شغل رئيس الوزراء الإسباني السابق خوسيه ماريا أزنار هذا المنصب عن الحزب الشعبي بين 1996 و2004 وهو متزوج من آنا بوتيلا، العضو في المجلس البلدي لمدينة مدريد، ويؤكد أنها «الشخص الوحيد في العائلة الذي يعمل في ميدان السياسة في يومنا هذا»، بيد أنه لا يبدو هذا الرجل الخمسيني غريبا عن الأجواء السياسية النشطة متحمسا بفعل حياته الجديدة في «معركة الأفكار». لكنه لا ينسى ولا للحظة واحدة الحكمة التي تخص زعيم الدولة السابق و يتجنب أسئلة قد تكون محرجة.
صحيفة «الميركوريو» التشيلية انتهزت فرصة وجود أزنار في سانتياغو وأجرت معه الحوار التالي:
* الآن هناك الكثير من الرايات التقليدية لليمين، مثل اقتصاد السوق، قد سحبها اليسار، ما الذي يعنيه أن يكون المرء من اليمين في إسبانيا وما هي الخلافات الحقيقية مع الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني؟
ـ أعتقد أن القضية يجب أن تطرح بصورة معاكسة، فالسؤال يجب أن يطرح على النحو التالي: ما الذي يعنيه أن يكون المرء من اليسار بعد أن سقط جدار برلين؟ ولماذا كانت الحقيقة التاريخية إلى جانب العالم الليبرالي؟ إن عالم الحرية هو الذي يفوز، عالم اقتصاد السوق، علم الديمقراطية وبالتالي ما الذي يعنيه أن يكون المرء اشتراكيا؟ هذا ما يتعين على الاشتراكيين الرد عليه. فالشيوعيون السابقون راحوا يتحولون أولا إلى اشتراكيين ومن ثم راح الاشتراكيون ينتقلون إلى مواقع الاشتراكية الديمقراطية والاشتراكيون الديمقراطيون إلى تقدميين... ولا يعرف الآن على نحو جيد جدا ما هي طبيعة التقدميين؟
* هناك من يؤكد أن أحد العناصر المميزة للاشتراكية الاسبانية يكمن في جانب منه في الدفع باتجاه نموذج قيمي معين وفتح موضوعات الماضي في الجانب الآخر. ما هي باعتقادك الأهداف الكامنة وراء هذه السياسات وماذا ستكون تبعاتها؟
ـ ما يجري في أوروبا هو أن اليسار بفقدانه نقاطاً مرجعية تاريخية إثر سقوط جدار برلين وفي ظل عدم امتلاكه لمشروع أيديولوجي يدعم تلك النقاط إنما تبنى قضايا النسبية، أي مجتمع بلا قيم، حيث لا فرق بين هذا المرء وذاك، حيث لا تنتج القرارات أي تبعات أبدا، وإذا ما حدث وأنتجتها فإنها تكون عديمة الجدوى، حيث لا يحصل شيء أبدا ولا توجد حدود للأشياء.
* ما هي التبعات التي تترتب على هذا النهج في اسبانيا؟
ـ ما يحصل هناك هو إضعاف للقيم التقليدية التي يقوم عليها مجتمعنا، مثل الحرية والتسامح والاحترام المؤسسي ومعنى المسؤولية.
* قلت أخيرا إنه يتعين على أوروبا العودة إلى البحث عن جذور الأفكار، لكن الواقع يشير بالأحرى إلى سيطرة التوجه نحو سياسة إعلامية...
ـ عندما يتحمل المرء مسؤولية قيادة بلد ما فإنه لا يتعين عليه إدارة الأمور فحسب . الحكم يعني القدرة على اتخاذ القرارات على قاعدة الأفكار والقناعات. كما يجب أن يكون المرء مستعدا للدفاع عن تلك القرارات. في عالم اليوم هناك عدد قليل من القادة الأشداء وهناك الكثير من الزعامات الضعيفة. وفي أوروبا اليوم يعتقد أنه ليس ضروريا النضال في سبيل أي شيء، وأن رغد العيش قاعدة أساسية وأن الإيمان بشيء وامتلاك قواعد دينية وسياسية هما من المواقف والسلوكيات التي تصب في خانة المتشددين وأن هؤلاء المتشددين الذين يهاجمونك إنما يفعلون ذلك لأنك لا تفهمهم. لذلك أكرس نفسي الآن لمعركة الأفكار.
