يختم مؤلف الكتاب في هذه الحلقة حديثه عن القوة العظمى الوحيدة في عالم اليوم بتناول مسألة الشرعية التي يعتبرها جد مهمة لأي قوة مهما بلغت عظمتها، وهو يرى أن الشرعية إنما تأتي من التوافق الذي يعني التراضي والقبول والذي من شأنه أن يعطي الضوء الأخضر بالتحرك ويكفل الشركاء الذين لا غنى عنهم.

ويورد حرب الخليج الأولى أو ما اصطلح على تسميته عربياً «حرب تحرير الكويت» في 1991 كنموذج على التحرك الشرعي الذي اكتسب تأييد 80 دولة حول العالم وقادته الولايات المتحدة وذلك بعكس حرب غزو العراق في 2003 التي افتقدت للتأييد الدولي الواسع .

وبالتالي افتقدت الشرعية. ولكن المؤلف يتساءل كيف يمكن إضفاء الشرعية على القوة؟ ويورد إجابة عن هذا التساؤل من داهية الدبلوماسية الأميركية على مر العصور هنري كيسنجر الذي يرى بأن الدبلوماسية وحدها الكفيلة بترجمة القوة المنفردة إلى عمل جماعي توافقي يحظى بالشرعية.

ثم يبرز مؤلفنا في الفصل الأخير من كتابه موقف واشنطن من قضايا الشرق الأوسط وبخاصة الصراع العربي ـ الإسرائيلي، حيث تتعهد واشنطن بالحفاظ على أمن إسرائيل وتحرص على أن تبقى متفوقة على جيرانها العرب.الدول مثل الأفراد لا تبلغ مكانة سامقة ولا ترقى إلى المراكز المرموقة العليا لكي تكتفي بالتباهي أو بالنعرة الجوفاء أو مجرد استعراض العضلات بخيلاء موهومة.

كل مكانة لابد وأن تقابلها مسؤولية، وكل مركز مرموق لابد وأن يوازنه شعور بالتبعية العالمية بالنسبة للدولة، والالتزامات الاجتماعية في حالة الأفراد.وفي كلتا الحالتين يتحمل الطرف المعني ـ دولة كانت أو إنسانا - أداء مهمة موكولة إليه بما يدفع النظام الدولي أو الكيان الاجتماعي إلى الأمام.

في هذه المعاني يتمثل محور الأفكار المطروحة في الصفحات الختامية من كتابنا، حيث يحمل الفصل السابع والأخير عنوانا ذاتي الدلالة أو الإبانة كما قد نسميه هو: مهمة العملاق.والعملاق هو بالطبع الولايات المتحدة بعد أن أتتها قيادة النظام الدولي المعاصر تجرجر أذيالها كما قال يوما شاعر عربي قديم.

تغير مفهوم الأمن القومي

أول عناصر مهمة العملاق يتمثل في فهمه لأبعاد مهمته وإدراك جوهرها. وأول هذه الأبعاد أننا في زمن الاعتماد المتبادل، حيث لا تستطيع أي دولة، ولا أي قوة أن تعيش وحدها أو تنعزل عن سواها أو تعتمد فقط على مواردها أو إمكاناتها الذاتية، والمسألة لا تتعلق بالنواحي الأخلاقية أو المعنوية:

المسألة تتصل أساسا بالأمن القومي الذي تغير مفهومه جذريا في عصرنا ولم يعد كما يؤكد مؤلف هذا الكتاب (ص203) مقصورا على الأمن المادي بالمعنى التقليدي، بل تداخلت فيه عناصر وعوامل واعتبارات أخرى. وها هو المؤلف ـ الدكتور جوزيف جووف ـ يحاول أن يزّودنا بما يصفه بأنه قائمة مختصرة للغاية بتلك العوامل والاعتبارات، ومنها مثلا:

* آفة الإرهاب الدولي، تدفقات لا تنقطع مثل الفيضان من السلع ورؤوس الأموال والبشر، الانهيارات التي قد تصيب أسعار العملة أو قيمة الأوراق المالية أو البورصات، منازعات التجارة متعددة الأطراف، خطر استنفاد السلع العالمية (البترول مثلا)، الجريمة الدولية والجرائم عابرة الحدود (عبر الوطنية كما يسمونها) والجريمة متعددة الجنسيات.

* الأوبئة الفتاكة ابتداء من الإيدز وليس انتهاء بانفلونزا الطيور، أسلحة الدمار الشامل، المذابح العرقية، والكوارث الطبيعية (تسونامي نموذجا)، والقائمة قد لا تنتهي.

