يلقي المؤلفان في هذا المنعطف المبكر من كتابهما الضوء على مسيرة الرئيس الفرنسي جاك شيراك منذ انتقاله من الاهتمام بآسيا إلى دراسة العلوم السياسية وانطلاق مسيرته في الحياة السياسية الفرنسية، مشيرين إلى ما يصفانه باندلاع حرب استنزاف بينه وبين ميتران وإلى أنه المنقذ الرئيسي للرهائن الفرنسيين في لبنان فضلاً عن عدم وجود أي دليل على استفادته الشخصية مما يعرف بالأموال السوداء التي تشكل حضوراً ملحوظاً في الحياة السياسية الفرنسية.

أنشأ جاك شيراك في عام 1976 حزب «التجمع من أجل الجمهورية» في أفق خوض الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 1981 بعد أن كان قد قدّم استقالته من منصب رئيس الوزراء. وقد كان آنذاك بحاجة إلى مبالغ كبيرة كي يستطيع حزبه الجديد تأمل إمكانية مواجهة آلة الدولة التي كان أنصار فاليري جيسكار ديستان يسيطرون عليها. ومن هنا بدأت «الحقائب» بالوصول قادمة من إفريقيا والبلدان العربية. وينقل المؤلفان عن جان فرانسوا بروبت، الناطق الصحافي باسم الحكومة بين عام 1974 و1976 قوله: «لقد امتلكنا سريعا ـ منذ الأشهر الأولى لتأسيس الحزب الديجولي ـ الكثير من الأموال. فبعد استقالة جاك شيراك مباشرة قام جيروم مونو، الأمين العام للحركة بجولة حول العالم بحثا عن المال، وقد ذهب إلى الصين وكولومبيا والعراق».

ويؤكد مؤلفا هذا الكتاب أن العراق قدّم المساعدات بسخاء ذلك أن صدام حسين كان يكرّس قسما مهما من موارد الميزانية لدعم البلدان التي كان يريد كسبها. وبالتالي كان يقوم بدعم هذا الحزب السياسي أو ذاك من أجل الفوز في الانتخابات. كما كان يتم أحيانا دفع قيمة عمليات تجارية شرعية تماما «نقدا». ولم يكن العراقيون «بخلاء» أيضا في تمويلهم لجمعية الصداقة الفرنسية-العراقية التي أنشئت عام 1985. وتتم الإشارة في هذا السياق إلى الجمعية التي أسسها عام 1993 شارل باسكوا، وزير داخلية فرنسا الأسبق، أي «جمعية فرنسا- إفريقيا- الشرق» والتي كانت مهمتها هي إقامة صلات «مع عدد من البلدان العربية»، كما ينقل المؤلف عن أحد المقرّبين من باسكوا.ويؤكد المؤلفان أيضاً أن جميع أولئك الذين كانوا يترددون على رئيس بلدية باريس ـ جاك شيراك ـ كانوا على قناعة بأن صدام حسين كان يقوم بتمويل حزب التجمع من أجل الجمهورية.

ولكن هذا لم يكن يمنع شيراك من التأكيد لجميع مدعويه أنه قد حدد لنفسه مبدأ هو عدم قبول أموال من الخارج من أجل حزب التجمع من أجل الجمهورية. وينقل عن شيراك قوله أنه أثناء الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 1969 اقترح عليه أحد أصدقائه، وكان صديقا أيضا للرئيس جورج بومبيدو، وأحد الشخصيات الديجولية المهمة، مبلغا كبيرا أعلنت المملكة العربية السعودية عن استعدادها لدفعه نقدا من أجل الحملة الانتخابية. وقد رفض شيراك مبدئيا، لكنه قرر أن يتحدث في الأمر «عندما لم يكن قد بقي لدى معسكرهم أي فرنك» مع بومبيدو الذي رفض هو الآخر العرض بشكل قاطع. وينقل المؤلفان في هذا الإطار عن «ايف جينا»، صديق شيراك منذ بدايات مسيرته السياسية قوله لاحقا: «كان هناك اقتراح وجرى رفضه. سرت الإشاعة، وسمعت الحديث عن أموال اقترحت السعودية تقديمها لكن شيراك رفض ذلك».

