غرس طيب جسد على أرض الواقع بما لا يدع مجالا للشك مفهوم «الشراكة المجتمعية» بين القيادة العامة لشرطة دبي والمنطقة التعليمية عبر برنامجهما الواعد «التربية الأمنية» ليشكلا به وجدان النشء من أبنائنا على مقاعد الدراسة بتعزيز الانضباط السلوكي بما فيه صالحهم، بإعدادهم واعين محصنين امنيا، يتعاملون بوعي مع متطلبات عصرهم، ليقلص البرنامج بذلك نسبة التسرب من التعليم ويحد معدلات الانحراف ويجسد التفوق الدراسي ويعزز روح الانضباط السلوكي ويزيد الحس الأمني لديهم.

دورة البرنامج الأولى انطلقت في العام 1999 بمدرسة الشافعي للتعليم الأساسي في دبي وحققت نجاحا لافتا انعكس على إقبال الطلاب على الدراسة لتتطور رقعته إلى أن أصبح يغطي في الوقت الراهن مختلف المدارس الحكومية في دبي طلابا وطالبات، ما حدا بوزارة التربية والتعليم لاعتماد المشروع ضمن برامجها وتشكيل لجنة فنية لبناء وثيقة لمفاهيمه لتتضمن المناهج الدراسية للصفوف من الأول إلى الثاني عشر بالتعليم العام، وصولا لأفضل صيغة، إما بتدريس التربية الأمنية كوحدة مستقلة، أو تضمينها وتشريبها المناهج، معتقدين أن استقلاليتها أفضل بمختلف المقاييس، ما يدعو الطلبة للاهتمام بمادتها وأنشطتها وبرامجها وأبحاثها بدرجات مرصودة، قناعة بتطبيقها.

العميد الدكتور جمال محمد خليفة المري نائب القائد العام لشرطة دبي قال إن الدعم القيادي للبرنامج واضح وبشكل كبير منذ انطلاقته الأولى ويتمثل في ذلك في تعليمات القائد العام لشرطة دبي للإعداد للبرنامج وتشكيل مختلف لجانه التنفيذية وتفعيله بما يتماشى مع الأهداف السامية المبتغاة منه والكامنة في تحصين النشء وإعداد جيل قادر على التعامل مع مختلف الظروف الحياتية واتخاذ القرارات الذاتية التي تجنبه كثيرا من المخاطر كعدم الانسياق والانجراف وراء الشعارات المضللة والخادعة وعدم الانقياد لرفاق السوء وتحصينه ذاتيا من الممارسات المهلكة والتي تبدأ من التجاوزات البسيطة وتتطور لممارسات خاطئة كالتدخين وغيره وتنتهي بنتائج فادحة، لافتا إلى أن البرنامج صمم لحماية النشء لاسيما من في مرحلة الدراسة من خلال إكسابهم المهارات الذاتية والمعرفة الأولية الكفيلة بتحقيق حمايتهم من هذه الأخطار، وفي نفس الوقت إكسابهم وتنمية ما لديهم من جوانب متعلقة بالتنظيم لمختلف الالتزامات والبرامج وتنظيم حياتهم اليومية ورفع مستوى المعرفة المتعلقة بالاحترام والتقدير.

نتائج ومعطيات

نتائج البرنامج ومعطياته المرحلية يجدها نائب القائد العام لشرطة دبي تسير وفق الخطة الاستراتيجية المرسومة من قبل اللجنة العليا المشرفة عليه، مشيرا إلى أن ما نلمسه اليوم من نتائج يكمن في الطالب نفسه أو المحيط المدرسي أو إطاره العائلي وانعكاس ذلك على المستوى الذاتي من حيث النظام والمعرفة والتحصيل العلمي المتنامي واختفاء بعض الظواهر التي كانت تعاني منها المدارس وبنسبة كبيرة كالتسيب والتسرب وعدم استشعار المسؤولية وتم علاجها.

وصار الطالب يشعر بالانتماء وما سيكون عليه مستقبلا، ناهيك عن تأثير عناصر البرنامج على سلوكيات المستهدفين وحرصهم على ترتيب الشؤون الخاصة والالتزام بالمواعيد المدرسية والتجاوب بشكل كبير مع ما يطلبه الوالد من مهام ، إلى جانب انخفاض بعض المسلكيات الخاطئة وجرائم الأحداث ن معتبرا ذلك مؤشرات ايجابية تعد حافزا لبذل الجهد ومضاعفة العمل.

وعلى صعيد التوسع الذاتي للبرنامج أشار الدكتور المر إلى الاهتمام اللافت من مختلف الجهات المعنية بتربية النشء مشددا على أن الانطلاقة الحالية ستكون بشكل اكبر لاسيما بعد اعتماد البرنامج في وزارة التربية والتعليم وتضمينه مناهجها ما أعطاه نقلة نوعية على المستويين المحلي والدولي.

والقائمون عليه على قناعة تامة بانه قابل للتطبيق في مختلف المراحل التعليمية بمختلف الدول فهو بحسب قوله مرن قابل للغير بما يتناسب مع بيئته لتحقيق أهدافه المنشودة، موضحا أن القيادة العامة لشرطة دبي حريصة على توفير كل الدعم للبرنامج وتتركه مفتوحا لمختلف الجهات للاستفادة منه، والبرنامج بما يتضمنه من آليات وفرق عمل وتحليلات وتجارب تطبيقية كفيل بتطوير نفسه.