ثم يضيف المؤلف موضحا أن بعض هذه العوامل يمكن أن تصنف في خانة القضايا أو المشاكل الناعمة أو اللينة، ولكنها تفضي في مجموعها إلى نتائج أو عواقب شديدة الخطر بالغة التأثير على ثروات الأمم وأمن الدول ورفاه الشعوب.

بل يعترف المؤلف أيضا أن بعضا من بنود تلك القائمة ليس بالجديد على حياة العالم، ولكن المشكلة أنه يحدث في ضوء أو ضمن سياق جديد بمعنى أن عالمنا الراهن يعيش وضعا مختلفا عن عالم القرن التاسع عشر مثلا الذي وضعوا فيه الركائز أو اللبنات الأساسية لنظام العلاقات الدولية. ويتمثل هذا الفرق، برأي المؤلف، في عاملين محوريين:

الأول: يسميه «عامل المؤسسات» ويعني به أن العملاق الأميركي المعاصر لنا لا يعيش أو يعمل أو يتفاعل في فراغ، بل يفعل هذا كله ويضطلع بمهمته الكوكبية فيما تربطه وتلزمه سلسلة من الاتفاقات والبروتوكولات والمعاهدات، النابعة بدورها عن أكثر من 20 مؤسسة دولية وبصورة ما كانت لتخطر يوما على بال رجل دولة جرماني مثل بسمارك ولا سياسي بريطاني داهية مثل دزرائيلي.

ولعل أهم ما يرتبط بتلك الصكوك والمؤسسات الدولية التي تجسدها هو أنها من جهة أولى تؤكد الطابع الكوكبي الراهن لسلوك الدول وقياداتها، وهي من الجهة الأخرى تشدد على أن السبيل الوحيد لإدارة شؤون عالمنا هو ضرورة التعاون بين سكان الكوكب.

ولم يكن ذلك أمرا ضروريا أو حيويا كما هو الآن. تأمل مثلا مشكلة التهديد بنفاد السلع الإستراتيجية الأساسية مثل مستلزمات الطاقة. إن حلول مثل هذه المشكلات لا يمكن إلا أن تكون عالمية شاملة أو فلنقل كوكبية، وإلا لن تجد البشرية حلولا على الإطلاق.

العامل الثاني يصفه المؤلف بأنه «الشرعية» التي تتجسد بداهة في تلك الصكوك والمواثيق الدولية المعمول بها في عصرنا، ومشكلة هذه الشرعية أنها نسبية للأسف الشديد، بمعنى أنها محفوفة أو مخلوطة بمصالح الدول وأهدافها الذاتية فضلا عن ارتباطها بالقدرة على تعبئة أكبر عدد ممكن من الدول الأطراف المسانِدة لتلك الشرعية.

في هذا السياق يضرب المؤلف المثل من حرب الخليج الثانية في فاتح عقد التسعينات: يومها ارتأى عدد كبير من الدول- في منطقة الشرق الأوسط ومن خارجها أن من «مصلحتها» أن لا يستمر غزو أو احتلال صدام حسين للكويت، ومن ثم عمد هذا الحشد من الدول إلى إبداء تأييده لقرارات مجلس الأمن الدولي بالتصدي لما أقدم عليه يومها النظام الذي كان حاكما في بغداد، هنالك تقدمت الولايات المتحدة الصفوف وقادت تحالف الدول الذي أنجز مهمة تحرير الكويت.

ومرة أخرى يعلق مؤلف الكتاب قائلا (ص206): لهذا جاءت حرب أميركا الأولى ضد العراق عملية «مشروعه» لأنها استندت إلى «الحق»، وجاء هذا الحق أو الصواب بسبب أن تلك الحرب كانت تخدم مصالح 80 دولة، صغيرة وكبيرة بعيدة وقريبة على حد سواء، وهذا ما افتقدت بَركَاته ـ يضيف مؤلفنا ـ حرب أميركا الثانية التي حملت اسم غزو العراق لأنها جاءت على خلاف مصالح كثيرة من الأطراف، التي كان من بينها أطراف عربية وروسية وصينية وفرنسية وألمانية.

من هنا فإن الإجماع والحشد وتعبئة الآراء والتماس المبررات المشروعة أو التي يوافق عليها أطراف شتى، هو الدرس المستفاد من مشروعية تصرف «العملاق» الأميركي تحريرا للكويت وافتقاده هذه المشروعية في تصرفه الآخر غزوا لأرض العراق.