الأموال السوداء

بكل الحالات، يقبل الجميع واقع وجود تمويلات خارجية لأحزاب سياسية فرنسية خلال عقد السبعينات الماضي، وينقل المؤلفان عن القاضي الفرنسي «اريك هيلفن»، الذي قام بعدة تحقيقات حول تمويل الأحزاب السياسية الفرنسية، إنه من «شبه المستحيل تقريبا» التقصّي قانونا عن الأموال الخارجية، هذا على عكس الأموال التي تقدمها الشركات الوطنية حيث تبقى بعض الآثار التي تدل عليها بصيغة «فواتير مزورة» لدى قسم المحاسبة فيها. لكن هذا لم يمنع انتشار أدبيات تتحدث عن «الصفقات» و«الشبكات» و«الأموال السوداء».

وإذا كانت الصحافة ومختلف وسائل الإعلام قد تعرّضت لدور «الوسطاء» و«العمولات»، خاصة فيما يتعلق بصفقات بيع الأسلحة، فإن مؤلفي هذا الكتاب يشيران إلى «عدم وجود أي دليل أو أية شهادة عن المكاسب الشخصية التي قد يكون الرئيس ـ شيراك ـ قد جناها من علاقاته مع دافعي الأموال الأثرياء».

هذا باستثناء ما قاله الصحفي الأميركي «كينيت د. تيرمان» الذي كرّس عدة كتب لما اعتبره محاولات العراق الحصول على السلاح النووي. وينقل هذا الصحافي عن التاجر اللبناني سركيس سوغاناليان قوله:

«كان صدّام صديقا لشيراك وكان كريما، كما كان يمتلك صلاحيات لا حدود لها للتصرف بالأموال نقدا. وقد قمت أنا شخصيا بتنظيم عمليات دفع مبالغ مالية عدة مرات». وبعد أن يؤكد هذا التاجر أنه ذهب عدة مرات برفقة موظف من السفارة العراقية إلى سويسرا لسحب الأموال من مصرف «اتحاد البنوك السويسرية» يضيف:

«كان السياسيون يستخدمون أسماء مستعارة، ولم يكن أحد يطلب منهم اسمهم، ولم يكونوا يطلبون أبدا اسمك. المهم أن يكون بحوزتك نصف دولار ويكون بحوزتهم النصف الآخر. وبعد أن تقوم بالتحقق من مطابقة الأرقام في النصفين تجري عملية التبادل. هكذا كانت تتم الأمور». ومنذ مطلع 2006 يوجد سركيس سوغاناليان في أحد سجون فلوريدا من أجل قضية أخرى.

وما يؤكده المؤلفان هو أن الأموال كانت متوفرة بكثرة في دار بلدية باريس عندما كان يترأسها جاك شيراك الذي كان يحب حياة الرفاهية. وينقلان عن إدريس البصري، وزير داخلية المغرب السابق في ظل الملك الراحل الحسن الثاني قوله للصحافي الفرنسي جان بيير توكوا:

«كان شيراك يخطرني دائما قبل قدومه إلى المغرب ـ لإمضاء عطلة ـ وكان يقول لي: لا تبالغوا في مراسيم الاستقبال. وكان يتم في الحال اتخاذ الإجراءات الضرورية. وكان الملك الحسن الثاني يرسل مباشرة إلى فندق الغزالة الذهبية أحد طباخي القصر الملكي. كما كان يخطر الجميع أن شيراك ضيفه».

وفي عام 1975 بدأ جاك شيراك وزوجته برناديت يعيشان مأساة عائلية عندما اكتشفا أن ابنتهما «لورانس» تعاني من قصور عقلي وأن حالتها سوف تتطور من سيئ إلى أسوأ. جرى عرض هذه الابنة البكر على عشرات الأساتذة الاختصاصيين في جميع أصقاع العالم.

وقد أرادت الأسرة أن تحافظ على أقصى درجة ممكنة من السريّة حول مرض الابنة، لذلك كان من الأفضل نقلها في طائرة خاصة مع ما يتطلب الأمر من نفقات باهظة. يقول المؤلفان: «إن جميع الذين ساعدوا شيراك من أجل سد احتياجاته في تلك الفترة اعترف لهم بالفضل بعد ذلك على الدوام».

