يرى الكثير من الفرنسيين في جاك شيراك الرجل الذي قال «لا» بقوة للحرب الأمريكية - البريطانية الأخيرة في العراق. ورجل الحوار واليد الممدودة، وصديق العرب إجمالا... لكن مؤلفي هذا الكتاب يريان أن واقع الأمور هو أقل بساطة وأكثر تعقيدا من ذلك.

ما يصل إليه المؤلفان، وهما صحفيان فرنسيان معروفان، هو أن الرئيس الفرنسي جاك شيراك «لا يحب الغرب» وأنه «مأخوذ بالشرق». وهما يفتحان في هذا الكتاب ملف السياسة الخارجية الفرنسية كاملا بما في ذلك عقود التسليح والعلاقات الشخصية ويحاولان الإجابة عن العديد من الأسئلة الحساسة مثل: هل باع شيراك عن وعي التكنولوجيات النووية لصدام حسين؟ وهل كان قد طالب بتأخير الإفراج عن الرهائن الفرنسيين في لبنان؟ وما هي خلفيات علاقاته مع القادة العرب؟ وهل ناصر عرفات ضد إسرائيل؟ وما سر صداقته العميقة لأسرة الحريري؟ ما بين الثامنة عشرة والثامنة والعشرين من عمره أمضى جاك شيراك عامين ونصف، خلال ثلاث فترات متعاقبة، في الجزائر. ففي صيف عام 1950، عام حصوله على الشهادة الثانوية، قام بأربع رحلات ذهابا وإيابا إليها من أجل قتل السأم وحبا بالمغامرة وأيضا بدافع الرغبة بإثارة غضب والده الذي كان يريد منه الالتحاق بكلية «البوليتيكنك»، إحدى أشهر المدارس الفرنسية العليا لعموم التقنيات.

ثم عاد إلى الجزائر بعد ست سنوات باللباس العسكري حيث وصل إلى مدينة وهران يوم 15 أبريل 1956 ليذهب إلى موقع تمركز وحدته في مدينة سيدي بلعباس القريبة من الحدود المغربية. ولم يرجع إلى فرنسا إلا في شهر يونيو 1957، بعد أن أنهى خدمته الإلزامية. لكنه اجتاز البحر الأبيض المتوسط مرّة أخرى في شهر أبريل 1959 باتجاه الجزائر مع زملائه من خريجي دفعة تلك السنة من طلاب المدرسة الوطنية العليا للإدارة «إينا» التي تخرج منها العديد من رؤساء فرنسا وكبار مسؤوليها. كان «جي موليه»، رئيس الحكومة الفرنسية آنذاك، قد قرر أن يمضي خريجو المدارس العليا الكبرى، أي كبار موظفي الدولة مستقبلا، عاما في الجزائر. وقد عاد شيراك من هناك بالكثير من الذكريات، الجيدة والسيئة، والتي ساهمت كلها في صياغة طريقته بصنع القرارات. يقول مؤلفا الكتاب: «منذ الخطوات الأولى للرئيس مستقبلا كان العالم العربي موجودا مثل مستودع من التجارب وحيث يتم تعلّم كيف يكون المرء قائدا».

وكان شيراك قد صرّح بتاريخ 24 فبراير 1978 لمجلة «باري ماتش» الفرنسية قوله: «كانت الجزائر هي الفترة الأكثر زخرا بالمشاعر في حياتي». ويرى مؤلفا هذا الكتاب أن تصريحه في ذلك التاريخ لم يكن «مجانيا» إذ أن الانتخابات التشريعية كانت بعد أسبوعين وكان يريد استمالة أصوات أولئك الذين كانوا يقيمون في الجزائر والمعروفين باسم «أصحاب الأقدام السوداء». كان جاك شيراك يحب الجيش واللباس العسكري بل وخطر له أن يتطوع كضابط عام 1957. فهو يميل إلى «المخاطرة» و«الحركة» و«العيش في الهواء الطلق» و«حب القيادة». وقد قال في مقابلته مع مجلة باري ماتش: «على عكس ما قد يظن البعض، كانت تلك -تجربته في الجيش- لحظة حرية كبيرة وربما أحد تلك اللحظات الفريدة التي أحسست فيها أنني أملك زمام القيادة».

