يتحدث الكاتب هنا عن مكانة الولايات المتحدة في العالم باعتبارها القوة العظمى الوحيدة والقطب الأوحد في عالم اليوم وما يستتبع ذلك من تحديات تفرضها هذه المكانة. ويرى أن واشنطن تواجه اليوم ثلاثة خيارات هي:
مواصلة تفوقها التي قد تجعلها في حالة حرب دائمة أو الانعزال بمعنى عدم التدخل في شؤون العالم أو ممارسة سياسة فرق تسد التي سبق وأن مارستها إمبراطوريات عديدة من أجل إبقاء الخصوم في حالة انشغال دائم في النزاعات والحروب مما يضعف قدرتها على المنافسة.
والأمر المهم الذي يشير إليه مؤلف الكتاب هو أن العالم قد تغير وقواعد اللعبة السياسية فيما يختص بالعلاقات الدولية تغيرت أيضاً، الأمر الذي يحتم على الولايات المتحدة أن تغير استراتيجيتها الدبلوماسية.
وهي بالفعل لجأت لذلك، حيث تحولت من انتهاج سبيل إقامة التحالفات الواسعة لإضفاء صفة الجماعية على أفعالها إلى تبني النهج الفردي أو الأحادي مع قبول صيغ خاصة من التحالفات التي تعتمد على الموافقة المسبقة على المواقف الأميركية أطلق عليها اسم «تحالف الراغبين».
الفصول الثلاثة الأخيرة من هذا الكتاب يسودها تعبير مشترك يكاد يشكل مفتاحا يفضي إلى سائر المقولات والتحليلات المطروحة في سطور تلك الفصول، هذا التعبير هو:
العملاق، والمقصود بالطبع هو أميركا، بوصفها القوة المستجدة على عالمنا. وفيما يتناول الفصل الخامس أبعاد الاستراتيجية التي يفترض أن يتبعها هذا العملاق، وفيما يعرض الفصل السادس لموقع هذا الكائن ـ السوبر ومكانته في العالم والعصر، فإن الفصل السابع ـ الأخير يختتم مقولات الكتاب بحديث مسهب يسوقه المؤلف عن المهمة المطلوب أن يؤديها هذا العملاق.
ولأن الاستراتيجية أمر حيوي بالغ التعقيد، فالمؤلف يهتم ـ من واقع مهنته كأستاذ جامعي- بأن يسوق في هذا الصدد عدة نماذج مستقاة في باب العبرة من دفاتر التاريخ (ص127).
إمبراطورية الأمر الواقع
صحيح أن أميركا مازالت جمهورية ولم تعلن عن نفسها بوصفها إمبراطورية، وصحيح أن رئيسها له ولاية محددة بسنوات أربع ويجوز تجديدها مرة واحدة فقط لا غير، وأحيانا لا ينال الرئيس حظوة هذا التجديد (كما في حالة 3 رؤساء حكموا أميركا خلال جيل واحد لا أكثر وهم على الترتيب جونسون وكارتر وبوش ـ الأب، دع عنك نيكسون الذي لم يكمل الولاية الثانية المجددة إذ طردوه ـ مستقيلا ومرغما أيضا ـ من جنة البيت الأبيض).
وصحيح كذلك أن رئيس الدولة الاميركية لم يحمل لقب صاحب الجلالة الإمبراطورية كما كان الحال عند حكام الهابسبورغ في النمسا، أو قياصرة ألمانيا ما قبل النازية، ولا حمل لقب البادشاه ـ الخاقان الأعظم (إمبراطورية آل عثمان) ولا طبعا الشاهنشاه في إيران. كل هذا صحيح، ولكن الأصح أيضا أن أميركا تحولت مع هذا القرن الجديد إلى ما يمكن أن نسميه بأنه (إمبراطورية ـ الأمر الواقع).
والطريف أن يصف حالتها مؤلف هذا الكتاب ليقول: أنها أشبه باللاعب الماهر الداهية على مائدة قمار، ظل يواصل اللعب ويستند إلى سياسة النَفَس الطويل في تحريك أحجار النرد أو فيشات لعبة الروليت، وفي آخر الليل، وربما عند تباشير الفجر، تساقط خصومه واحدا بعد الآخر تعبا، إرهاقا، مللا، خيبة وفشلا، أو سوء حظ.. الخ.