معنى عربي للصداقة

كان جاك شيراك المولود عام 1932 وحيدا لأبويه «ابيل وماري لويز». وهكذا كان «مركز العالم» بالنسبة لأسرته. وكان كثير الحركة في سنوات طفولته. وبعد أن أمضى سنوات الحرب العالمية مع أسرته في جنوب فرنسا انتقل اهتمامه من الشغف بآسيا أولا إلى دراسة العلوم السياسية بعد أن حلم لفترة أن يصبح بحّارا أو ضابطا.

وقد أظهر دائما حرارة عواطفه وانتباهه للآخرين. وقد حافظ على هذه الطبيعة باستمرار في علاقاته مع قادة العالم منذ انتخابه في شهر مارس 1977 رئيسا لبلدية باريس عندما فاز على منافسه «ميشيل اورنانو« وزير الصناعة آنذاك الذي كان يحظى بدعم رئيس الجمهورية فاليري جيسكار ديستان. وكان جميع رؤساء الدول الذين يمرّون في باريس يزورونه لاسيما وأنه كان قد استحدث مكتبا للعلاقات الدولية في البلدية.

ويقدم المؤلفان مثالا على حسن انتباهه ما جرى إثر اغتيال سفير إحدى الدول العربية بباريس يوم 8 فبراير 1984 أمام منزله. وقد أرسل رئيس تلك الدولة آنذاك طائرة لنقل الجثمان إلى البلاد.

وقد حضر يومها السفراء العرب المعتمدون في باريس لوداع جثمان زميلهم في المطار. وعندما كانت الطائرة على وشك الإقلاع وصل جاك شيراك، الذي كان غائبا في جولة بالحافظات، ليلا وتوجه مباشرة إلى المطار كي يعبر عن أساه وعن تعاطفه. وكانت لحظة لا تُنسى بالنسبة للسفراء العرب الذين كانوا تحت وقع الصدمة».

وما يؤكده المؤلفان أيضا هو أن جاك شيراك يعمل على صعيد العلاقات الدولية حسبما يمليه عليه حدسه و«قلبه». هكذا كانت زيارته الأولى للخارج بوصفه رئيسا لبلدية باريس هي للقاء مع بابا الفاتيكان بولس السادس والثانية للقاء «دينج شياوبينج» رجل الصين القوي الذي كان قد أقام صلات قوية به عند زيارته إلى باريس عام 1975.

لكن هذا لم يمنع شيراك من أن يستقبل بعد ذلك «الدالاي لاما»، الزعيم الروحي للتيبيت مما أثار غضبا كبيرا لدى الصينيين. ولم يتردد جاك شيراك في أن يقول للبروفيسور اليهودي جيرار إسرائيل الذي كان قد جعله أحد مرشحي قائمة الحزب الديجولي للانتخابات الأوروبية ما نصّه:

«لدي معنيً عربي للصداقة». وينقل المؤلفان عن الصحافي المعروف «إريك رولو« الذي عمل لفترة من الزمن سفيرا لفرنسا في تونس ثم في تركيا، قوله في معرض المقارنة بين فرانسوا ميتران وجاك شيراك: «كان ميتران محددا دائما ولم يبد أي قدر من التعاطف عندما كان يلتقي بقادة عرب. أما شيراك فإنه متعاطف مع العرب».

ويضيف إريك رولو في إطار المقارنة دائما بين الرئيسين الفرنسيين الحالي شيراك، والسابق ميتران، أن هذا الأخير كان يشدّ على يد القادة الآخرين ب»برودة» بينما أن شيراك «يتمتع بحرارة إنسانية تشابه كثيرا تلك السارية في العالم العربي.

هذا أمر موجود في التقاليد، ولا يمتلك شيراك قدرا من الإخلاص أكثر مما لدى العرب». ويجسد اللقاء رغبة الطرفين. فمن جهة يوجد القائد الغربي الذي يكره طقوس «الصالونات» البورجوازية، ومن جهة أخرى قادة الدول العربية الذين يتم وصفهم أنهم «وريثو حضارة تختلط فيها قواعد الكرم مع قواعد الشرف». ثم إن شيراك يحب الاندفاع نحو الآخر والآخرون يطيب لهم تذوق حرارة ذلك الاندفاع.

