التسوية أو استمرار حالة الجمود أو الحرب الأهلية تمثل ثلاثة سيناريوهات محتملة تتنازع مستقبل الأوضاع في العراق خلال عام 2007. ويتحدد الاحتمال الأول والأكثر مدعاة للأمل في وجود حكومة يقودها الشيعة وتقوم على أساس قوى وتتسم بقدر من التسامح.
وهو ما قد تمثله إلى حد ما الحكومة التي يتزعمها حاليا نوري المالكي. ومن المأمول في إطار هذا الاحتمال أن تتوصل حكومة المالكي إلى قائد سني عربي لديه النفوذ الكافي على الجماعات التي تتزعم عمليات التمرد بهدف النجاح في كسر حالة الجمود التي تنتاب الأوضاع في العراق حالياً. ومن المتصور أن يكون الهدف توفير مشاركة جيدة لأغلبية الجماعات السنية المشاركة في عملية التمرد من أجل احتوائها ثم الالتفات إلى البقية الباقية من هذه الجماعات خاصة تلك المرتبطة بتنظيم القاعدة في العراق.
أما الاحتمال الثاني فهو أن يتواصل الجمود القائم حاليا وسط مساع من الحكومة الحالية لتعزيز دور الجيش الوطني العراقي وقوات الشرطة، فيما تعمل في الوقت ذاته إلى الإبقاء على اعتمادها على القوات الأجنبية التي يقودها الأميركيون والتي تحاول مساندة الحكومة والحفاظ على الأمن.
أما السيناريو الثالث الأكثر رعبا فيتمثل في سقوط الحكومة التي تعكس الوحدة القومية وفي ذات الوقت أن تنتهي الأوضاع بالأميركيين والحلفاء الآخرين الأساسيين مثل بريطانيا إلى فقدان طاقتهم على الاحتمال وبالتالي البدء في البحث عن سبل الخروج من العراق.. إن هذا هو المناخ المناسب تماما بشكل كبير لاندلاع حرب أهلية مما قد ينتهي بالأوضاع في العراق إلى حال أكثر دموية مما تم مشاهدته على صعيد فوضى الصراع الطائفي خلال عام 2006.
وتكشف نظرة على طبيعة مسار التطورات في العراق عن أن السيناريو الثاني هو الأكثر احتمالا وسط توقعات بأن يتواصل لمدة عام آخر مع احتمال أن يمهد هذا الوضع لتحقق السيناريو الأول أو الثالث، أي التوافق بين الطوائف العراقية أو الانقسام والاقتتال إلى مستوى حرب أهلية خلال عام 2008.
ورغم أن الانتخابات العامة في البلاد بداية عام 2006 وفرت للعراق حكومة وتمثيل برلماني حقيقيين للمرة الأولى على مدى نصف قرن، فإن هذا التحول انتهى إلى الفشل على خلفية عدم قدرة القيادة الشيعية الحالية على تشكيل حكومة موحدة بالشكل السريع والكافي.
وضع العرب السنة
الأكثر من ذلك أنه لا توجد مؤشرات حتى الآن على أن العرب السنة، والذين يمثلون نحو 20% من العراقيين، قبلوا الوضع الجديد المتمثل في احتلالهم المرتبة الثانية في هيراركية النظام للمرة الأولى منذ نحو 80 عاما مضت. وفي ذات الوقت فإن الشيعة لم يفلحوا في إقناعهم بأحقيتهم في المشاركة في السلطة بعد عقود من القمع والاضطهاد.
وفي مؤشر على انعكاس هذه الأوضاع على أرض الواقع تمثل الفظائع الطائفية التي ارتكبت في العراق من قبل الجماعات المرتبطة بالقاعدة في أكثر الأماكن قداسة بالنسبة للشيعة في مدينة سامراء فبراير الماضي نقطة تحول في النزاع :
من النظر إلى الأمر على أنه تمرد قومي ضد قوات محتلة أجنبية إلى ما يشبه الحرب الأهلية بين الشيعة والسنة، وهو ما أدى إلى تزايد عدد الضحايا حيث يروح نحو 3 آلاف عراقي ضحية حمامات الدم التي تجري في العراق شهريا وأغلبهم في بغداد، فيما يقدم البعض تقديرا آخر أكبر من ذلك إزاء تزايد أحداث العنف مع قرب عام 2006 على الانتهاء.
لا يقتصر الأمر على التنافس بين الشيعة والسنة وإنما يجري التنافس فيما الشيعة أنفسهم حيث تتنافس ثلاث مجموعات من أجل الهيمنة والسيطرة :
فهناك حزب الدعوة الذي يقوده المالكي رئيس الوزراء الحالي، وهناك المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، والمعروف بحسن التنظيم وقربه من إيران والذي يتلقى لوما من السنة بدعوى تبعية فرق القتل الطائفية له. أما التنظيم الثالث من بين التنظيمات الشيعية فهو جيش المهدي والذي يتبع الزعيم الثوري مقتدى الصدر والذي يمثل ميليشيا خاصة في الجنوب ويعمل بتشجيع من إيران.
مفتاح الحل
وإزاء تدهور الأوضاع في العراق خلال عام 2006 فإنه من الواضح أن مفتاح الحل خلال العام الجديد إنما يتمثل فيما إذا كان المالكي لديه القوة والقدرة على عرقلة عمل فرق الموت التابعة للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية أو جيش المهدي. وتتضح أهمية هذه الخطوة في ضوء إدراك أن عدم تحققها أو إنجازها سيجعل من الصعب على الكثير من السنة القبول بتطورات الأوضاع في البلاد والإنخراط في العملية السياسية.
وفي هذا السياق تتبدى أهمية وحيوية الدور الذي يمكن أن يلعبه الزعيم الشيعي آية الله علي السيستاني - 67 عاما - في تعزيز أجواء التهدئة والتسوية في البلاد وإن كان دوره يبدو أنه يتجه إلى التراجع.
من جانب آخر فإن التطورات تشير إلى أن الحكم الذاتي لكردستان العراق سوف يتعزز، ومن الواضح أن القادة الشيعة يتجهون إلى القبول بذلك التطور، فيما أن العرب السنة رغم ما يبدونه من ممانعة سيجدون في النهاية أنه لا مفر من قبول هذا الوضع.
وفي الإطار ذاته من الواضح أن تركيا التي تضع أعينها على عضوية الإتحاد الأوروبي يمكن لها أن تخفف من موقفها وخصومتها تجاه أكراد العراق. من جهة ثانية فإن الخلاف بشأن وضع كركوك الغنية بحقول النفط ويسيطر عليها الأكراد ما زال تهدد فرص التوصل إلى سلام بشأن مستقبل الشمال، غير أن الأكراد لديهم فرصة مواتية للتوصل إلى تسوية مرضية إذا ما وافقوا على المشاركة في عائدات نفط كركوك على أساس متساو بشكل يتجاوز ما طرحوه في هذا الصدد.
وفي النهاية فإنه مما قد يدعم هذه الحسابات افتراض أن إدارة الرئيس الأميركي بوش ستقاوم الأصوات العالية التي تنادي بسياسة «أخطف واجري» أو الاتجاه إلى خفض شديد في القوات الأميركية في العراق فمن المحتمل في الأغلب أن يتبع بوش سياسة «إبق وصل»، أي المغامرة بالبقاء على أمل أن تؤدي التطورات إلى الحد من الخسائر بقواته، على الرغم من العدد القليل من القوات والذي لا يتجاوب مع مطالب الحكومة العراقية.