وكان آخر المتساقطين هو الاتحاد السوفييتي الذي اختفى تماما من حول المائدة الخضراء، تاركا اللاعب الأميركي وقد جمع أمامه أكواما من أوراق اللعب وفيشات الأرباح يستأثر بها دون الآخرين.
بعد هذا التوصيف الغريب يتحول كتابنا إلى ترجمة هذا التوصيف إلى حقائق مستقرة على الأرض، يقول المؤلف (ص127): ليس بوسع أي طرف أن ينافس حاليا الولايات المتحدة، لا من حيث السلاح المتقدم ولا قوة النيران ولا حراك القوات المسلحة: اقتصادها هو الأكبر في عالمها، بل إن ثاني اقتصاد يليها عند اليابانيين يمثل نسبة الحجم المحدود إلى العملاق والنسبة هي واحد إلى ثلاثة.
وأميركا تستند إلى منظومة من الهيمنة الثقافية التي لا تقتصر موضوعيا على الفيلم أو الديسكو أو وجبة الطعام السريع بل على المضمار الأكاديمي أساسا بكل ما له من عمق واحترام، فأهم 30 جامعة ـ هي جامعات القمة في العالم ـ تحظى أميركا بعدد يبلغ 23 منها، ثم أن لغتها ـ الإنجليزية المتأمركة بمصطلحاتها ومختصراتها - أصبحت لسان 4,1 مليار إنسان لتكون لغة العلم والطب والاختراع ككل. هذا مهم وحقيقي ورائع وعظيم ولكن...
هنا يستدرك المؤلف مضيفا ما يلي: التاريخ لم يشهد مثيلا لهذه الحالة الأميركية على مر مراحله، لكن التاريخ يهمس، ولابد أن يهمس بتحذير يقول فيه: إن هذه الحالة بالذات لا يمكن أن تستمر على ما هي عليه. وفي هذا السياق لا يملك التاريخ والمؤرخون سوى الإشارة إلى العبرة المستقاة من حالات إمبراطورية وإمبريالية مهيمنة أخرى.
ويدعو إلى التفكر في مصائر إمبراطوريات الرومان والهابسبورغ ونابليون وهتلر، وطبعا إمبراطورية الاتحاد السوفيتي التي مازالت ذكراها حية، طازجة في الأذهان، ومرة أخرى يحذر المؤلف بأن هذا الوضع الإمبراطوري المسيطر الذي تنعم به أميركا الراهنة لا سبيل إلى استمراره، بمعنى أن لا سبيل لاستمرار هذه القوة الغالبة ـ «أوبر باور» كما يسميها المؤلف كما قد نتذكر في قاموسه الألماني.
ما السبب في ذلك؟ السبب هو أن كل قوة ناشئة وناضجة وغالبة وعاتية، لابد وأن يتولد عنها قوة مضادة، بفعل قانون الفعل ورد الفعل الذي ينظم ويضبط حركة الأشياء. وكلما اتسعت الهوة الفاصلة بين القطب رقم واحد ومن يليه من أقطاب، فإن بقية هذه الأقطاب اللاعبة على رقعة القوة في العالم لا تلبث تشحذ قدراتها وتعبئ مواردها مستهدفة تحقيق ـ أو استعادة - التوازن إلى أوضاع هذا العالم.
ثلاثة خيارات
في غمار هذه العملية من الفعل والفعل المضاد يوضح المؤلف أن القطب رقم واحد لابد وأن يواجه واحدا من خيارات ثلاثة:
الأول: مواصلة التفوق، وهو خيار صعب لأنه يقضي العمل باستمرار على إبقاء الآخرين ضمن الدوائر الأدنى وهنا يظل القطب الأوحد في حالة أقرب إلى الحرب الدائمة ومنها الحرب الاستباقية وما في حكمها.
الثاني: الانعزال، في وقت باتت العزلة أمراً مستحيلاً أو تكاد تكون وسط عالم القرية الكونية الواحدة فما بالك بالشعار الذي طرحه بوش والجمهوريون معه بأن واشنطن سوف تؤازر الحركات الديمقراطية في كل ركن من أركان العالم باعتبار أن مساندة الديمقراطية سبيل إلى أن يعم السلام وهو أمر يوجب التفاعل والتعاطي والتواصل بكل معنى.