وينقل المؤلفان عن وزير فرنسي قوله: «إنه ـ أي شيراك- يفعل ذلك مثل مهنة مثل بواب أحد الفنادق الكبيرة قديما والذي يتعرّف عليك بعد حمس سنوات من مرورك آخر مرة إلى الفندق». ويؤكد المؤلفان القول: «إن شيراك يصافح بحرارة ويقبّل ويعانق ويبدو الفرح بعينيه مع العرب أكثر مما هو مع غيرهم».

ثم إن شيراك يتفاخر علنا بصداقته مع عدد من القادة العرب «مثل الملك الحسن الثاني، أو المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان». وينقل المؤلفان أيضا في هذا السياق أنه في عام 2005 كان العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز ـ وكان أميراً آنذاك- في باريس فقام شيراك يتقديم مضمون كتاب حول أصول الوهابية كان قنصل فرنسا في صنعاء في نهاية القرن التاسع عشر قد ألّفه، فأمسك الأمير بذراعه وقال له:

«لقد قيل لي أنك كنت صديقا، أما الآن فإنني أعرف أنك أخ». وكان الملك الراحل فهد بن عبد العزيز قد قام بزيارة رسمية إلى باريس، عندما كان وليا للعهد، عام 1975 وكان شيراك يومها رئيسا للوزراء، حيث وقّع الرجلان اتفاقا للتعاون في «الميادين الاقتصادية والمالية والصناعية والطاقة والزراعة والميدانين العلمي والتقني».

وبتاريخ 27 نوفمبر 1978 جنحت السيارة التي كان شيراك يستقلها عندما كان في طريقه إلى منطقة «كوريز» معقله وارتطمت بشجرة. وقد اضطر رئيس بلدية باريس يومها إلى البقاء أولا لمدة ثلاثة أشهر في المستشفى ثم انتقل إلى الريف كي يمضي فترة راحة واستجمام. لكنه لم يقطع أبدا نشاطه السياسي.

وقد كتب بتاريخ 29 يناير 1979 رسالة طويلة لصدام حسين بدا فيها أنه يتوجه إلى أعز أصدقائه. ومما جاء فيها: «السيد الرئيس، في الوقت الذي أستعد فيه للعودة إلى باريس بعد إمضاء عدة أسابيع هادئة بالقرب من باريس، أريد أن أغتنم هذه اللحظات الأخيرة من السكينة كي أكتب لك وكم كنت مسرورا بالتمنيات التي وجهتها لي (...).

وإذا كنت لم أتماثل للشفاء تماما إذ لا بد من مرور مئة يوم تقريبا كي أتمكن من الاستناد على قدمي التي أصيبت بالكسر، فإنني استعدت القدرة على الحركة مع ذلك بواسطة عكازين...». وأنهى شيراك رسالته ب»تمنياتي الحارة لبيتك وزوجتك وأطفالك». هذه «الحرارة» في الرسالة لا يجد المؤلفان نظيرا لها في الرسائل التي وجهها شيراك لآخرين.

الرهائن في لبنان

ذات يوم من مطلع شهر مايو 1988 رنّ الهاتف في منزل جان بول كوفمان الذي كان رهينة منذ ثلاث سنوات في لبنان وعندما رفعت زوجته «جويل» الهاتف سمعت المتحدّثة تقول لها:

«أنا السيدة مار شياني، وزوجك قد جرى إطلاق سراحه للتو«. كان رد فعل الزوجة الأول هو الغضب إذ أنها كانت قد «تعبت» من الاتصالات «غير الجدية» طيلة الفترة السابقة التي قابلت فيها ميتران وشيراك وياسر عرفات وطارق عزيز وكثيرين غيرهم. ولكن المتحدثة أضافت: «لقد ذهب زوجي الذي لا تعرفينه لاصطحاب الرهائن معه».

وما إن وضعت السيدة كوفمان سماعة الهاتف حتى سمعت أحد أبنائها يناديها قائلا أن الإذاعة الفرنسية قد أعلنت أن الرهائن الفرنسيين الثلاثة في لبنان جان بول كوفمان ومارسيل كارتون ومارسيل فونتين لم يعودوا بين أيدي خاطفيهم. وإن سيارة مرسيدس بيضاء قد وضعتهم في فندق سمرلاند الذي كانت القوات السورية تتخذه مقرا لها في بيروت.