ويعود مؤلفا هذا الكتاب إلى سهرة رأس السنة عام 1959 حيث كان شيراك يمضيها مع زملائه من خريجي المدرسة الوطنية الفرنسية العليا للإدارة. كان النقاش يومها عن الجزائر حيث دافع البعض عن فكرة ضرورة حصولها على الاستقلال، بينما كان الآخرون يعتقدون أيضا بضرورة المحافظة على «الجزائر فرنسية»، وكان جاك شيراك في عداد هؤلاء. ولم يكن آنذاك منتميا إلى حزب سياسي فرنسي، بل كان يكتفي بالقول أنه من «أهل اليسار». وينقل المؤلفان عن ميشيل روكار، رئيس وزراء الاشتراكي الأسبق، الذي كان قد ارتبط بعلاقة صداقة وطيدة مع شيراك منذ تلك الفترة، وصفه له بالقول: «كان عنصرا حرا ويهتم بالأمور من موقع المواطنة المدنية، لكنه كان يتحدث دون اهتمام كبير. كان يتسلّى».

لكن المعطيات تغيّرت فيما بعد، ففي 16 سبتمبر 1959، تلفّظ الجنرال شارل ديغول، للمرّة الأولى في الجزائر، بتعبير «حق تقرير المصير». إن شيراك، مثل آخرين، لم يفهم، «لم يرد أن يفهم». «لقد جرح - التغيير في الموقف - حساسيتي آنذاك » كما يُنقل عنه. لكنه عاد بعد ذلك إلى تبنّي «سياسة واقعية» وقبول استقلال الجزائر.

ومن الصفات التي يؤكد عليها مؤلفا هذا الكتاب لدى شيراك حبّه للأسفار. إذ «عندما يكون في الجو ينسى الهموم» ثم يضيفان في موقع آخر: «هكذا يحب أن يرى فرنسا، من بعيد، وهو في الأعالي كي لا يمكن بعد ذلك تمييز النقاط السوداء، وعلى الآخرين، رئيس وزرائه ووزرائه أن يتدبروا أمورهم»، وأيضا: «إنه يهرب من بيته ومن الجو الثقيل الذي يخيّم فيه بين متطلبات برناديت - زوجته - وكلود -ابنته - والهم الذي يثيره التفكير بلورنس -ابنته المعاقة». ومن الصفات التي يتم الحديث عنها أيضا هي أن شيراك «يحب الأكل» كثيرا و«الشرب» إلى حد ما ويحرص على أن لا تفوته «القيلولة».

وفي الأول من شهر مارس 2003 كانت طائرة «الايرباص» الرئاسية الفرنسية تتجه صوب الجزائر العاصمة عبر البحر الأبيض المتوسط. كانت عملية «ليّ الذراع الدولية على أشدّها آنذاك بين الرئيس جاك شيراك والرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش حول العراق. كان الفرنسيون يرون أنه لم يكن قد جرى استنفاد جميع السبل الدبلوماسية لحل الأزمة بينما كان الأمريكيون يقرعون طبول الحرب. استقبل الجزائريون شيراك بحفاوة بالغة وصفّقت له الجموع بحرارة وهو يجتاز شوارع العاصمة، حيث بدا باعتراضه على الحرب ضد العراق وكأنه يجسد آمال شعوب العالم كلها. ونقرأ: «لكن الرئيس الفرنسي كان يطير أيضا نحو ذكرياته، ذلك أن مسيرته منذ فشل في أن يصبح بحّارا وحتى زياراته كرئيس دولة قادته دون انقطاع للتوجه نحو الحضارة العربية».

كانت وزارة الخارجية الفرنسية قد أعدّت «ملف الجزائر» في أفق تلك الزيارة التي اصطحب الرئيس فيها وزير خارجيته آنذاك دومينيك دوفيلبان وكبار مسؤولي الوزارة المختصين بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وفي الوقت الذي أعطى فيه شيراك ثقته كاملة لوزارة خارجيته كان فرانسوا ميتران قبله «يحذر» من هذه الوزارة على أساس أنها «مؤيدة للعرب» وكان يحرص على أن يكلّف عدة مستشارين بإعداد نفس الملف. كان يحرص أيضا على أن يبقى «خبراء» وزارة الخارجية في مؤخرة الطائرة الرئاسية خلف الستارة التي تحدد المنطقة المخصصة للرئيس. أمّا شيراك، فعلى العكس، كان يدعو رجال الوزارة إلى مقصورته وحيث ينقل المؤلفان عن أحد هؤلاء قوله: «إنه - أي شيراك- يستحسن مذكراتهم ويجد أنهم يكتبون بصورة جيدة ويخاطبهم باسمهم الأول».