الثالث :التفريق، بمعنى العمل المتواصل على تفريق صفوف المتنافسين على المكانة رقم واحد في عالم اليوم، إنها سياسة «فرق تسد» التي سبق واتبعتها بريطانيا أيام كانت القوة رقم واحد في العالم القديم.
هل معنى هذا أن واجب أميركا المعتزة، وأيضا المغتّرة بقوتها يتمثل في تقليب الدفاتر القديمة كي تستعيد سلوكيات الإمبراطورية البريطانية وتنسج على منوالها؟
الإجابة هي نفيا بطبيعة الحال، والمؤلف ينبه قارئيه إلى أن الدنيا تغيرت: ما بين سطوة بريطانيا وأسلوبها منذ القرن الثامن عشر وحتى سقوط إمبراطوريتها غرقا في مياه قناة السويس سنة 1956، وما بين واقع أميركا التي استيقظت ذات عقد من الزمان ـ التسعينات لتجد نفسها بغير تمهيد قطبا أوحد ومشروعا إمبراطوريا له نوازعه أو غوايته الإمبريالية مع إطلالة ألفية ثالثة من تاريخ العالم المعمور.
حديث المتغيرات
نعم، تغيرت الدنيا في سياق أوضاع أساسية ثلاثة هي:
أولا، تغيرت خصائص الساحة التي تمارس فيها القوى الفاعلة لعبة الأمم الكبرى: زمان كانت بريطانيا لا تواجه منافسين، اللهم إلا من داخل أوروبا ذاتها، لكن في أيامنا الحالية أصبحت الحلبة الدولية تضم أطرافا في منطقة أوراسيا (أوروبا وجنوب شرقي آسيا) ومنطقة الشرق الأوسط إلى منطقة الشرق البعيد الأقصى.
ثانيا، إن التوازنات الإقليمية، بمعنى العلاقات والصراعات داخل المناطق الملتهبة من عالمنا باتت معرضة للاهتزاز أو الاختلال ومنذرة بخطر محدق وجسيم ويكفي ـ كما ينبه المؤلف (ص143 وما بعدها) ـ أن روسيا مضطربة الأوضاع، وأن منطقة الشرق الأوسط الكبير شهدت في أقل من 20 سنة ثلاث حروب إقليمية تركزت نيرانها وأخطارها وعقابيلها على منطقة الخليج والعراق.
هذا فضلا عن قضية إسرائيل، التي شهدت، بتعبير المؤلف، ثلاثاً من المواجهات العسكرية بين العرب وإسرائيل. وفي كل من تلك الحروب أو المواجهات كان على أميركا أن تتدخل من الخارج. أما في جنوب شرقي آسيا ومنه إلى الشرق الأقصى فهناك التفاعلات المتصلة بكوريا الشمالية وبالصين واليابان والتأثيرات الإقليمية لروسيا نفسها.
وفي كل هذه المناطق الإقليمية الثلاث من العالم، ثمة دور أساسي لضبط التوازن بين أطراف اللعبة الإقليمية، وهو دور مطلوب من أميركا ثمنا لمكانة القطب الأوحد. وكان دور لعبته بريطانيا أيام كان لها نفس المكانة في السابق، لكن الفرق هو أن الدور أصبح أصعب وأشد تعقيدا لأن بريطانيا مارسته في عالم بغير منافسين يعتد بهم، لكن ها هي أميركا تمارسه وسط عالم حافل بمنافسي الحاضر والمستقبل.
ثالثا، تغيرت قواعد اللعبة: زمان كان الصراع تشتد سخونته إلى حد التهاب الحرب حين تعتدي دولة ما على إقليم دولة أخرى، كان أقرب إلى صراع الحدود، وكانت الأرض جائزة المنتصر إذ كانت حيازة ترابها وحدودها تتيح ممارسة النفوذ والتأثير.