في اليوم التالي، الخامس من مايو 1988 تحديدا أقلتهم طائرة خاصة إلى مطار «فيلاكوبلي» العسكري القريب من باريس. وعند وصولهم ألقى جاك شيراك كلمة قصيرة شكر فيها «الحكومة الإيرانية من أجل المساعدة التي قدمتها» والرئيس السوري الراحل حافظ الأسد ل»مساهمته الشخصية» و«صديق لفرنسا ولإيران» لم يفصح عن اسمه و«جان شارل مارشياني» المبعوث الخاص لشارل باسكوا، وزير الداخلية الفرنسي آنذاك الذي كان قد أشرف على تنفيذ العملية كلها.

وفي الصفوف الخلفية التفت شارل باسكوا نحو «إريك ديماريت»، مدير مكتب وزير الخارجية الفرنسي آنذاك جان برنار ريمون، وقال له: «خمسة مقابل خمسة». وكان يقصد أنه خلال العامين المنصرمين قبل إطلاق الرهائن الثلاثة، جرى إطلاق سراح خمسة رهائن فرنسيين بواسطة الجهود التي قامت بها وزارة الداخلية وخمسة رهائن آخرين كثمرة لجهود دبلوماسيي وزارة الخارجية. فصحح «ديماريت» قائلا: «جرى تحرير عشرة رهائن لصالح الجمهورية وشيراك».

إن شيراك هو المنقذ الرئيسي للرهائن، إذ باستثناء الباحث ميشيل سورا الذي توفي أثناء سجنه ورهينتين في عهد الحكومة الاشتراكية، جرى الإفراج عن جميع الرهائن الفرنسيين الآخرين في ظل حكومته. لكن لم تكن عملية الإفراج الأخيرة قبل ثلاثة أيام فقط من الدورة الانتخابية الرئاسية الثانية ـ الانتخابات الرئاسية في فرنسا تجري على دورتين يفصل بينهما أسبوعان .

ويتنافس في الثانية الحاصلان على أعلى نسبة من الأصوات خلال الدورة الأولى- في صالح شيراك. وينقل المؤلفان عن وزير الخارجية الفرنسية آنذاك، جان برنار ريمون، قوله في مذكراته: «ليس مؤكدا أن عملية الإفراج تلك عن الرهائن، ورغم نجاحها للمفارقة، وطول انتظارها قد لقيت الاستحسان من قبل الرأي العام ووسائل الإعلام».

ولم يتأخر الاشتراكيون عن الإعلان أن العملية كانت «ضربة» مبرمجة لغايات سياسية داخلية. وينقل المؤلفان عن جاك اتالي المقرّب آنذاك من الرئيس فرانسوا ميتران، ومنافس شيراك على المنصب الرئاسي لفترة سبع سنوات أخرى، قوله: «إننا موزعون بين الفرح والغضب حيال جاك شيراك. فما جرى خضع بالضرورة لحسابات دقيقة.

لكن ماذا أعطي بالمقابل ـ أو جرى الوعد بإعطائه ـ مقابل ذلك الإفراج»؟ وكان ميتران قم قال لمستشاريه المقرّبين: «إننا سوف نصرخ عاش شيراك، إذا لزم ذلك! لكن إذا بحث عن استغلال ذلك على الصعيد الانتخابي فسوف يدفع الثمن غاليا».

كما ينقل المؤلفان عن ميتران قوله قبل عدة أيام من تحرير الرهائن لصديقه ووزير خارجيته رولان دوماس ما مفاده: «سترى، سوف يطلقون سراح الرهائن قبل الدورة الانتخابية الثانية. لكنهم سيكونون ساذجين إذا اعتقدوا أنه سيكون لذلك تأثير على وجهة اقتراع الفرنسيين». وقد جاءت نتيجة الدورة الثانية مؤيدة لما قاله ميتران الذي حصل على نسبة 1,54 بالمئة من الأصوات مقابل 9,45 لشيراك.