يقال عن شيراك، مثل بقية الرؤساء، بأنه لا يستهويه شيء أكثر من الاهتمام بالشؤون الدولية، وتلقي الاتصالات الهاتفية وقراءة الملفات واستقبال القادة الأجانب عند زيارتهم لباريس. وكان شيراك قد قام بين عام 1995، عام انتخابه رئيسا للجمهورية الفرنسية وعام 2005، حتى نهاية الفترة، بمائتين وخمسين زيارة إلى الخارج. وكانت الزيارة التي قام بها للجزائر هي «أول زيارة دولية» يقوم بها رئيس فرنسي لها بعد الاستقلال، وذلك بعد أن كان قد قدم إليها في «زيارة عمل» بنهاية عام 2001. وفي «زيارة الدولة» تلك «كان الشارع الجزائري يستعد كي يجعل من القائد الفرنسي بطلا» حسب تعبير مؤلفي هذا الكتاب، ثم يضيفان: «إنه يقول لا للإمبراطورية الجديدة - الأمريكية- ولحروبها الوقائية مثلما كان قدوته الجنرال ديغول قد قال لا للهدنة وللتعاون مع النازيين».

حكايات الصداقة

«إن التعاطف الذي يبديه الرئيس جاك شيراك حيال العالم العربي ليس فيه أي شيء استثنائي، إذ هناك انجذاب خاص يعتمل داخل المجتمع الفرنسي حيال هذه المنطقة من العالم منذ فترة طويلة»، كما يؤكد مؤلفا هذا الكتاب بالاعتماد على روايات الأسفار إلى الشرق التي قام بها العديد من كتّاب وشعراء فرنسا منذ القرن التاسع عشر و«لا يزال الانجذاب مستمرا بعد مائة وخمسين سنة من رحلة فلوبير - مؤلف رواية مدام بوفاري - إلى الشرق». وتدل إحصائية نقلها هنري لورنس الذي يحتل «كرسي» أستاذ تاريخ العالم العربي في الكوليج دو فرانس - أرفع مؤسسة علمية فرنسية - أنه يوجد في فرنسا عدد من حملة الشهادات في اللغة العربية أكثر مما هو بالنسبة لجميع جامعات الولايات المتحدة الأمريكية.

ويعتبر مؤلفا هذا الكتاب أن البواكير الأولى ل«الصداقات الفرنسية - العربية» قد جاءت نتيجة لتضافر عمل مجموعة من البشر تضم أولئك الذين وُلدوا في المستعمرات السابقة والرحّالة الذين قاموا بأسفار إلى الشرق وتأثروا كثيرا به والدبلوماسيون الذين كانوا قد درسوا في مدرسة اللغات الشرقية بباريس والمناضلين الذين ناصروا النضال ضد الاستعمار، ولكن أيضا عدد من الموظفين والجامعيين والصحفيين. وكانت حرب يونيو 1967 هي التي بلورت هذه الحساسيات كلها إلى تيار يمكنه أن يُسمع صوته داخل المجتمع الفرنسي.

وفجأة بعد 5 يونيو غدت العلاقات الفرنسية-العربية في قلب «النقاش الوطني» الفرنسي، وإذا كانت أغلبية الرأي العام الفرنسي حافظت على الموقف الداعم لإسرائيل فإن أقلية «تعلّمت كيف تكتشف الواقع الفلسطيني»، بل وكان هذا الموضوع أحد عوامل إعادة رسم الخارطة السياسية الفرنسية الداخلية. ففي معسكر اليسار انفضّ الناخبون اليهود عن الحزب الشيوعي إذ اعتبروه «مفرطا في عدائه لإسرائيل» كي ينضمّوا إلى الحزب الاشتراكي ذي العلاقة القوية مع حزب العمل الإسرائيلي بزعامة غولدا مائير. وعلى صعيد اليمين كان المؤتمر الصحفي الذي عقده الجنرال شارل ديغول يوم 27 نوفمبر 1967 ووصف فيه اليهود على أنهم «شعب من النخبة، معتد بنفسه ويحب السيطرة»، إشارة إلى حدوث منعطف في التيار الديغولي وولاية تيار في داخلها مؤيد للعرب تشكلت نواته من عدد من أعضاء الجمعية الوطنية الفرنسية من بينهم لويس تيرينوار وميشيل حبيب دولونكل وجانليبوفسكي.