هنا يستدعي المؤلف آراء هنري كيسنجر إياه، بوصفه شخصية جمعت بين الأكاديمي أستاذ علم السياسة وبين الدبلوماسي المحنك الذي كان مسؤولا عبر سنوات مضت عن قضايا الأمن القومي وإدارة السياسة الخارجية لأميركا.

نصيحة كيسنجر

إن كيسنجر أستاذ في فن السياسة الواقعية أو هي الواقعية السياسية إن شئت وعندما يُطرح السؤال الجوهري والبسيط: كيف السبيل إلى إضفاء الشرعية على القوة باعتبار القوة ـ واقعيا ـ هي العملة المتداولة أساسا في مضمار السياسة الدولية؟

يجيب هنري كيسنجر عن هذا السؤال قائلا: القوة الأميركية حقيقة من حقائق الحياة. ولكن فن الدبلوماسية هو وحده الكفيل بترجمة هذه القوة المتفردة إلى حالة من التوافق الجماعي بين الآراء.

ثم ويضيف المؤلف معلقا: إن هذا التوافق المنشود يأتي من خلال التراضي والقبول. وهذا التراضي هو الوجه الآخر لمعنى الشرعية، على أن القبول أو التراضي لا يرادف الشعبية أو الشهرة بل هو ينطوي على نوع من السكوت أو الإغضاء وكأنه ضوء أخضر، أو إضافة مهما كانت بسيطة لترجيح كفة الميزان، ومن ثم فهو يكفل الشركاء الذين لا غنى عنهم لأي أمة فوق ظهر الأرض مهما بلغت من القوة أو المنعة أو حتى النفوذ والجبروت.

ويواصل المؤلف تحليله قائلا: في هذه الحالة لابد من التمييز بدقة ورهافة وذكاء بين القوة والنفوذ ـ القوة تعني القسر والإكراه، أما النفوذ فيعني موهبة القيادة، والقيادة تستند بالضرورة إلى الشرعية، وإلا أصبح الفتّوات والبلطجية ملوكا وفاز «الزعران» و«القبضايات» بالصولجان والسلطان.

وفي هذا يصح أن يقال: أن أميركا لا تحتاج الى تصريحا من العالم لكي تتصرف، ولكنها بالقطع تحتاج تأييد هذا العالم لكي تحرز النجاح في تصرفها.

من هنا يصح القول أيضا بأن هذا التصرف على أساس الشرعية - بالمفهوم الذي عرضناه ـ يعني أن تحمِلَ الآخرين على مشاركتك أو الاتفاق معك لكن دون أن تلجأ إلى أساليب الرشوة أو الابتزاز دع عنك أساليب القسوة المتوحشة أو الترهيب اللاإنساني الغليظ.

الضغط يولد البغضاء

نحسب أن مؤلف الكتاب حريص على التذكير بأن القسر أو الضغط أو الإكراه لا يفضي بحال إلى التعاون بل أنه يولّد مشاعر الحنق والحقد والكراهية ومن ثم الرفض والتمرد والمقاومة، ولو افترضنا أن أميركا كانت قد حرصت على نيل موافقة كثير من الدول قبل خوضها حرب العراق الأخيرة على غرار ما فعلته .

ـ كما ألمحنا ـ في حرب تحرير الكويت، ساعتها كانت تكسب المشروعية وتنال التعاون من أطراف تتفهم وتقدّر وقد تساعدها على الخروج من المأزق الراهن ـ الورطة التي مازالت محشورة ضمن طياتها، قارن بين هذه الورطة في العراق، وبين ما نالته أميركا من فهم وتقدير عندما قررت أن تقصف مواقع في بلاد الصرب خلال صراع البلقان عام 1999. يومها حصلت على مباركة حلفائها في منظمة الناتو الأطلسية. ومن ثم حققت حملتها الجوية ما رسمته من غايات وما توخت بلوغه من أهداف.

من هنا يستلزم الأمر من القوة العظمى الوحيدة أن تجمع بين أسلوبين أولهما: تحقيق وصون التوازن على طريقة بريطانيا وهي تقود الإمبراطورية، وثانيهما: بناء تحالفات بين شركاء وحلفاء على طريقة بسمارك وهو يؤسس صرح الوحدة الألمانية. ثم يؤكد المؤلف على أهمية أن تتسلح أميركا بهذا الأسلوب المزدوج لكي تضطلع بدورها أو تنفذ مهمتها المطلوبة وخاصة في أهم ثلاث مناطق في عالم اليوم، وهذه المناطق المحورية (ص 221 ـ232) هي على النحو التالي:

* أولا الشرق الأوسط: المنطقة التي يصفها المؤلف (ص220) بأنها أخطر وأهم منطقة استراتيجية، وهي في نظره مرادفة أو مناظرة لمنطقة البلقان في القرن التاسع عشر زائد عنصر البترول، ويسترعي الملاحظة أن المؤلف يشير إلى أن ظاهرة الإرهاب الحديثة وُلدت في البلقان .

