الأخوان ليخ وياروسلاف كاتشينسكي هما أقوى توأمان في أوروبا عموما وفي بولندا على وجه الخصوص، إذ يشغل الأول منصب رئيس جمهورية بولندا والثاني منصب رئيس وزراء بولندا، الأمر الذي يعكس مفارقة تاريخية فريدة من نوعها.

ولقد استقبل رئيس الجمهورية مجموعة ضئيلة العدد من الصحافيين في القصر الرئاسي، الذي ما أن يدخله المرء حتى يرى المائدة المستديرة الشهيرة التي تحلق حولها عدد من الأشخاص وتفاوضوا حول مبدأ إنهاء النظام الشيوعي في بولندا عام 1989. هناك كان جالسا ليخ كاتشينسكي، حيث دار الحوار التالي :

* كيف تنظرون من موقعكم في الرئاسة إلى العمل الأوروبي المشترك. ما الذي تقدره في الإتحاد الأوروبي وماذا كنتم لتغيرون فيه؟

ـ ما يسحرني في الاتحاد الأوروبي هو أن أمره يتعلق بنجاح غير مسبوق في تاريخ الإنسانية، إذ أنه منظمة يسود فيها معيار التعاون الذي يعلو على معيار المنافسة. كما أني أحب فكرة التضامن، التي ساعدت بلدان أوروبا على التقدم في طريق التطور الاقتصادي.

هناك الكثير من المزايا التي يتحلى بها الاتحاد الأوروبي. بيد أنه إذا ما نظرنا إلى المستقبل، فإننا سنجد حاجة للقيام بعدد من التغيرات الضرورية، ذلك أنه هناك درجة معينة من الفوضى وذلك بمعنى أن الأمر يتعلق بنظام معقد للغاية يتطلب تبسيطا معينا. وهناك أمور لا أقبلها بالمطلق ولا سيما البرامج التي تسير باتجاه تصفية الدولة القومية، فهذا سابق لأوانه.

* ما هو المخرج الممكن للنقاش حول دستور الاتحاد الأوروبي؟

ـ إن الدستور الأوروبي قد يمهد الطريق أمام ظهور دولة تقريبا، ولذلك أنا من أنصار معاهدة أساسية فللدول المشاركة بدورها أضعاف مضاعفة من المصالح المتباينة إلى حد كبير على صعيد السياسة الخارجية. أنا أتفهم، على سبيل المثال، أن الامتداد الطبيعي للمصالح الإسبانية تمثله أميركا اللاتينية، تماما مثلما هي أوكرانيا وليتوانيا وروسيا وألمانيا بالنسبة لبولندا.

ولذلك فإنه من المبكر جدا تشكيل دولة واحدة. وأنا أرى أن وجود الاتحاد الأوروبي هو نجاح كبير بحد ذاته فضلا عن انضمامنا إليه. لكن لا بد لهذا النجاح أن يتجسد في ميدان ما هو معقول. الاتحاد الأوروبي يطلب نوعا من الترتيب، الذي يمكن تسميته دستورا بطريقة أو بأخرى.

* هل تنافس بولندا لتكون أفضل حليف للولايات المتحدة في أوروبا؟

نحن حاضرون في جميع الأمكنة التي نستطيع أن نكون حاضرين فيها، من الكونغو حتى أفغانستان. لكننا لا نفكر بالدخول في منافسة على الحليف الأفضل للولايات المتحدة.

ولا بد دائما من تذكر أن هناك بريطانيا العظمى. ونحن لا نريد ولا نستطيع تغيير هذا الوضع. الولايات المتحدة شريك على قدر كبير من الأهمية بالنسبة لنا . فبفضل الولايات المتحدة أغلقت قضية الحدود الغربية لبولندا. والحكمة تجبرنا على تذكر بعض القضايا. وهناك حيث نستطيع سنقدم يد العون.

* كرئيس كاثوليكي لبلد كاثوليكي في لحظة حرجة على صعيد العلاقات مع العالم الإسلامي، ما هو رأيكم حول ردة الفعل الغربية على قضايا مثل رسومات النبي محمد (ص) أو كلمات البابا بنديكت السادس عشر التي قالها أثناء رحلته الأخيرة إلى ألمانيا؟

ـ أود أن أفرق بين المثالين. فالرسومات الكاريكاتورية كانت غبية . أما فيما يتعلق بكلمات الحبر الأعظم، فإني شعرت ببعض القلق لأننا لا نستطيع قبول معيار واحد لحساسيات مختلفة.