وفي المحصلة تتم الإشارة إلى تشكّل «مجموعة من الأفراد، في معسكر اليمين كما في معسكر اليسار، أحسّوا بالحاجة إلى توحيد جهودهم من أجل الدفاع عن وجهة النظر العربية في فرنسا». وينقل المؤلفان عن الديغولي «لوسيان بيترلان» قوله: «أثار الحماس لصالح إسرائيل صدمة، وكان لا يزال يتم الكلام عن لاجئين عرب وليس عن فلسطينيين«. كما ينقلان عن «آلان شونال» الاشتراكي قوله: «بعد الجزائر، وبعد حرب الأيام الستة، كان الشعور السائد هو النظر إلى العرب على أنهم أشرار. وقد أحس بعض من الذين لا يزالون أقلية، وإنما الذين ينتمون إلى مختلف المشارب السياسية، بأنهم متضامنون مع العالم العربي، وقد تقاربوا فيما بينهم». أما الدبلوماسي الفرنسي السابق إريك ديماريه فقد قال: «إن ما جرى للفلسطينيين عام 1948 أمر مرعب. وأنا متعلق بالقضية الفلسطينية إلى درجة أنني وجدت نفسي أحلم بأنني كنت مقاتلا فلسطينيا».

فرنسا بلد متوسطي

لكن البعض يعيد العلاقات الفرنسية- العربية إلى فترات بعيدة ماضية وتحديدا إلى الحقبة التي كان فيها هارون الرشيد خليفة عباسيا في بغداد وكان شارلمان إمبراطورا لفرنسا مقرّه في ايكس لاشابيل. وكان هذان الزعيمان قد «تبادلا السفراء» آنذاك. وكان لويس الرابع عشر قد أنشأ مدرسة تخرج المترجمين من وإلى اللغة العربية. أمّا الثورة الفرنسية الكبرى لعام 1789 فقد كانت وراء تشييد مدرسة اللغات الشرقية التي لا تزال تخرّج حتى الآن الدبلوماسيين الفرنسيين الذين يتحدثون اللغة العربية. وكان جان بيير شوفنمان، وزير الدفاع الفرنسي الأسبق، والمعروف بصداقته مع العرب، قال: «تعبر هذه التقاليد كلها عن أن فرنسا بلد متوسطي». وكان شوفنمان قد استقال من وزارة الدفاع عام 1991 احتجاجا على قرار الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران مشاركة فرنسا في حرب الخليج عام 1991 فيما هو أبعد من تحرير الكويت.

وبالنسبة لجاك شيراك فقد كان وراء إنشاء جمعية «حلقة فرنسا- العالم العربي» عندما كان رئيسا للوزراء خلال فترة التعايش مع الرئيس الاشتراكي ميتران ما بين 1986 و1988. وكانت تلك الجمعية تحت رئاسة صديقه الديغولي «إيف جينا» رئيس معهد العالم العربي بباريس اليوم. كان شيراك آنذاك، كما يشير مؤلفا هذا الكتاب، يريد أن تكون لديه «أداة دبلوماسية موازية» تكون غير خاضعة لسلطة قصر الاليزيه - الرئاسة الفرنسية. وإذا كان معهد العالم العربي في باريس قد حقق نجاحا ملحوظا عبر توافد أكثر من مليون شخص لزيارته سنويا و«إنه لم يحقق مع ذلك الطموح المبدئي الذي شيد من أجله وهو أن يجعل من باريس عاصمة كبيرة للثقافة العربية. وإذا كان المثقفون العرب يحبّون الإقامة في فرنسا فإنهم يأتون إليها أقل فأقل. فهم لا يحسون بحسن استقبالهم فيها ووزارة الداخلية الفرنسية تشدد الرقابة عليهم أكثر. إن الفنانين والكتاب والباحثين العرب يتجنبون العاصمة الفرنسية لصالح لندن أو نيويورك»، كما يكتب المؤلفان.

