من المؤكد أن حرب إسرائيل مع حزب الله في يوليو 2006 والتي جاءت دون تخطيط مسبق من قبل طرفيها، ولم يتم التنبؤ بها في «تقارير توقعات العالم عام 2006»، سيكون لها تداعياتها طويلة الأمد على الدولة العبرية خلال عام 2007.

وتتعزز هذه الفرضية في ضوء حقيقة أن الأداء العسكري الإسرائيلي الذي صادف انتقادات عديدة، فضلا عن عملية إدارة الحرب يخضعان الآن للتحقيق من قبل لجنة خاصة في إسرائيل.

وعلى ذلك فإنه من المتوقع أن يظل رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت ووزير دفاعه عامير بيريتز فضلا عن رئيس الأركان حالوتس في حالة قلق ورغبة بتوقع ما ستتوصل إليه اللجنة من نتائج قد تؤدي إلى الإطاحة بهم من مناصبهم. وحتى إذا لم تؤد التحقيقات إلى تلك النتيجة فإنه من المؤكد أنها ستتواصل خلال عام 2007 بما يتركهم في حالة لا يستطيعون من خلالها إدارة دفة الأمور بأريحية.

غير أنه مما قد يجعل أولمرت وبيريتز شريكه في الائتلاف الحاكم ومنافسه السياسي قريري العين بعض الشيء حقيقة أن اللجنة ستنظر ضمن أعمالها في مواقف وسياسات أسلافهم في الحكم منذ عام 2000 ومدى تأثيرها السلبي على ما آلت إليه الأمور خلال الحرب.

فمن المعروف أن إسرائيل كانت قد اتخذت قرارا من جانب واحد بالانسحاب من جنوب لبنان ما أدى إلى سيطرة حزب الله على منطقة الحدود وزرع المنطقة بمنصات إطلاق الصواريخ. وعلى ذلك فإن النتيجة التي يمكن الوصول اليها تتمثل في حقيقة أن قادة إسرائيل الذين يعتبرون في موقف حرج جراء تطورات الحرب على لبنان قد يواجهون مشاكل عديدة في إحكام سيطرتهم على مقدرات الأمور في البلاد جراء هذه الحرب.

مشاكل الانسحابات الأحادية

إن وقت الحرب في حد ذاته كان حرجا ومأساويا خاصة في ظل الحالة الصعبة التي وجدت إسرائيل نفسها فيها إزاء تعذر تحقيق نصر حاسم على حزب الله وإزاء تطورات الوضع على الجبهة الفلسطينية. فقد كان شارون أحد المدافعين الأساسيين عن قضية الاستيطان قد أحدث تحولا جوهريا في تلك السياسة من خلال قراره بالانسحاب الأحادي من قطاع غزة في أغسطس 2005.

وقد وضح التأثير الإيجابي لتلك الخطوة على صعيد الوضع في إسرائيل خلال انتخابات مارس 2006 بحصول حزب كاديما الذي أسسه شارون على السلطة. غير أنه إزاء مرض هذا الأخير وتعرضه لجلطة في المخ لم يستطع الحزب بقيادة خلفه صاحب الأداء الباهت إيهود أولمرت سوى الحصول على 29 مقعدا في الانتخابات من 120 مقعدا هي جملة مقاعد الكنيست.

ومع ذلك فإنه يبدو أن إسرائيل ستجد نفسها مجبرة على مواصلة ما بدأته حيث ستسحب قواتها ومستوطنيها من أكثر من 90% من الضفة الغربية.

ومن المتصور أن الأفضل أن يتم ذلك من خلال اتفاق مع الفلسطينيين ولكن في ظل وجود تولي حماس زمام الحكم في الأراضي الفلسطينية فإن هذا الأمر يبدو ضعيف الحدوث، وعلى ذلك فإن السيناريو الذي يتم تقديمه لأولمرت هو العمل بمفرده. أما كيف يتم ذلك فيبدو أن هذا هو السبب الذي على أساسه التحق حزب العمل بقيادة بيريتز بحكومة كاديما من أجل تطبيق السياسة المتعلقة بهذا الجانب.

عبء الاحتلال

ولكن يبدو أن الحرب وضعت هذا الأمر محل مراجعة فالأربعة آلاف صاروخ التي تم إطلاقها من لبنان خلال حرب ال34 يوما وكذلك الصواريخ التي تم إطلاقها من غزة أقنعت الرأي العام الإسرائيلي أن الانسحاب من الضفة دون أن تكون هناك حكومة فعالة وذات توجهات سلمية على الجانب الفلسطيني لن يكون سوى نوع من الجنون، وعلى ذلك فإن إسرائيل سوف تدخل 2007 ولديها الرغبة في التخلص من احتلالها في النهاية، غير أنها لا تعرف كيف؟

والمشكلة أن بوادر الانهيار بدأت تلحق بحزب كاديما، فبعض أعضائه بدأوا في العودة إلى حزبهم الأم.. الليكود، فيما أن البعض الآخر يبحث عن حلفاء. وفي حزب العمل فإن الأمور ناضجة لموقف معاد لبيرتيز.. والخناجر جاهزة لطعنه.