وهي التي أشعلت شرارة الحرب العالمية الأولى (الإشارة هنا إلى حادثة اغتيال ولي عهد النمسا الأرشيدوق فرانز فرديناند في يونيو 1914 على يد إرهابي من أهل صربيا) ولا يتورع المؤلف في ظل المنطق السائد في الغرب عن مقارنة الجماعات الإرهابية في بلقان القرن 19 بجماعات القاعدة في أفغانستان القرن 21. بيد أن المشكلة لا تنحصر في الإرهاب بالشرق الأوسط:

إن الحدود التي تنقسم إليها المنطقة مازالت محل نزاع محتدم وأولها بالطبع ما يتعلق بالصراع بين العرب ـ الفلسطينيين وبين إسرائيل هذا فضلا عن الانقسامات التي يحلو للمؤلف أن يستعرضها، ما بين الدول والشعوب، الأغلبية والأقلية، العرب والكرد، ثم انقسامات المذاهب والأعراق. هذا فضلا عن طول أمد السلطة، أو شيخوختها في الشرق الأوسط، والأخطر أن تتفاعل هذه الأوضاع المنذرة بالخطر في منطقة مدججة بالسلاح حتى ليصفها المؤلف قائلا:

ليس هناك منطقة تضم كميات من الأسلحة لكل ميل مربع بأكثر من الشرق الأوسط، فما بالك بالقدرات النووية الإيرانية التي تكمن في خلفية المشهد هناك، هذا فضلا عن تردي الأوضاع الاقتصادية وتبدّي الصراعات الاجتماعية وحالة الإحباط التي تكاد تحيط بكل مكان.

تلك قصة دموية كما يحكيها المؤلف وهي تحتاج في رأيه إلى يد من خارجها تعمل على تحقيق التوازن على صعيدها، وهذه مهمة تقع على عاتق أميركا وليس غيرها، كيف لا وقد خَلَفت كلا من بريطانيا وفرنسا في الخمسينات ثم خَلَفت الاتحاد السوفييتي في التسعينات. لكن أميركا في كل الأحوال تحرص في رأي الأستاذ جوزيف جووف على إبقاء إسرائيل في حال من التفوق النوعي في مواجهة العرب.

وفي «لحظة الحقيقة» كما يسميها وقد حانت في حرب أكتوبر عام 1973 قدمت أميركا لإسرائيل فيضا أو سيلا من المعدات التي أعادت لها ما خسرته وزيادة (في مواجهة الجيوش العربية) فيما ظلت أميركا تعمل على ردع الاتحاد السوفييتي وإبعاده عن التعاطي مع هذا الصراع، ومازالت أميركا تلعب دور الضامن أو الكفيل لصالح عدد من النظم الحاكمة في المنطقة (ص221).

مصداقية واشنطن

يواصل المؤلف إطلالته على أحوال الشرق الأوسط ليضيف ما يلي: قد تكره جميع المجتمعات العربية أميركا من صميم قلوبها. ومع ذلك تبقى حقيقة أن الولايات المتحدة تضمن أمن كل طرف في مواجهة كل طرف آخر. وهنا أيضا يستعيد المؤلف ذكريات الدور الأميركي في الوساطة لتحقيق السلام بين إسرائيل ومصر (كامب ديفيد) وبين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية (مصافحة البيت الأبيض بين عرفات وإسحق رابين).

ثم يطرح المؤلف سؤالا افتراضيا بديهي الإجابة ـ هو سؤال بلاغي كما يقال في أدبيات الانجليز:

ترى لماذا لا يأخذ العرب والإسرائيليون خلافاتهم ليعرضوا حلولها أو يطلبوا التوسط بشأنها إلى موسكو أو لندن، أو بكين أو باريس؟

والجواب، البديهي أيضا هو أنهم يذهبون إلى واشنطن، أو يستدعون واشنطن لأنها تملك ما لا يملكه الآخرون ـ تملك القوة والمصداقية.