أحلام ومدافع

بتاريخ 14 يونيو 1940 رن الهاتف في المنزل الريفي الصغير لأسرة شيراك. ردّت الأم «ماري لويز» إذ كان الأب «ابيل شيراك» في سفر إلى كندا. كان المتحدث هو رجل الصناعة «مارسيل بلوك» الذي سمّى نفسه فيما بعد مارسيل «داسّو» صانع الطائرات الشهير. كان صديق أسرة شيراك منذ عدة سنوات، وقد قال يومها للسيدة شيراك: «لقد وصل الألمان لذلك ينبغي الرحيل». هكذا أمضت الأسرة سنوات الاحتلال الألماني لفرنسا في جنوب البلاد على «الكوت دازور» -الشاطئ اللازوردي. يوم انطلق جاك شيراك في ميدان السياسة وجد في «مارسيل داسّو» سندا قويا له في مسيرته، وبالتالي لم يكن جاك شيراك غريبا عن عالم تجّار الطائرات والمدافع. وكان هؤلاء التجار، وعلى رأسهم داسّو نفسه، صانع الميراج، قد بدؤوا يهتمون جدّيا بالبلدان العربية. وقد ساعدت الزيادة الكبيرة في أسعار البترول على توافد «العديد من الأصدقاء العرب الجدد إلى فرنسا».

وعندما أصبح جاك شيراك رئيسا لوزراء فرنسا عام 1974 في ظل رئاسة فاليري جيسكار ديستان، كان التحدّي الكبير الذي تواجهه البلدان الصناعية هو تأمين التزود بالبترول بأسعار معقولة. وأمام تهديد البلدان المنتجة بفرض حظر على بيع النفط للغرب إثر حرب أكتوبر 1973 أطلق ميشيل جوبير الذي كان آخر وزير خارجية لفرنسا في ظل حكم الرئيس جورج بومبيدو و«سيرج بوادوفيه» الذي عمل مستشارا دبلوماسيا لشيراك في رئاسة الحكومة فكرة الشروع ب«حوار أوروبي-عربي». كان السؤال المطروح على الفرنسيين آنذاك هو كما صاغه بوادوفيه: «لقد تساءلنا: كيف سنعمل؟ وكيف سنبيع تجهيزاتنا، بما في ذلك العسكرية منها؟».

ويؤكد المؤلفان أن الفرنسيين وجدوا مكانا لهم لدى العديد من البلدان العربية التي أرادت الاستفادة من عائداتها البترولية كي لا تكون محكومة تماما بأحد النفوذين، الأمريكي أوالسوفييتي. وقد قدّمت فرنسا عدة ميزات من بينها أنها بلاد الجنرال ديغول التي تمتلك صناعة أسلحة متقدمة وهي مستقلة عن الولايات المتحدة، على عكس الإنكليز. هكذا استطاعت فرنسا في العديد من المستعمرات البريطانية السابقة أن تنافس الوجود الإنكليزي وأن تبيع خلال عدة سنوات فقط كميات كبيرة من الأسلحة لهذه البلدان.

في عام 1973 أصبح جاك شيراك رئيسا للوزراء، وللمرّة الأولى، بعد أن كان قد شغل عدة مناصب وزارية للعمل وللميزانية وللزراعة وللداخلية. وقد جعل في مقدمة أولوياته في الحكومة القيام باتصالات مع القادة العرب، وحيث كان يريد الترويج لمبيعات الأسلحة الفرنسية باعتبار أن هذا الميدان مناط بالحكومة بينما يرتبط ميدان السياسة الخارجية برئيس الجمهورية نفسه. وكان شيراك يريد أيضا أن «يرد الجميل» لمارسيل داسّو، صانع الطائرات، وحيث ينقل المؤلفان عن «جان فرانسوا بروبت»، المسؤول في القسم الصحفي لدى رئاسة الوزراء آنذاك، قوله: «كان شيراك يذهب غالبا لرؤية داسّو في مقر شركته بالشانزليزيه، وكان يتم الحديث هناك أيضا عن عقود».

