يمكن القول إن عام 2006 الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة كان جديرا بأن يطلق عليه لقب عام الاكتشافات العلمية، التي لا غنى عنها في صراع الإنسان مع قوى الطبيعة والتي غطت هذا العام ميادين علمية شتى بدءا بصحة الإنسان والبيئة التي تحيط به مرورا بعلوم مثل الرياضيات وليس انتهاء بعلم الأحياء، مما حدا بوسائل الإعلام العالمية إلى إبراز أهم هذه الفتوحات العلمية ولقد اخترنا العشرة الأبرز منها لنعرضها على متن السطور التالية:

حل لغز بونكاريه

كان يعتبر هذا اللغز أعقد مشكلة رياضية طوال هذا القرن من الزمن وواحدة من عشر مسائل لم تجد طريقا للحل خلال الألفية. يتعلق الأمر بمشكلة في علم الهندسة اللاكمية وتعتبر إحدى أشهر المسائل الرياضية التي ظلت عصية على البرهنة منذ أن وضعها العالم الفرنسي هنري بونكاريه عام 1904 ، إلى أن جاء الروسي غريغوري بيرلمان ونشر الحل على شبكة الإنترنت منذ ثلاث سنوات.

ولقد منح بيرلمان ، الذي يعتبر أذكى شخص في العالم، هذا العام جائزة فيلدز ، التي تعتبر بمثابة جائزة نوبل للرياضيات، لكن العالم الروسي، الذي يعيش في قرية صغيرة بعيدا عن الأضواء والحياة الاجتماعية الصاخبة، لم يذهب حتى لاستلام الجائزة. بيد أن اكتشافه العلمي هذا كان محل تقدير كبير من جانب مجلة «سيانس» التي اعتبرته أهم اكتشاف علمي لهذا العام ووصفته بأنه «لوحة دورية» ستساهم في دراسة الأبعاد الثلاثية.

الحمض النووي

هناك منظومة علمية جديدة اشتد عودها خلال السنوات القليلة الماضية فاتحة الطريق أمام نفسها وفي الوقت نفسه أمام حدود معرفية جديدة. وهنا يتعلق الأمر بعلم الجينات أو بكلمات أخرى بدراسة الحمض النووي (دي أن إيه) الخاص بالمستحاثات أو الأحافير، إذ تقدم عملية تكبير لقطات متسلسلة للحمض النووي لأجناس منقرضة - تقدم للعلم إضافة نوعية على جانب كبير من الأهمية وميدانا جديدا ومعقدا للعمل والحركة.

وخلال هذا العام ، الذي أحتفل فيه بالذكرى الـ 150 لاكتشاف إنسان نياندرتال، تمكن فريق من الباحثين ولأول مرة في التاريخ من استخلاص كمية من البروتين من عظام إنسان نياندرتال عمره 75 ألف سنة، وهذه العينة هي أقدم بروتين مستخلص من بقايا بشرية متحجرة يمكن معرفة التسلسل الخاص بها ،

مع أنه من النادر جدا استخلاص بروتين إنسان قديم إلى هذه الدرجة والأهم من ذلك هو أن فريق الباحثين هذا تمكن كذلك من تحديد تسلسل الحامض الأميني لهذا البروتين، الأمر الذي يتيح معرفة معلومات قيمة حول العلاقات الجينية بين الكائنات المنقرضة وتلك التي لا تزال على قيد الحياة.

مشكلة الغطاء الجليدي المنحسر

بعد القيام بالعديد من عمليات الاستكشاف والمراقبة على أرض الواقع، خلص الباحثون هذا العام إلى نتيجة مقلقة مفادها أن منطقتين متجمدتين من الكرة الأرضية هما غرينلاند وأنتاريدا اللتان يتناقص فيهما حجم وسماكة الجليد بسرعات متزايدة وأن سبب هذه الظاهرة الكارثية إنما يكمن في ارتفاع درجة حرارة الكرة الأرضية بصورة متزايدة أيضا،

الأمر الذي ترك بصماته في أجزاء كبيرة من العلم على أنظمة فيزيائية وبيولوجية مختلفة تمثلت في المقام الأول بتراجع الكتل الجليدية والتغيرات في سلوك الحيوانات وإزهار بعض الأشجار قبل أوانها، كما أكد الباحثون أن ارتفاع حرارة الأرض في القرن الـ 21 قد يؤدي إلى تغييرات كبيرة في مرحلة لاحقة ستنعكس نتائجها على كافة قارات العالم.

الحلقة المفقودة في الفقاريات

اكتشف علماء كنديون سمكة متحجرة يعود تاريخها إلى 383 مليون عاما قبل الميلاد وأطلقوا عليها اسم «تيتياليك روزيا»، كما كشفت دراسة أميركية أن هذه السمكة تمثل مرحلة التحول التشريحي لبعض الأسماك إلى فقاريات أرضية تسير على أربع بعد أن تكون قد هجرت المياه وأشارت الدراسة

كذلك إلى أن هذا النوع من الأسماك تحول بعد 20 مليون سنة أي في عام 360 مليون قبل الميلاد تقريبا إلى فقاريات أرضية. وتبين على ضوء عمليات تشريحية للسمكة أن «تيتياليك روزيا» تحمل أعضاء تمكنها من العيش في المياه مع التنفس خارج المياه برفع رأسها عن سطح الماء كما تبين أن لها زعانف مثل كل الأسماك بالإضافة إلى أطراف وإن كانت هذه داخلية لكنها تتشابه مع أطراف الفقاريات الأرضية.