* ثانيا شرق آسيا: على خلاف الشرق الأوسط، فإن منطقة شرق آسيا تتسم بظاهرة فريدة هي ظاهرة الدول الصاعدة، ومع ذلك، فالمنطقة مازالت تحكي قصة تعاطي أميركا مع أحوالها وقادتها وشعوبها منذ الأربعينات، أي منذ خاضت أميركا حربها الدموية ضد اليابان. وفي الخمسينات خاضت الحرب في كوريا ضد نفوذ الصين والسوفييت. وفي الستينات خاضت حربها الشهيرة في فيتنام.

وفي حكمه على الحرب الأخيرة بكل ما جلبته على واشنطن من مآس ومشاكل يفوض المؤلف دفة المصطلح السياسي حين يقول: أن أميركا خسرت في فيتنام ولكنها لم تُهزم، بدليل أنها عاودت بعدها الاضطلاع بدور القوة الكبرى المسؤولة عن التوازن في شرقي قارة آسيا وفي طول وعرض المحيط الباسيفيكي، وإن كان هذا الدور سوف يواجه مزيدا من الصعاب والتحديات في المستقبل، وهي ليست تحديات هينة أو مقدور عليها كما قد يقال:

أنها تحديات الانتشار النووي، في كوريا الشمالية إلى تطوير السلاح النووي عند الهند وباكستان، إلى احتمال هذا التطوير بكل أخطاره في، اليابان، هذا فضلا عن التحدي الصيني بكل أبعاده الاقتصادية ـ الفضائية والنووية أيضا. هنا لن يكون مطلوبا أن تقتصر مهمة العملاق الأميركي على دور محقق التوازن بل عليه أن يمضي شوطا أبعد ليضطلع بدور يصفه المؤلف بأنه «المنظمِّ القدير».

* ثالثا أوروبا: للوهلة الأولى تبدو أوروبا أبعد ما تكون احتياجا إلى دور العملاق الأميركي ولاسيما بعد اختفاء العنصر السوفييتي الذي كان يشكل أهم رابطة أو أخطر مبرر للتعاطي أو التلاحم الذي كان قائما بين أميركا وأوروبا خلال سنوات الحرب الباردة.

لكن ثمة معادلة مستجدة وطريفة أيضا آخذة في التشكل حاليا، فدول غرب أوروبا مثل فرنسا أو ألمانيا وأحيانا مثل إيطاليا أو أسبانيا، تبدو وكأنها مكتفية بالدور الأميركي الفعال في قيادة حلف الناتو الأطلسي. لكن كلما اقتربت حدود الدول الأوروبية من حدود روسيا إلى شرقي القارة، ازدادت رغبة تلك الدول في شرق أوروبا في التقارب وبصورة حثيثة وحميمة من أميركا، والسبب أن روسيا، وإن تراجعت، إلا أنها مازالت موجودة، وينبغي أن يحسب لها حسابا إن لم يكن اليوم، فغدا أو حتى بعد غد.

التصفيق بيد واحدة

الحاصل أنه برغم كل عوامل التبرم والتوجس إزاء أميركا وسيرتها وأساليبها في عالم اليوم، إلا أنها ما برحت ـ بنظر مؤلف هذا الكتاب ـ قوة مركزية ومحورا مطلوبا وجوهريا في الشؤون العالمية، ومهما اقتربت الصين من روسيا في إطار «شراكة استراتيجية» .

كما أسموها ـ إلا أن الصين لن تجد في الدنيا بخلاف أميركا من يفتح أمام منتوجاتها سوقا شاسعة ومفتوحة الشهية للاستهلاك بحيث أصبح مستحقا للصين مبلغ 160 مليار دولار في ذمة أميركا كفائض لصالح بكين في ميزان التبادل التجاري. رغم ذلك فلن يكون الأمر سهلا بالنسبة للقطب الأميركي المتفرد حتى داخل أوروبا نفسها، التي يعترف المؤلف نفسه أن أقرب ما يوحدها ضمن هوية أوروبية مشتركة هو معارضتها لثقافة أميركا ونفوذها القوي في ما يعرض لها من أمور.

وفي كل حال فالقوة الغالبة تثير غضب الأقل قوة بفعل الغيرة أو الحقد أو مُركب النقص على نحو ما يلاحظ الكاتب الأميركي ويليام غرايمس في عرضه النقدي لهذا الكتاب (نيويورك تايمز، 28/6/2006). وبعدها يضيف الناقد قائلا:لا خيار أمام أميركا سوى أن تظل في موقع الدولة التي لا غنى عنها في العالم.ولسوف يأتي على أميركا حين من الدهر تسمع فيه بآذانها صوت يد واحدة تصفق، نعم يد واحدة.

عرض ومناقشة: محمد الخولي