وكان شيراك يلتقي كل يوم ثلاثاء، عندما كان رئيسا للوزراء، بوزير دفاعه وبعدد من كبار الجنرالات والأميرالات حيث «يستعلم منهم عن أخبار العقود». وكان هو نفسه يعيد قراءة البيانات التي يعدّها مكتبه الصحفي عندما تكون موجهة للعسكريين. وخلال السنوات التي أمضاها جاك شيراك رئيسا للحكومة الفرنسية آنذاك كان «أكبر زبائنه» صدام حسين.

شيراك وصدام

في مطلع شهر سبتمبر من عام 1975 قام صدام حسين الذي لم يكن يشغل آنذاك رسميا سوى منصب نائب رئيس مجلس قيادة الثورة في العراق، لكنه كان يمتلك في الواقع كل السلطات. لذلك حرصت فرنسا أن تستقبله بحفاوة تكون أقرب ما يمكن لتلك التي تستقبل بها رؤساء الدول. بل ويؤكد المؤلفان أن الحرّاس الشخصيين لصدام كانوا يجوبون برشاشاتهم الرواق أمام مقر إقامته، وكان طبّاخوه هم الذين يحضرون الأطعمة له. وفي اليوم الخامس من تلك الزيارة فاجأ صدام جميع المدعوين إلى حفل العشاء الذي أقامه على شرف جاك شيراك إذ جلبت طائرة عراقية طنا من سمك «المسقوف» المستخرج من نهر دجلة والمشوي على الجمر إلى باريس.

ويشير المؤلفان إلى أن «جاك شيراك لم يتوقف أبدا بعد ذلك وطيلة مسيرته السياسية عن التقليل من أهمية تلك الأيام التي أمضاها في شهر سبتمبر 1975 مع صدّام». وقد كرر دائما أنه تصرف بناءً على أوامر الرئيس الفرنسي آنذاك. كما أن شيراك قد ألقى على الذين خلفوه في رئاسة الحكومة مسؤولية العقود التي تمّت مناقشتها خلال تلك الزيارة، لاسيما العقد الأكثر إثارة للجدل بينها، أي الاتفاق الخاص بالتعاون النووي. وتتم الإشارة هنا إلى أنه بعد 28 سنة بعد ذلك التاريخ، وفي أوج الأزمة العراقية الأخيرة قبل اندلاع الحرب، وجه صحفي أمريكي السؤال لجاك شيراك عن علاقته مع صدام فأجاب: «لقد رأيت صدّام عندما كان نائبا للرئيس العراقي مرتين عام 1974 وعام 1975 أو 1976. ولم أره بعد ذلك أبدا». ثم أضاف: «كان الجميع يقيمون آنذاك علاقات ممتازة مع صدام حسين... جميع العالم».

وما يؤكده المؤلفان هو أن شيراك قد التقى بصدام حسين أربع مرّات وليس مرتين فقط، ومن دون أن يتوقفا عند «عدد المرّات» فإنهما يؤكدان أنه حباه بمعاملة خاصة. وينقلان عنه قوله له لحظة نزوله من الطائرة في مطار أورلي قادما من بغداد: «أنت صديقي الشخصي، وثق باحترامي وتقديري وعواطفي حيالك». كان ذلك يوم 5 سبتمبر 1974. وقد اصطحب شيراك ضيفه في مساء نفس اليوم إلى جنوب فرنسا لإمضاء فترة نهاية الأسبوع في نزل يعود للقرن السادس عشر. وينقل المؤلفان عن «حفيد» صاحب النزل قوله بخصوص تلك الزيارة: «كان كل شيء محدد بدقة عند زيارة ملكة بريطانيا أو شاه إيران أو دينغ شياوبنغ- الصيني»، لكن «لم نكن نعرف ماذا علينا أن نفعل، وكنا دائما في حالة تأهب» بخصوص زيارة صدام الذي تناول مع شيراك طعام الغداء إحدى المرات بالقرب من المسبح وبوجود المترجم فقط.