كما أن أولمرت يواجه متاعب قضائية من جهة ثانية حيث إنه يخضع للتحقيق بشأن قضية فساد، ويأتي هذا في ذات الوقت الذي خضع فيه وزير من كاديما للمحاكمة على خلفية تهمة جنسية تتعلق بجندية إسرائيلية، وكذا محاكمة الرئيس الإسرائيلي ـ رغم منصبه الشرفي ـ على خلفية تهمة مماثلة تتعلق بتحرش جنسي.

إن هذه الأجواء بما يمكن أن تؤدي إليه من حالة عدم رضاء تكرس الخطر الذي يتهدد المستقبل السياسي للنظام الحاكم في إسرائيل، الأمر الذي يمكن ان ينتهي به إلى خوض غمار عملية انتخابات مبكرة.. ولكن السؤال هو من سيدير هذه الانتخابات وفي مواجهة من؟

فمع ضعف القادة.... فإن الدعوات لإصلاح النظام الانتخابي أصبحت تملأ وسائل الإعلام الإسرائيلية وسط تحذيرات مضادة من إضاعة الوقت في البحث الوهمي عن زعيم قوي. فالمرة الأخيرة التي أقدمت فيها إسرائيل على إجراء تعديل على دستورها خلال التسعينيات أتت بنتانياهو إلى الحكم كأول رئيس وزراء منتخب بشكل مباشر.

وقد ترك نتانياهو الحكم بعد نحو ثلاث سنوات إثر فشله في مواجهة إيهود باراك، والذي لم يبق في الحكم سوى أقل من عامين قبل أن يتم اكتساحه من قبل شارون. لقد بدا أن الاثنين ـ نتانياهو وباراك ـ فقدا مصداقيتهما وتم تغيير قواعد النظام غير أنهما عادا ثانية إلى تولي مناصب مهمة فيما بدا نوع من الانتقام.. نتانياهو كرئيس لحزب الليكود المتراجع في شعبيته وباراك كمسؤول في موقع بارز بحزب العمل.

في الحرب يكمن الأمل

إن أي شعاع أمل بشأن آفاق المستقبل في إسرائيل إنما يكمن في الحرب على لبنان ونتائجها. فالحرب يمكن لها أن تمثل مساهمة ملموسة في التحول إلى السلام من خلال ما جري الحال على السخرية منه والتقليل من شأنه ممثلا في المجتمع الدولي.. فقوات الأمم المتحدة الموجودة في لبنان ـ اليونفيل .

ـ والتي تقوم على مهمة الحفاظ على الأوضاع في الجنوب وتتشكل من وحدات من دول أوروبية وإسلامية يمكن النظر إليها على اختبار لما يمكن أن يتم الاستقرار عليه في 2007، فإذا ما أثبتت هذه القوات قدرتها على لجم حزب الله والحد من خطره وصد الجيش الإسرائيلي فإنه يمكن النظر إليها على صعيد الأطراف المؤثرة على المسار الفلسطيني الإسرائيلي على أنها تمثل سابقة بشأن حدود تأثير التدخل الدولي يمكن الأخذ بها في إطار هذا المسار.

على المستوى الاستراتيجي فإن الحرب على لبنان أظهرت إلى حد كبير مدى الخوف من إيران في أوساط الحكومات السنية المسلمة بالمنطقة، وهو خوف على ما يبدو يصل في بعض مراحله إلى تجاوز درجة الخوف من إسرائيل. وتنظر هذه الحكومات، على عكس شعوبها، إلى حزب الله على أنه امتداد لقوة إيران وذراع لها وقد أبدت فرحتها بما لحق به من خسائر خلال الحرب.

هذه الحكومات من المنتظر أن تضغط على الولايات المتحدة من أجل الحيلولة دون امتلاك إيران سلاح نووي، وهو الأمر الذي تجد إسرائيل نفسها على توافق معه، الأمر الذي من المنتظر أن يعزز حالة التلاقي الإسرائيلية العربية حال التوصل إلى تسوية بشأن القضية الفلسطينية.

ولكن السؤال هل يمكن الاعتماد على الولايات المتحدة في هذا الشأن؟ هذا هو الهاجس الإسرائيلي خلال 2007، فمحللوها يرون أن هناك سيناريو يقوم على بعدين بالغي التشاؤم يتمثل في إصرار إيران على مواصلة برنامجها النووي في ذات الوقت الذي ستضعف فيه قوة الرئيس بوش إزاء قرب مغادرته للبيت الأبيض.

إن الإسرائيليين من كل الأطياف السياسية يحلمون بشكل كبير بأن تتواصل العملية الدبلوماسية من أجل إثناء إيران عن جهودها النووية وهم يدركون في الوقت ذاته أن الولايات المتحدة تشكل الدعامة الأساسية لهذه الجهود، وعلى ذلك فإن التخوف الأساسي في إسرائيل يتمثل في أن أي بادرة لتراجع هذا الأمر في السياسة الأميركية من الممكن أن يتركهم بمفردهم في مواجهة التهديد الذي لا يجرأون على العيش معه.