واليوم تغيرت اللعبة، بحكم التداخل إلى درجة التشابك بين عناصر وأساليب العلاقات الدولية، لم يعد عامل الأرض، التراب الوطني هو الفيصل الوحيد في صداقات الدول أو في الصراعات الناشبة فيما بينها. بل أكثر من هذا، تغيرت مفاهيم الحدود الوطنية أو الرقعة القومية في عالم الكوكبة .
حيث تداخلت عناصر الاقتصاد وتشابكت قضايا البيئة ومشاكل المناخ وتدفقات النازحين والمهاجرين، الخ. ولو فرضنا ـ كما يشير مؤلفنا ـ أن أميركا ضاقت ذرعا بتصرفات الصين مثلا وتدخلاتها في إقليم جنوب شرقي آسيا والمحيط الهادئ، ولو فرضنا أن هناك من قرر بحزم أن يوقف هذا المنافس الصيني عند حدّه، لما استطاع إلى ذلك سبيلا، لماذا؟
يجيب المؤلف قائلا في حزم موجز: لأن الصين لها في ذمة أميركا عشرات المليارات من الدولارات على شكل ديون مستحقة (يقصد طبعا أن الميزان التجاري في صالح بكين)، وقد تُقرر الصين من جانبها أن تطالب بهذه المليارات وتنزل بها السوق وكأنها توجه إلى «شريكها» الأميركي ـ الإمبراطوري حتى لا ننسى ـ قنبلة نووية مالية.
البروباغاندا الصينية
التغيير نفسه في قواعد اللعبة الدولية ينطبق أيضا على الصين ذاتها: صحيح أن البروباغاندا التي ينشرها كل من الحزب والدولة في بكين لا تنفك ترفع شعار أن «تايوان» ـ الجزيرة المشاغبة هي جزء من الوطن الصيني الأم، الخ. لكن بكين لا تملك ـ كما يضيف كتابنا ـ أن تمارس مزيدا من الضغط على تايوان وإلا فقدت الصين سوقا تجارية طائلة العوائد.
كل هذه التغيرات طرأت واستجدت على ساحة ورثت على مدار النصف الأخير من القرن العشرين تراثا في مجال السياسة والدبلوماسية قام على أساس بناء الأحلاف وصوغ التكتلات، وفي هذا السياق لا يتورع المؤلف (ص157 وما بعدها) عن استعراض التحالفات والمنظومات والتكتلات التي عمدت واشنطن إلى تشكيلها ودعمها حيث تتعدد المسميات والعناوين قدر تعدد المختصرات على الطريقة الأميركية المعروفة:
ما بين الناتو في غرب أوروبا إلى «السنتو» (المركزي) في الشرق الأوسط، إلى «السياتو» في جنوب شرقي آسيا، إلى «الأنزوس» في أصقاع المحيط الهادئ دع عنك معاهدة الأمن التي مابرحت سارية بين أميركا واليابان، فما بالك بالضمانات التي مازالت أميركا ملتزمة بها إزاء أمن العديد من النظم القائمة في أقطار شتى منها تايوان وباكستان وبعض الدول العربية وبالطبع إسرائيل.
درس بسمارك
بناء التحالفات كان الأسلوب الأثير والأمثل الذي سبق إلى اتباعه المستشار الألماني التاريخي بسمارك (1815 ـ 1898) وهو الرجل الحديدي كما كانوا يسمونه في زمانه وهو أيضا الزعيم المؤسس لكيان الوحدة الألمانية.
لهذا يطلق مؤلفنا على أميركا وصفا طريفا يقول: إنها الولايات المتحدة، البسماركية، كيف لا، وقد امتد هذا الأسلوب في بناء الأحلاف وأشكال التجمع ـ التحالف الدولي إلى كيانات حرصت أميركا وليست غيرها على تأسيسها ومنها الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي، الأولى لإدارة سياسة العالم والثاني لإدارة أمواله.
وآخر هذه التحالفات يحمل اسم منظمة التجارة العالمية. والمشكلة أن هذا الاتجاه التحالفي الذي جاء مستندا إلى سياسة الاحتواء، والاحتواء المزدوج التي سبق إلى إرسائها جورج كينان بوصفه من مخضرمي الدبلوماسية الاميركية بعد الحرب العالمية الثانية ـ هذه السياسة كانت تستهدف بالأساس حصار القطب ـ الخصم السوفيتي.