وفي اليوم التالي كانت القرية، حيث يوجد النزل، تنظم احتفالا شعبيا سنويا يقوم فيه الشباب بمحاولة انتزاع رباط عن رأس ثور والذي ينجح يفوز بجائزة. وعندما أعلن مذيع الحفل عن تبرعات التجار للفائز بمبالغ تقارب ال50 فرنكا، قام صدام الذي اصطحبوه للتفرج بتقديم مساهمة أيضا حيث أعلن المذيع: «السيد صدام حسين، نائب رئيس مجلس قيادة الثورة في العراق يقدم 000 50 فرنك فرنسي للفائز القادم». وانفجرت عندها عاصفة من التصفيق.

لكن صدام لم يذهب لجنوب فرنسا من أجل «السياحة»، لقد فتح له شيراك أبواب مفاعل «كاداراش» للأبحاث النووية، وأحد أكثر المفاعلات تقدما في العالم. وكانت مفوضية الطاقة النووية قد اختبرت مولّدها الأول فيه وعمّدته باسم الفينيق. ويشير المؤلفان إلى صورة تضم الرجلين وهما باللباس الأبيض الذي يحمل شارة المفوضية. وقد أعلن شيراك في ذلك السياق عن التوقيع بعد فترة لاتفاق حول التعاون النووي. وقال: «إن العراق بصدد إعداد برنامج نووي متناسق، وفرنسا تريد المشاركة بهذا الجهد في المولدات التي تعمل بواسطة الماء في هذه المرحلة».

وحضر الرجلان أيضا تدريبات جوية في قاعدة «ايستر» برفقة عدد من كبار مسؤولي الإدارة العامة للتسلح. أثارت طائرة «ميراج-اف-ا» صدام كثيرا وكانت آخر ما أنتجته ورشات مصانع داسو، فالتفت نحو شيراك وقال له: «متى يمكن الحصول عليها؟». «لم يسأل كم وكيف ولماذا، وإنما فقط متى، وحيث سيشتري أكثر من مائة منها»، يعلق مؤلفا هذا الكتاب.

ضربة صاعقة

لم يفارق شيراك صدام طيلة تلك الزيارة التي استمرت ثمانية أيام. فهل يمكن الحديث عن محبة مفاجئة ك«ضربة صاعقة»؟ ينقل المؤلفان عن امير الانباري، سفير العراق الأسبق لدى الأمم المتحدة قوله: «كانت علاقة ودية تجاوزت العلاقة القائمة بين قادة أجانب». وينقلان عن سيرج بوادوفيه قوله: «لا صدام، ولا شيراك تسيرهما العواطف. لا أقول إنه لم تكن هناك حرارة في اللقاء، ولكن مصلحة الدولة هي السائدة لدى الطرفين». كذلك ينقلان عن جان فرانسوا بروبت، الناطق باسم شيراك أنه قال ذات مرّة: «سيكون صدام هو ديغول الشرق الأوسط».

وعندما قابل جاك شيراك صدام حسين للمرة الأولى في بغداد أثناء زيارة استغرقت 48 ساعة فقط انهالت طلبات الشراء من فرنسا وكان من بينها مستشفى عسكري، ومجمّع للبتروكيماويات في البصرة ومصنع للألمنيوم وطائرات «ايرباص» للنقل وشاحنات وعربات... وينقل المؤلفان هنا عن وزير الخارجية الأسبق هوبير فدرين قوله: «لم تكن فرنسا هي البلد الوحيد الذي وقّع عقودا كبيرة مع العراق. فالألمان والإيطاليون وحتى الأمريكيون فعلوا الشيء نفسه عندما كان صدام حسين مقبولا لديهم».

ويؤكد مؤلفا هذا الكتاب أن العديد من العقود قد جرى تنفيذها بعد رحيل جاك شيراك عن قصر ماتينيون - مقر رئاسة الحكومة-، وخاصة الدفعة الأولى المتمثلة في 36 طائرة ميراج. لكنهما يؤكدان أيضا أنه جرى بتاريخ 18 نوفمبر 1975، أي بعد شهرين من زيارة صدام إلى باريس، توقيع اتفاق بين فرنسا والعراق لبناء مفاعل نووي بالقرب من بغداد، أطلقوا عليه أولا تسمية «اوزيراك» ولم يتأخر أصحاب الألسنة السليطة عن تسميته بــ«أوشيراك».

عرض ومناقشة: محمد الخولي