وكان ميتران قد قال بخصوص الرهائن: «عمل كل شيء دون التخلّي عن أي شيء». لا شك أنها صيغة جميلة لكنها خاطئة بالطبع، إذ عندما يتم قبول التفاوض من أجل إطلاق سراح رهائن لا بد أن يكون هناك بالضرورة «مناطق ظليلة» و«وسطاء مشبوهون» و«صناديق سوداء». ذلك أن الشيطان لا يترك طريدته إلا إذا جرى توقيع ميثاق معه». كما يقول المؤلفان قبل أن ينقلا عن هوبير فدرين، أحد وزراء خارجية فرنسا السابقين قوله:

«ما هي الطرق المتبعة في مثل هذه الحالة؟ إن الطرق كلها جيدة حيث يُروى كل شيء ويكذب الناس مثلما يتنفسون». وكانت عملية احتجاز الرهائن الفرنسيين في لبنان قد جرت على خلفية خلافات بين فرنسا وإيران، كما يحلل مؤلفا هذا الكتاب. ففرنسا كانت تأوي عددا من معارضي نظام الجمهورية الإسلامية في إيران وعلى رأسهم أبو الحسن بني صدر، رئيس الجمهورية الإيرانية السابق، ومسعود رجوي، رئيس منظمة مجاهدي الشعب.

وكان هناك أيضا خلاف مالي بين باريس وطهران إذ أن الشاه كان قد قدّم قرضا لمفوضية الطلقة الذرية من أجل بناء مفاعل أوروبي لتخصيب اليورانيوم في تريكاستان، بحيث تحصل إيران بالمقابل على 10 بالمئة من رأس مال الشركة الأوروبية التي تستثمر المصنع أي شركة «أوروديف». لكن هذه المساهمة جرى تجميدها عند سقوط نظام الشاه ولم يحصل النظام الجديد أبدا على تسديد القرض.

محادثات عبر دمشق

هذه «الحسابات» جرت تسويتها على «المسرح اللبناني». ويضع المؤلفان في هذا الإطار تفجيرات 22 أكتوبر 1983 التي استهدفت القوتين الفرنسية والأمريكية المشاركتين في القوة الدولية المكلفة بالمحافظة على الأمن في بيروت. وكانت الحصيلة 58 قتيلا بين الجنود الفرنسيين و241 بين الأمريكيين. ووصل عدد الرهائن الفرنسيين في ذلك السياق إلى أحد عشرة رهينة على مراحل متعددة.

وبدا أن الحل موجود في «طهران» لكن الحكومة الفرنسية «رفضت رؤية تلك الحقيقة» وفضّلت التفاوض مع سوريا وحركة أمل الشيعية. ويشير المؤلفان إلى أن «إريك رولو«، سفير فرنسا آنذاك في تونس، قد تلقى بتاريخ 16 سبتمبر 1985 اتصالا هاتفيا من صديقه الصحفي اللبناني اسعد حيدر طلب منه نقله إلى قصر الاليزيه ومفاده أن «مسؤولا إيرانيا كبيرا قد التزم بتحرير الرهائن الأربعة: كارتون وفونتين وكوفمان وسورا، منذ قبول رئيس الدولة الفرنسي بطلب للحكومة الإيرانية سيتم تحديده لاحقا».

وكان المسؤول الإيراني الكبير، كما يحدد المؤلفان القول، هو «رفيق دوست» وزير حرّاس الثورة ـ الباسداران ـ آنذاك. وقد تلقى القائم بالأعمال الفرنسي في طهران، بيير لا فرانس، الضوء الأخضر من أجل «سبر نوايا المسؤولين الإيرانيين».

جرت المحادثات عبر دمشق، وقد أبلغ وزير الخارجية السوري آنذاك فاروق الشرع، نظيره الفرنسي رولان دوماس، أنه فهم من الوزير الإيراني رفيق دوست أثناء لقاء أخير له معه أنه مستعد لاستخدام نفوذه من أجل الإفراج عن الرهائن. وجرى الوصول إلى اتفاق ضمنه الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد.

