ترتفع قمة الهرم الذي صممه المعماري العالمي نورمان فوستر ليشيد في الأستانة، عاصمة كازاخستان، إلى 62 مترا فوق انعطافة غير طبيعية في نهر إيشيم.

ويشابه هذا الهرم الكثير مما شيد في الأستانة، حيث بني على جناح السرعة، إذا لم يستغرق الانطلاق فيه منذ كان فكرة وصولا إلى إتمام التشييد إلا 22 شهراً، لكي يكون موقع المؤتمر الذي يعقد مرة كل ثلاث سنوات ويشهده ممثلو ديانات العالم، وقد عقد المؤتمر بالفعل في هذا المبنى في سبتمبر الماضي حتى قبل الانتهاء من بنائه.

وقد اتخذت قمة الهرم من الزجاج المتألق بتصميم حمامات (ترمز إلى السلام) تحلق في سماء زرقاء تحت شمس صفراء ( الأزرق والأصفر هما اللونان المميزان لعلم كازاخستان). وهذا التصميم ليس بالتصميم المراوغ الذي يعكس الكثير من العمق، لكن القليل حقا في الأستانة هو الذي يتصف بهذه الصفة، وهي العاصمة الجديدة التي تنهض في مزيد من الوعي بالذات في سهوب لآسيا الوسطى الخالية من الأشجار.

شيدت بلاد أخرى مدنا مستقبلية في مواقع نائية بالنسبة للعالم، والمثال الأكثر شهرة هو برازيليا وشهدت المدن الأخرى انطلاقات مدهشة في البناء، فهناك دبي وشنغهاي بل وموسكو.

لكن ما من مدينة توسعت على النمو الهائل الذي شهدته الأستانة، والذي انتقلت في إطاره انطلاقا من طموح استثنائي لتصبح ليست عاصمة قومية فحسب بل لتشكل هوية قومية، وهي هوية شكل ملامحها بصورة حصرية تقريبا رجل واحد، هو الرئيس الكازاخستاني نور سلطان نزار باييف.

وقال يرزان الشيخ باييف الناطق باسم وزارة الشؤون الخارجية في مقابلة أجريت معه في مقر الوزارة الجديد الذي افتتح في أبريل العام الماضي:

( المعماري الرئيسي هو الرئيس نفسه، فكل مشروع وكل مبنى لا بد أن ينال موافقته).

ويحتل الهرم النهاية الحالية لمحور يخترق قلب العاصمة الجديدة، ويربط القصر الرئاسي المنيف ببرج مشيد من الصلب يعرف ببرج باتريك، الذي يرمز إلى الشجرة الواردة في أسطورة كازاخستان يضع طائرا يعرف باسم سامرك بيضه على أغصانها.

وفي النهاية المقابلة للمحور ينهض بناء شبه دائري، شبه ستاليني الطراز تشغله شركة الطاقة التي تملكها الدولة، وهي شركة كازمونيجاز، والتي منحت ثرواتها البلاد بيضة ذهبية لا تختلف كثيرا عن الرمز العملاق الذي يعلو صرح باتريك.

وسواء أكانت هذه اليوتوبيا السهوبية رؤيوية أم حماقة هو أمر لا يوضح موضح موضع النقاش في الأستانة، على الرغم من أن قرار نقل العاصمة الذي اتخذ في عام 1977 من ألمآت، وهي مدينة أكثر اتساما بالطابع الكوزموبوليتاني تقع بجوار جبال نيان شان، لم يكن موضع ترحيب شامل من قبل المسؤولين والمتنفذين والدبلوماسيين الذين اضطروا إلى الانتقال ( والذين لا يزالون يملأون مقاعد الرحلات الجوية المنطلقة إلى ألماآت في عطلات نهاية الأسبوع).

كما أنه لم يتم إيضاح أسباب الانتقال بصورة شاملة، على الرغم من أن نزار باييف قد أشار في العام الماضي إلى قرارات بطرس الأكبر بنقل عاصمة روسيا من سان بطرسبرغ في القرن الثامن عشر وقرار مصطفى كما أتاتورك بالانتقال من اسطنبول إلى أنقرة في القرن العشرين.

