خلال قراءتي لكتاب التجربة الماليزية الذي يصدره مكتب التربية العربي لدول الخليج، أذهلتني تلك النقلة النوعية المدروسة التي أقرها الميدان التربوي الماليزي فكانت (المدرسة الذكية)، تلك التجربة الجديدة والمغامرة الجريئة التي تمثلت في تغيير الشكل وآلية العمل والممارسات التربوية استناداً إلى التكنولوجيا، بحيث تكون ذات صلة بالاحتياجات الفعلية للطلاب والمعلمين وغيرهم من العاملين في المؤسسات التعليمية.
أما التجربة الثانية فكانت عام 1995، حين قامت الوزارة الماليزية بتدشين مبادرة تدريس مادة الاختراعات، وتم طرح المادة الدراسية الجديدة لكي يتم تدريسها في المرحلة الثانوية:( صفان دراسيان) من أصل (6 ـ 3 ـ 2 ـ 2) ست سنوات ابتدائي، وثلاث سنوات متوسط، وسنتان ثانوي، وسنتان بعد الثانوي.
وكانت هذه التجربة تهدف إلى تخريج كوادر طلابية مبتكرة ومتطورة ومعطاءة، لتضيف إلى المجتمع أكثر مما تستهلك وليس العكس. وهكذا أصبح مدخل التدريس القائم على مقولة (افعلها بنفسك) جزءاً لا يتجزأ من عملية التعليم والتعلم، مدعماً بعناصر تحث على المغامرة والابتداع، ولقد تم تطعيم أنشطة التعليم بتوجيهات إيجابية في العمل كالاعتماد على الذات والثقة بالنفس والإبداع والمبادرة وزيادة الإنتاجية.
الحاجة أم الاختراع كما يقال، والحاجة هي التي لوحت للماليزيين بهذه الفكرة، حين وجدت ماليزيا نفسها أسيرة عمليات التجميع الصناعي التكميلي لصالح الشركات الكبرى متعددة الجنسيات، لذا فإنها عزمت على النظر في ترميم الأساس وإعادة تأسيسه والمختلف في هذه التجربة هو أنها تمضي وفق رؤى واضحة وفلسفة شاملة.
يظل التعليم هو الأساس الذي تبني عليه الدول تطلعاتها وطموحاتها المستقبلية، لأن الأطفال هم شباب الغد وصنّاع المستقبل والاستثمار الحقيقي لا يكون في استثمار الأموال وإنما هو استثمار هذه العقول الصغيرة بالعلم النافع والتوجيه الواعي الذي يسمو بهم إلى منابر العطاء والقيادة.