* هل يمكن القول إن هناك توجها جديدا لدى أحزاب اليمين الجديدة أو لدى القادة، على غرار ديفيد كاميرون في بريطانيا العظمى، للتخلي عن المبادئ الأساسية والتكيف قليلا مع ما يميل أكثر إلى الموضة؟
ـ ذلك النوع من السياسات ـ وأنا لا أقول إن كاميرون سيتبعهاـ التي تقوم على الخلط بينها وبين المشهد كي لا تميز من تكون، بينما ينتهي هذا المشهد وقد جرك إليه وأفحمك في نهاية المطاف.
* ما الفارق الذي يمكن رصده بين تاتشر وكاميرون في هذا السياق؟
ـ تاتشر قامت بثورة أما كاميرون فهو يقدم وعدا . والفارق كبير. ذلك أن تاتشر قامت بثورة ليبرالية أنقذت إنجلترا من الوضع الحرج الذي كان قد أوصلها إليه التيار الليبرالي وجدد ما عرف بالولادة الجديدة للمملكة المتحدة الممتدة حتى الآن. ومارغريت تاتشر هي أحد أهم قادة ما بعد الحرب العالمية الثانية. ولقد غيرت هي وريغان عقلية الكثيرين. ولقد تمكنت من خلال الجهد الذي بذلته، إلى جانب جهد شخصيات أخرى مثل البابا يوحنا بولس الثاني وتوق الكثير من الناس للحرية، من هدم جدار برلين.
*هل أدركتم في اللحظة التي تلقيتم فيها نبأ هجمات 11 مارس في مدريد البعد السياسي لما كانت ستؤول إليه الأمور؟
ـ خطر ببالي أمر سريع جدا وهو أن الإرهابيين كانوا قد حاولوا ذات مرة الحيلولة دون وصولي إلى الحكومة عن طريق محاولة اغتيال تعرضت لها. أما في حالة اعتداءات مدريد فإني لم أكن مرشحا، لكن الإرهابيين قرروا إبعادي عن الحكم محاولين أن لا يستمر حزبي في السلطة.
* ما هي عاقبة حقيقة أن الإرهابيين أرادوا تغيير النتيجة الانتخابية في البلاد؟
ـ الإرهابيون يريدون دائما التدخل في العملية الانتخابية، لكن لكي ينجحوا بذلك لا بد من توفر شرط ضروري تمثل في الحالة الاسبانية بموقف المعارضة عشية الانتخابات الأخيرة، فبدل أن تحمل الإرهابيين مسؤولية الاعتداء فإنها حملت الحكومة تلك المسؤولية. وما أقوله دائما هو أنه بدون هجمات 11 مارس لكانت نتيجة الانتخابات مغايرة.
* هل تعتقد أننا أمام صدام حضارات ،مثلما قال هنتننغتون، بين الإسلام والغرب، أم أن هناك فارقا بين «الفاشية الإسلامية» والإسلام كما هو بذاته؟
ـ من المؤكد أن «الإسلام المتشدد» قد أعلن الحرب على الغرب . أما هتلر وبن لادن فهما متشابهان إلى حد كبير وذلك في سياق أن ما حدث في أوروبا وفي العالم كان مكتوبا قبل هتلر . والآن تكفي قراءة بعض إعلانات بن لادن على مواقعه على الانترنت حتى يدرك المرء ما يصبون إليه. وهناك الكثير من الأمثلة على تشددهم.
* لكن من الممكن تحقيق ذلك الهدف عن طريق حرب لا يبدو ممكنا كسبها...
ـ يتوجب علينا محاولة الإجابة عن سؤال إذا ما كانت الديمقراطية والإسلام متوافقين. وإذا كنا نؤمن بأنهما كذلك فإنه يتعين علينا العمل على نشر الحرية والديمقراطية . ولا ينقصنا في هذا المجال سوى أن نكون مقتنعين وعازمين على كسب المعركة، التي يمكن الفوز بها.
ترجمة : باسل أبو حمدة
عن «الميركوريو» ـ تشيلي