وفي تواضع رفض نزار باييف المناشدات التي وجهت إليه لتسمية المدينة باسمه، أي نور سلطان، واستقر رأيه بدلا من ذلك على تسميتها باسم الأستانة.

إن الأمر المهم هو أن مدينة إقليمية ليست بذات تاريخ مميز وذات هوية دائبة التغيير، والتي كان يطلق عليها أصلا اسم أكمل ثم أكملسنك ثم تسيلنجر أو «مدينة الأراضي العذراء» في استلهام لخطة خروتشوف التي تحمل الاسم نفسه لتحويل المنطقة إلى حقول للحبوب الغذائية ـ قد أصبحت أحد أكبر مواقع البناء في العالم وأكثرها انشغالا. وقد تم استثمار سبعة ملايين دولار، ويجري التخطيط لإنفاق ملايين أخرى من الدولارات، ولا يعرف أحد ما يجري حقا.

ووفقا لخطة عامة اعتمدت العام الماضي فإن المدينة يتوقع أن تنمو أضعافا مضاعفة بحلول عام 1030، حيث سيصبح عدد سكانها مليون نسمة ( مقارنة بحوالي 600 ألف نسمة تقريبا الآن، وهو ضعف ما كان عليه سكانها قبل عدة عقود) وتمتد عبر عشرات الألوف من الهكتارات داخل دائرة هائلة الامتداد. وسيربط المحور المركز بالفعل بين الأطلال الأثرية الباقية منذ القرون الوسطى من تجمع سكاني كان يعرف باسم بزق إلى جامعة جديدة هي «أوكسفورد أو هارفارد آسيا الوسطى» كما يصفها الشيخ باييف.

يصف الرجل الذي يعد، بحكم اللقب على الأقل كبير معماريي المدينة، وهو شوخان ماتيباكوف، الأستانة على نحو ما ستكون في عام 2030 بأنها تكامل الطبيعة والنزعة الحضرية وهناك نموذج للأستانة الجديدة يحتل قاعة كبيرة في الطابق الثاني من دائرة تخطيط المدينة.

ويرشد ماتيباكوف والمؤشر في يده الزوار عبر المباني والتي هي مزيج من رائع من الأساليب والطرز المعمارية التي أبدعها مهندسون معماريون هم الأكثر شهرة في العالم والذين اجتذبتهم أرصدة البلاد المتدفقة.

ويعود مخطط المدينة الأصلي إلى المعماري الياباني كيشو كوروساوا (وقد عدل منذ ذلك الحين إلى شكله الحالي الأكثر اتساعا). وصمم المعماري الإيطالي مانفريدي نيكوليتي قاعة موسيقى على شكل سفينة ذات طيات تشبه الأوريجامي أو الورق الياباني.

وللمصمم المعماري البريطاني فوستر كذلك مشروع جويد يردد أصداء الهرم، وهو بناء مخروطي عملاق يميل كأنما بتأثير الرياح المتراصة بشدة والمرتبطة بالمنطقة، ويعرف هذا المبنى باسم «سرادق اتمان» وسيقام في الطرف المقابل للهرم من المدينة. ولدى اكتماله سيضم متاجر ومسارح وحديقة مائية وحدائق مدرجة مصممة على غرار حدائق بابل المعلقة.

وسيكون المشروع الجوهري هو برج سيرتفع في قلب الدائرة التي تشكلها المدينة. وتتصور الاقتراحات المعمارية المقدمة والمثبتة على جدار إلى جوار نموذج المدينة برجا يشبه طلقة الرصاص من الزجاج الأزرق، يومئ إلى أغطية الرأس الموبية التي تعتمر مع الزي الوطني الكازاخستاني.

ويقول ماتيابايكوف إنه يعكس روحا كازاخستانية خالصة». والعين لا تخطئ يد الرئيس الكازاخستاني المرشدة. وداخل الكرة التي تعلو بايتريك تبرز بصمة كف نزار باييف داخل مثلث من الذهب والفضة يشير باتجاه قصره. ويقال إن الزوار الذين يصافحونه يحظون بالحظ والرفاه.

عن «نيويورك تايمز»