والتزم فرانسوا ميتيران بالعفو عن «أنيس نقاش»، المتهم بمحاولة اغتيال رئيس وزراء إيران الأسبق شهبور بختيار في باريس، بالتزامن مع الإفراج عن الرهائن الفرنسيين، كما التزم ميتران أن يقوم لاحقا «في موعد يحدده» بتوسيع إطار العفو كي يشمل جميع عناصر المجموعة التي قامت بمحاولة الاغتيال. لكن «أنيس نقاش» رفض أن يغادر السجن وحده دون رفاقه، وينقل المؤلفان عنه قوله لمحاميه الفرنسي: «القبطان هو آخر من يغادر السفينة».

وفي يوم الموعد المحدد لتنفيذ الاتفاق، كانت هناك طائرة تستعد للإقلاع إلى دمشق بينما كانت هناك طائرة أخرى في دمشق تستعد للإقلاع نحو باريس. وكان وزير الخارجية الفرنسي فرانسوا ميتران على وشك التوجه إلى سوريا عندما أبلغه الرئيس ميتران أن العملية تأجلت.

وقال له: «لقد أخبرني الأسد للتو ليقول أنه لا تزال هناك بعض العقبات ينبغي تذليلها». وقد جرى شرح «العقبات» لوزارة الخارجية الفرنسية بالقول: «في بيروت، قام ممثلون للمعارضة عندكم بتقديم عرض أفضل»، وهو «مبادلة الرهائن الأربعة الفرنسيين مقابل أعضاء مجموعة الكوماندوس والتي أرادت اغتيال بختيار الخمسة».

حرب استنزاف

ما يؤكده مؤلفا هذا الكتاب هو أن جميع الشهادات الصادرة من تونس ودمشق وبيروت وطهران تشير إلى أن ممثلين عن اليمين الفرنسي ـ معسكر شيراك- قد قاموا ب« مفاوضات» حول قضية الرهائن. وإنهم قدّموا «أكثر» مما قدّمه الاشتراكيون ممثلون بالرئيس الفرنسي آنذاك فرانسوا ميتران. ولكن شيراك لم يتردد في القول: «إنني أتحدّى أي إنسان بأن يقدّم أدنى دليل، فمثل هذا القول هو مجرّد ترهّات بالطبع».

ومع ذلك لم ينكر أنه «تدخل كثيرا في قضية الرهائن بـ «صفته الشخصية» عندما كان رئيسا لبلدية باريس. ولم يتأخر في أن يبوح بذلك للرئيس ميتران عندما أصبح رئيسا للوزراء بقوله له: «السيد الرئيس، لقد اعتقدت أنا شخصيا في شهر يناير أنه باستطاعتي تحرير الرهائن وكنت على وشك الاتصال بكم لإبلاغكم ذلك. لكن الأمور لم تجر كما ينبغي».

وما يخلص إليه المؤلفان في حديثهما عن موضوع الرهائن الفرنسيين في لبنان آنذاك، هو أن «حرب استنزاف» قد دارت بين رئيس الجمهورية الاشتراكي فرانسوا ميتران ورئيس الحكومة الديجولي جاك شيراك أثناء فترة «التعايش» التي جمعتهما بين 1986 و1988.

وإن الرهائن، كانوا أيضا «رهائن» ذلك التعايش. كذلك دارت بالتوازي «حرب» بين وزارتي الداخلية والخارجية الفرنسيتين حول «أيهما ستتولى ملف الرهائن الفرنسيين في لبنان». كانت فترة التعايش تلك مضطربة، لاسيما أن باريس قد عرفت أثناءها سلسلة من الانفجارات التي أدت إلى مقتل عشرة أشخاص وجرح العشرات.

ويرى المؤلفان أن شيراك قد «عرض آنذاك للمرّة الأولى قناعاته فيما يخص السياسة شرق الأوسطية». وتتمثل الخطوط العريضة لها في ضرورة التحرك بـ «تعقل» ومداراة «الرأي العام العربي غير المستعد كثيرا للجنوح نحو التزمت والتطرف» ومنع «التشدد الديني المعادي للغرب من ابتلاع المنطقة كلها» وتقليص بؤر التوتر مثل الصراع العربي ـ الإسرائيلي. باختصار بدا شيراك وكأنه بفضل «المحافظة على الأوضاع القائمة كما هي فالبديل قد يكون أسوأ».

عرض ومناقشة: محمد مخلوف