وفي ظلها كانت أميركا تمد يد التعاون، الصداقة إلى أطراف تلك التحالفات، لكن بعد زوال القطب المنافس المذكور، أو بتعبير المؤلف بعد التدمير الذاتي للاتحاد السوفيتي وجدت أميركا نفسها وقد خلت الساحة إلا من وجودها، كان ذلك تحديدا في ليلة عيد الميلاد من عام 1991 فكان أن تخلت من فورها عن أسلوب بسمارك في صنع وصون التحالفات.
وزاد الأمر تفاقما بعد كارثة سبتمبر 2001 وبعدها طرحت أميركا شعارا يقول على لسان دهاقنة المحافظين الجدد:لم تعد مهمتنا ـ بالتحالف ـ أن نحافظ على النظام الدولي القائم، أصبحت مهمتنا ـ بالانفراد ـ أن نغير هذا النظام من الأساس.
تجاهل الأمم المتحدة
هنا يعلق المؤلف على هذه التحولات في الفكر وفي الممارسة، وفي ختام هذا الفصل المحوري من الكتاب (ص161) يكتب قائلا: هكذا أشاحت الولايات المتحدة الطرف، وصرفت أنظارها عن أي قيود أو كوابح صادرة عن هذه المؤسسة أو تلك من الأطراف العاملة على الساحة الدولية ـ كوابح وقيود من نوعية قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة أو مجلس الأمن الدولي، ومضت السياسة الأميركية إلى طريق مستجد تماما:
خاضت حربين في تتابع زمني قصير أولاهما في أفغانستان والثانية في العراق. وطرحت أجندة مستجدة جاء أول بنودها داعيا إلى «تغيير النظم الحاكمة» ومثل هذه البنود ـ نظريا على الأقل ـ لا تحدها حدود ولا تكبح تحركها قيود، وما أن انتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، حتى أصبحت أميركا تنفق على قدراتها العسكرية ما يكاد يصل إلى مجموع ما تنفقه جميع دول العالم بأسره، وبهذا طرحت أميركا نفسها ـ في إهابها الجديد.
وعلى ضوء أجندتها الجديدة، بوصفها عملاقا يبعث على الخشية ولا يقف في طريقه عوائق. هكذا، يؤكد المؤلف ـ شارف إلى نهايته العصر الذهبي للدبلوماسية الاميركية وبات السؤال مطروحا بلهفة وإلحاح في أوساط شتى وهو: كيف السبيل إلى استعادة هذا العصر الذهبي؟
عن هذا المنعطف يتحول الكتاب إلى تحليل هذا السؤال الاستراتيجي وإلى محاولة الإجابة عليه، خاصة وأن أميركا قد اعتمدت مبدأ الاستراتيجية العظمى مع مطالع هذا القرن الجديد. وبموضوعية كاملة، تستحق أميركا هذه الاستراتيجية العظمى، لا بفعل شعارات ترفعها ولكن بفضل ما يرتبط بمكانتها من غزارة الموارد وسخاء الإنفاق.
والفضل في ذلك لا يرجع إلى مجرد دوران عجلة الإنتاج في أميركا. بل إلى أن نقطة البدء عندها كانت سخية إلى حدود مبالغ بها. إن الصين ـ موضوعيا كذلك - تفوق أميركا في معدل النمو السنوي البالغ متوسطه نحو 7 في المائة كل عام، وهو معدل غير مسبوق بكل مقياس .
حيث المعدل الأميركي لا يتعدى 5 ,2 في المائة سنويا، ومع ذلك فالصين أمامها 30 سنة مع اتباع نفس هذا المعدل الخطير لكي تحقق نوعا من التوازن أو التناظر أو التقارب مع أميركا (12 تريليون دولار)، هذا في حين أن أميركا في نفس السنوات الثلاثين سوف تتحرك، ولو بمعدلها الأقل المذكور أعلاه، فإذا بها تصل من حيث الثروة إلى حجم يبلغ 25 تريليون دولار وهو مبلغ شديد الجسامة بأي مقياس ويضمن لها بالتالي مكانة السوبر ـ دولة، على الأقل حتى إشعار آخر.
عرض ومناقشة: محمد الخولي
