

وسرعان ما لاحظنا أن الأشخاص كانوا يعتمدون كليةً على مقرضي الأموال المشكوك بنزاهتهم والذين يمنحون القروض بفوائد عالية. قمنا بحساب ديونهم المتراكمة فوجدنا أنها بلغت 27 دولارا.

ذُهلت. فعندما نتحدث عن المساعدات التنموية، فإننا نتحدث بلغة المليارات، ولكن ليس عن الكيفية التي تجعل مبلغ 27 دولاراً يقود قرية بأكملها إلى الوقوع في براثن مقرضي المال بفوائد عالية ويبقيها في حالة من الاعتماد عليهم. وقلت في نفسي، بإمكاني حل هذه المشكلة.

* كيف؟

ـ لم يكن ذلك تحدياً كبيراً على المستوى الأكاديمي في الواقع. فأعطيتهم الـ 27 دولارا، ولم تكن هناك حاجة إلى أي تحليل للنفقة والعائد أو كشوف للحسابات. تم تحرير الناس من عبء وقلت في نفسي في ذلك الوقت، إذا كان إنهاء الاعتماد أمراً في غاية السهولة، لما لا نقدم على هذه الخطوة إذن. اليوم، نرى كيف يمكن لأطفال القرية البسطاء أن يحركوا الأمور،مما أكسبهم جائزة نوبل بعد 30 عاماً.

* كيف كانت ردة فعل البنوك؟

ـ رفضت، قائلةً إنه من المستحيل إقراض المال لأفقر الفقراء. فسألتهم، أين تكمن المشكلة؟ هل في مبلغ 27 دولارا؟ هل أنتم قلقون من أنكم لن تروا المال مجدداً؟ قالت البنوك إن عدم منح الفقراء القروض هو مسألة مبدأ.

لذا قدمت نفسي باعتباري ضامناً للقروض الصغيرة وقمت بالتوقيع على الأوراق. بعد ذلك جربنا الأمر ذاته في قريتين، ومن ثم في خمس قرى. وعندما أدركنا أن الأمر نجح، قلت في نفسي: فلننسى البنوك، ولنقم بفتح مصرف خاص بنا، وكان ميلاد مصرف غرامين الذي يتبنى فكرة القروض الصغيرة للفقراء.

* هل تقدم قروضكم الصغيرة نوعا من إعادة الابتكار الراديكالية التي كان منتقدو المساعدات التنموية التقليدية يبحثون عنها طويلاً؟

ـ كل فكرة يمكن تحسينها، لماذا لا نقوم بمراجعة جميع خبرات السنوات الماضية التي مررنا بها والتفكير بكل الأفكار الواعدة بجدية؟

بإمكاننا التفكير بملكية خاصة من جانب الفقراء. فمثلاً، الميناء الضخم الذي تخطط بنغلاديش لبنائه في جنوب شيتاغونغ والذي تريد به إحداث ثورة في اقتصاد بنغلاديش، ليس بالضرورة أن يكون ملكاً للدولة أو العامة. فالمانحون الدوليون يمكن أن يمولوا سلطة الميناء، والتي يمكن أن تكون مملوكة من قبل الفقراء من النساء في البلد.

* يبدو الأمر طموحاً.

ـ لماذا؟ يمكننا الانتظار للبدء في البناء عندما يصل المال ويصبح كل شيء جاهزا للعمل ويصبح المستثمرون على يقين من استرداد أموالهم. لن يكون هذا الأمر استثماراً اقتصادياً فحسب، وإنما استثمار في فكرة، وهي الروح لأي سياسة. لن يتعين على أي شخص أن يقلق حيال الفقر في بنغلاديش بعد الآن.

* إن خبرتك مع القروض الصغيرة لا بد وأنها علمتك، أنه من الأفضل أولاً تجربة أي فكرة مبتكرة على نطاق صغير.

ـ هنالك فرص كثيرة للقيام بذلك. جميعنا نعلم ما يحدث عندما- على سبيل المثال- يبني مانح ألماني جسراً في بنغلاديش ويسلمه إلى الدولة: لا أحد يقلق حيال خدمته وصيانته.

لماذا إذن لا يمكن تسليم هذا الجسر إلى شركة خاصة يملكها الشعب؟ من يمكنه جمع ضريبة من مستخدميه ويبني جسراً جديداً آخر أيضاً مع الأرباح؟ الآن أرجوك لا تقل لي إن النساء الفقيرات ليس بإمكانهن إدارة ميناء بطريقة اقتصادية. بإمكان الفقيرات إدارة مصرف بطريقة مربحة. فكل ما هن بحاجة إليه هو القليل من المساعدة في الإدارة.

* إن المصرفيين الأوروبيين يشكون في ذلك ويشكون وأكثر من كل شيء في قصة النجاح الاقتصادي لمصرف غرامين. كيف تفسر شكوكهم؟

ـ لا يريدون قراءة أي شيء، وفهم أي شيء، ويفضلون الاعتقاد بأننا محتالون. ولكن جميع كشوفات الحساب الخاصة بنا موثقة جيداً وبصورة علنية، على سبيل المثال على موقعنا الإلكتروني، وتم تأكيدها وتصديقها من قبل مدققين دوليين. منذ تم تأسيس مصرف غرامين، قام بدفع قروض تصل إلى 8,5 مليارات دولار ونسبة الاسترداد تبلغ 9,98%. لم نحتج إعانات مالية منذ 1995، وباستثناء أعوام 1983، 1991 و1992، حققنا أرباحاً كل سنة.

ترجمة: كوثر علي - عن مجلة «دير شبيغل»