الطريق الطويل نحو تقنية التخفي

تمكن العلم هذا العام من الاقتراب أكثر قليلا من الخيال بفضل تصميم أول رداء غير مرئي رغم أن هذا التصميم لا يزال في طوره الأول ، إذ لا يمكن رؤية قطعة اللباس هذه، التي تشبه معطف المطر، إلا حين تلاحظ تحت ظروف محددة. وبعيداً عن كمال الاختراع،

فإن هذا النظام يقوم على طريقة ثورية في التلاعب بالموجات الكهرومغناطيسية عن طريق إجبارها، بطريقة ما، على «تجاهل» الغرض الذي تحيط به كالمعصم وتظهر ما هو موجود خلفه مباشرة، علما بأن المعطف مصنوع من مادة خاصة تسهل هذه العملية، التي قد تحدث ثورة في العلم وحياة الإنسان عموما.

نصر على العمى

حمل عام 2006 أنباء طيبة لملايين الأشخاص الذين يعانون من مشكلات بصرية بسبب التقدم في السن وتحديدا مما يسمى مرض انحلال البقع العينية ، الذي يؤدي إلى تلف في شبكية العين ومن ثم إلى العمى الجزئي. فلقد أجري في المملكة المتحدة عملية لامرأة متقدمة بالسن لإزالة هذه البقع وكانت العملية ناجحة، الأمر الذي اعتبره الأطباء نقلة نوعية كبرى في ميدان طب العيون.

دراسات عديدة أجريت خلال الأشهر الـ 12 الماضية كشفت النقاب عن أنه يكفي تغيير البيئة والظروف التي يعيش في ظلها مجموعة من الأفراد حتى يبدأون بإنتاج تغييرات جينية تفضي بدورها إلى تحويل سلالاتهم إلى نوع منفصل. ولقد ساعد إدراك القوة الجينية في العمليات الارتقائية العلماء على فهم إحدى القضايا الأساسية في علم البيولوجيا: كيف يحدث التنوع الحيوي انطلاقا من أجناس موجودة أصلا وأخرى جديدة بصورة كلية.

نحو اكتشاف أصغر جسيم

تمكن علماء الأحياء هذا العام من الحصول على رؤية واضحة أكثر من أي وقت مضى للتركيبة الدقيقة للخلايا والبروتينات بفضل تقنيات مجهرية جديدة تسمح بالوصول إلى ما هو أبعد من الحد المعتاد لما يمكن رؤيته حتى الآن. فالمجهر العادي غير قادر عمليا على تحليل الأشياء التي يكون حجمها أصغر من نصف طول موجة الضوء المستخدمة من أجل الإنارة (حوالي 200 نانومتر بالنسبة للضوء المرئي).

ولقد أمضى الفيزيائيون سنوات وهم يحاولون تخطي هذا العائق أو هذا الحد المعروف باسم «حيد الضوء». ولقد تحقق هذا الفتح العلمي في أبريل وأغسطس الماضيين على يد مجموعتين مختلفتين من الباحثين.

دوام الذاكرة

تعتبر الطريقة التي يسجل من خلالها العقل ذكريات جديدة واحدة من القضايا المركزية في ميدان علم الأعصاب. إحدى الإمكانيات تتطلب عملية تسمى «تقوية على المدى البعيد» ) إل تي بي)، التي تقوي بطريقة ما الصلات بين الأعصاب والتي تعتبر بالنسبة للكثيرين الآلية الحقيقية للذاكرة.

لكن قول ما سبق أمر والتمكن من إثبات ذلك بشكل فعلي هو أمر مختلف تماما. لكن دراسات عدة أجريت خلال هذا العام يبدو أنها تعزز هذه الفرضية رغم الصعوبة الهائلة التي تفترضها مسألة إثبات بعض التكهنات الخاصة بعمل (إل تي بي). إحدى هذه الدراسات، المنشورة في أغسطس، تمكنت من إثبات أن إلغاء الـ «إل تي بي» إثر تعلم شيء ما يفترض نسيانه بالكامل.

التلاعب الجيني

تكرر خلال الأعوام الماضية اكتشاف جزيئات صغيرة من الحمض النووي الريبي «آر أن إيه» قادرة على «شل حركة» بعض الجينات، وعام 2006 لم يشذ عن القاعدة ، بعد أن انضم إلى نادي الجزيئات عضو جديد يدعى «بي آي آر أن إيه»، الذي يكثر في خصي البشر والحيوانات والذي ينظم تطور الخلايا المنوية ويحافظ عليها.

ترجمة: باسل أبو حمدة عن «إيه بي سي» ـ اسبانيا