آليات الدراسة وأساليبها والأسس التي تقوم عليها العملية التعليمية وكيف يؤثر المنهج التعليمي على درجة تحصيل الطلبة وكيف يتباين هذا التأثير من قطر إلى آخر من القضايا التعليمية التي لا يتوقف الحديث عنها كلها تمُس الحاجة إلى تطوير التعليم في أي دولة. وفي هذا الصدد تفرد دراسة غربية تفسيرات عديدة مطولة لمفهوم المنهج التعليمي وتعريفه وأساليبه وأثره في بناء شخصية الطالب منذ الصغر، وما تبرزه المناهج الأميركية من تخلف الانسان العربي واتهامه بالتخلف.
ويتبين من تلك الدراسات الأهمية القصوى التي يجب أن تُولى لعملية وضع المناهج في جميع دول العالم والأثر السيئ الذي يمكن أن تتسبب فيه المناهج الموجهة نحو أغراض معينة، إحدى تلك الدراسات تفيد أنه يخطئ كثيراً من يظن أن المناهج تعني ما يدرسه الطلاب على مقاعد الدراسة من مواد دراسية مشمولة بكتب مدرسية توزع على الطلاب في بداية السنة الدراسية. إن مفهوم المناهج أوسع بكثير من ذلك حتى أن علماء هذا العلم لم يتفقوا على تعريف معين لها. لكن مع ذلك فهم يتفقون على أن المناهج أوسع من أن تحصر في نطاق ضيق من التعليم، حيث تشمل كل شيء يتصل بالعملية التعليمية، سواء كان ذلك الاتصال اتصالاً مباشراً أو غير مباشر، بحسب الدراسة.
وتضيف الدراسة إن مصطلح «منهج»، شأنه شأن الكثير من كلمات اللغة الإنجليزية، له معان واستخدامات مختلفة كثيرة..
وعلى الرغم من الاختصاصيين الذين يحاولون بهدف التوضيح وضع تعريف محدد لكلمة «منهج» لا يزالون غير متفقين بشكل كامل في هذا الصدد، إلا أنه اُتفق بشكل عام على أن مصطلح منهج أتى أصلا من كلمة لاتينية، لكن عندما تستخدم هذه الكلمة في التربية فإنها بلا ريب تأخذ معنى ودلالة مختلفين.
بيد أنه تبعا للصورة التقليدية التي كانت سائدة في أذهان كثير من الناس، فإن هذه الكلمة كانت تعني قائمة بالمقررات الدراسية التي يدرسها الطلاب. ولكن مع مرور الزمن ، توسع هذا التعريف متخذا عدة معان إضافية. وتوضح الدراسة أن مطوري المناهج الذين لديهم رؤية واضحة جلية لهذه المعاني المتعددة بمقدورهم أن يقوموا بنطاق أوسع من الأنشطة لتطوير المناهج والأنشطة المتعلقة أكثر من الذين تعوزهم النظرة الجلية لتعريفات المنهج المتعددة خاصة في المجالات التربوية.
وتوضح الدراسة أن المنهج في العادة يحتوي على قائمة بالأهداف العامة والخاصة له، كما أنه يحتوي على نصوص عن كيفية اختيار وتنظيم المحتوى. وينطوي المنهج ضمنيا أو صراحة على طرق تدريسية وتعليمية معينة سواء حتّم ذلك طبيعة الأهداف أم طريقة تنظيم المحتوى. وفي نهايته يكون هناك برنامج لتقييم نتائجه التعليمية.
تفيد الدراسة أنه في بداية استخدام هذا المصطلح في التعليم الأميركي، كان المنهج يعني برنامجا للدراسة. فمثلا، عندما يُطلب من الشخص العادي أن يصف منهجا ما فإنه على الأغلب سيذكر قائمة من المواد أو المقررات الدراسية، وهذا هو المفهوم الأكثر شيوعا لمصطلح المنهج التعليمي حتى الآن.
وتوضح الدراسة أن بعض التربويين يعرفون المنهج حسبما يقتضي الغرض منه، والذي هو تحسين التعليم بالدرجة الأولى. فعلى سبيل المثال، نجد أن الباحث جيمس ماكدونالد قد عرف المنهج على أنه مهام أو إجراءات مخططة أو معدة مسبقا لغرض التعليم.
بينما يرى آخرون أن مثل هذا التعريف يفيد أن المنهج هو مجرد وثيقة، وذلك لأنه من الشائع على سبيل المثال أنه عندما تقوم مجموعة كبيرة من الناس بزيارة ميدانية لمدرسة أو معهد معين، فإن بعض أعضاء هذه المجموعة ربما يرغب في الاطلاع على منهج مادة العلوم مثلا، وهو عندما يبدي هذه الرغبة فإنه يتوقع من مدير المدرسة أن يريه ورقة رسمية تشرح أو تفصل «منهج» أو برنامج مادة العلوم في تلك المدرسة.
لقد كان المنهج هاجسا لكثير من العلماء والكتّاب على مر القرون. فعلى سبيل المثال نجد أن كلا من أفلاطون (في القرن الرابع قبل الميلاد) وكومينيوس (في القرن السابع عشر) وفرويبل (في القرن التاسع عشر) قد أولوا المنهج ومشكلاته قدرا من اهتمامهم ودراستهم. لكن الدراسة المركزة المتخصصة في المنهج وجوانبه العديدة وظهور علماء متخصصين بالمنهج والنواحي المرتبطة به كل هذا لم يبدأ في الواقع إلا في القرن العشرين.
و في دراسة مرتبطة أجرتها اللجنة العربية لمكافحة التميز في أميركا على الدور الحيوي الذي تلعبه المناهج في تكوين شخصية الطفل، يتبين كيف أن المناهج التعليمية تستخدم في أحيان كثيرة كوسيلة سياسية. فقد رصدت الدراسة النقاط التالية في المناهج التعليمية الأميركية:
أولاً: ترسيخ صورة سيئة لجميع العرب والعمل على إلصاق تهم التخلف المدني بهم عن طريق إظهارهم غير قادرين على مواكبة مظاهر الحضارة الحديثة.
ثانياً: العرب عبارة عن قبائل، حيث تستولي كل قبيلة على أموال القبيلة المجاورة وتغتصب نساءها وتبيد رجالها.
ثالثاً: علاقة العرب بالصحراء والرمال وطيدة للغاية وسبب ذلك عشقهم للعيش مع الأغنام والماشية! ولأن العرب لا يحبون النظافة والاستحمام فالصحراء مناسبة لهم كي تضيع روائحهم الكريهة فيها.
وبشكل عام ترسم صورة للعالم العربي في تلك المناهج باعتباره مكانا يسافر إليه الأبطال الغربيون سعياً منهم في تحقيق مغامراتهم العاطفية على طريقة ألف ليلة وليلة، والبساط السحري وعلاء الدين. لا شك أن هذا التشويه المتعمد للحقائق من خلال المناهج التعليمية من شأنه أن يخلق أجيالا تحمل بالتبعية قدرا كبيرا من الكره للآخر، الأمر الذي يفضي إلى ما يعيشه الآن العالم من صراعات ونزاعات لا تنتهي. ومن هنا تبرز أهمية صياغة المناهج بشكل يخدم الوطن ومصالحه
حاتم حسين