ويتعين علينا كمسيحيين قبول أي نوع من النقد ومع ذلك فإن بضع كلمات مثل كلمات البابا، معبرا عنها بثقافة رفيعة، جرحت مشاعر طرف آخر. هذا الطريق لا يؤدي إلى أي مكان.إنه نوع من التصحيح السياسي الذي لا يمكن أن يجلب أي شيء جيد. وأنا ليس لدي أي نوع من التعقيد كفرد من الحضارة المسيحية. فأنا كاثوليكي متدين، لكن ليبراليا أكثر بكثير مما يقال عادة في الغرب.

* هل أنتم متفائلون حيال العلاقات مع العالم الإسلامي؟

ـ في عالمنا هناك أديان مختلفة تتعايش فيما بينها، رغم صحة وجود تهديدات أيضا. لا بد من تذكر أن العامل الديني كان محركا ذاتيا للتاريخ. عندما كنت شابا علموني أن لكل شيء أساسا اقتصاديا وهذا صحيح إلى حد ما. لكن الدين هو عامل ذاتي يعود بشكل دوري.

في الثقافة العلمانية تحترم حقوق الإنسان والشخص كفرد بمعزل عن الجنس أو الأصل والفصل ويمكننا القول ان هناك ثقافات تعاني من مشكلات معينة مع هذا السلوك. ولظاهرة التشدد الإسلامي مقدمات اقتصادية، فلو كان مستوى الرخاء في البلدان الإسلامية هو نفسه الذي تتمتع به البلدان المسيحية، لكانت المشكلة مختلفة. من الواضح أني أعتبر هذه المسألة مشكلة وهي مشكلة بوسع الاتحاد الأوروبي أن يعزز نفسه على أساسها، لكن لا بد من توفر الإرادة والتغلب على التصحيح السياسي، الأمر لا يشير أي شيء له في يومنا هذا.

* كيف هي بولندا التي يحلم بها آل كاتشينسكي؟

ـ سنغير بولندا للأفضل. صحيح أنها لن تكون فردوسا على الأرض، إلا أنها ستكون أفضل، ففي هذا العالم لا يوجد فردوس. والناس آثمون عموما، لكن السؤال هو إلى أي درجة هم آثمون؟ وهل الذين يتربعون على عرش السلطة والذين يحكمون هم آثمون كثيرا أم قليلا. إذا دخل شخص ما معترك السياسة منذ 16 عاما وما يزال يعمل في مجال السياسة حتى يومنا هذا وأصبح شخصا ثريا، فذلك يعني أنه لا يمكن أن يكون نظيفا. فهذا مستحيل.

والرئيس الحالي للحكومة( شقيق الرئيس) كان له ثقله الخاص به وهو لا يملك الأرصدة الكافية لشراء منزل له. ليس لدينا أي مهمة أيديولوجية ولا نريد فرض أي دولة طائفية وأنا أقول ذلك كشخص كاثوليكي لأن دولة طائفية أو مذهبية ستشكل تهديدا كبيرا للجميع. ومع ذلك، فإننا لا نستطيع الموافقة على أن يجبرنا الاتحاد الأوروبي على قبول حلول غير مقبولة في بولندا، حتى لو كان مرحبا بها في بلدان أوروبية أخرى.

* إلام تشير؟

ـ أفكر بحق الأشخاص مثليي الجنس بالزواج وتبني الأطفال. فنحن لا نريد أن نعلم الآخرين شيئا، لكننا كذلك لا نريد أن يعلمنا أحد.

* آلاف الشبان البولنديين يهاجرون إلى بلدان أخرى بحثا عن حياة أفضل وبفضل هذه المسألة انخفضت معدلات البطالة بشكل خفيف. كيف يمكن لهذا النزيف البشري أن يؤثر على البلاد؟

ـ هذه الظاهرة تقلص البطالة بصورة ضئيلة جدا في بولندا لأن الذين يهاجرون هم أشخاص نشطون جدا بحيث يستطيعون إيجاد عمل في بلادنا أيضا. هذه الظاهرة جاءت بالأحرى نتيجة انضمام بولندا إلى الاتحاد الأوروبي . الحكومة السابقة اعتبرت هذا الانفتاح نجاحا وكان القائمون عليها يقولون: أصبحنا منفتحين على العالم أو على الأقل على أوروبا في نهاية المطاف، لكن الأمر يبدو سيئا الآن.

ترجمة: باسل أبو حمدة عن «الموندو» ـ اسبانيا