واعتبر الدكتور خطوة وزارة التربية بتضمين البرنامج مناهجها نقلة نوعية للتوسع فيه مؤكدا انه نظرة ثاقبة للحفاظ على منجزات الدولة، ملاحظا اهتمام المملكة العربية السعودية ومنظمات ومؤسسات دولية بفعاليات البرنامج وآلية عمله.

نجاحات ملموسة

ولفت الدكتور محمد مراد عبدالله المنسق العام للبرنامج رئيس لجنة وزارة التربية لإعداد وثيقة التربية الأمنية إلى ان البرنامج حقق نجاحات ملموسة فاقت التوقعات منها: زيادة الانضباط داخل المحيط المدرسي وتقليل نسبة التسرب الدراسي وتقليص المشكلات الدراسية وغير ذلك ما يعكس التوقعات المأمولة منه

مشيرا إلى أن دور اللجنة التي شكلتها وزارة التربية والتعليم يكمن في إعداد الوثيقة متضمنة الجوانب المتعلقة بالبرنامج لمختلف المراحل الدراسية، معربا عن أمله في تخصيص حيز للبرنامج في الجدول الدراسي بمادة مستقلة أفضل من تشريبها المواد الدراسية شريطة ألا يكون القائمون على التنفيذ معلمين تربويين بل من خلال مدربين متخصصين في المجال الأمني.

النقيب منصور القرقاوي مدير إدارة المعلومات والمعرفة بشرطة دبي وأحد المحاضرين في برنامج التربية الأمنية قال: كان لي شرف أن أكون من بين الدفعة الأولى من المحاضرين الذين تولوا إلقاء المحاضرات في برنامج التربية الأمنية منذ انطلاقته إلى الآن، مشيرا إلى انه لمس تطورا كبيرا في علاقة الطالب بضابط الشرطة وشغفه اللافت بالعمل الأمني، ملاحظا زيادته يوما بعد يوم ونموه في كل محاضرة نقوم بإلقائها ما خلق جوا من الألفة والمحبة فيما بيننا والطلاب، لافتا إلى أن الصورة الذهنية التي كانت مطبوعة في ذهن الطالب قد تغيرت بعد تطبيق البرنامج ولمسنا حبهم للتدريب العسكري ما عكس انضباطهم بعد كل جرعة تدريبية.

واستطرد قائلا: يمكن أن ننظر لهذه المتغيرات في السلوك من واقع الاستبانات التي وزعت على أولياء الأمور حيث تم قياس هذه النتائج والتغيرات بصورة مستمرة وجاءت النتائج مبشرة وايجابية إلى حد كبير، مشيرا إلى انه مع تطبيق البرنامج كمادة ضمن المنهاج التعليمي بدرجات تدخل في احتساب المعدل النهائي للطلاب ليعطيها ذلك اهتماما اكبر من المستهدفين، كم اننا سنتجنب بهذا التطبيق إشكالية تأثير البرنامج على بقية المقررات الدراسية من حيث نصيب كل مقرر من الساعات الدراسية الأسبوعية لأنه حال اعتماد البرنامج كمقرر دراسي سيعاد توزيع هذه الساعات وفق ما تراه الجهات المختصة في وزارة التربية والتعليم مناسبا للطلاب، آملا أن يرى هذا البرنامج الطموح مطبقا على مختلف المناطق التعليمية بالدولة وتعم فائدته.

وشاطر الرأي النقيب المحاضر في مدرسة السعيدية للتعليم الأساسي في دبي سامي العوضي ملاحظا اهتمام الطلاب الواضح بالمواد الخاصة بالبرنامج وتغير سلوكهم وانضباطهم داخل قاعات الدراسة، موضحا أن تضمين مواد البرنامج المناهج الدراسية إلى جانب مواد النشاط الأخرى سوف يثري العملية التعليمية ويعكس اهتماما أكبر بالبرنامج، بحيث تكون مواد البرنامج كغيرها من المواد ويتم امتحان الطلاب في نهاية كل فصل.

سد فجوة النواقص التربوية الأمنية ضرورة

بطي الفلاسي مدير إدارة الإعلام الأمني عضو اللجنة التنفيذية لبرنامج التربية الأمنية قال إن البرامج التي تطرحها المؤسسات الشرطية لاسيما شرطة دبي التي أعلنت نفسها شرطة مجتمعية من مفهوم أن تحقيق الأمن لن يتأتى إلا بواسطة المجتمع، فتلك البرامج أصبحت ضرورة وليست شكلا، معتقدا أن «التربية الأمنية» مشروع مجتمعي تقع مسؤوليته على مختلف قطاعات المجتمع مشددا على ضرورة أن تتعدى المفاهيم الأمنية أسوار المؤسسة الأمنية وتحتك بالحياة اليومية واحتياجات الناس الملحة خاصة ما يتعلق بإحدى ضرورات الحياة وهي الأمن.

وطالب الفلاسي وسائل الإعلام بتفعيل دورها في دعم مثل هذه البرامج ومفاهيمها، مشيرا إلى أن واقع التعليم يحتاج إلى سد فجوة النواقص التربوية الأمنية لأن الأمن لابد أن يتأسس تربويا شأنه شأن العلم، وألا تترك الأسرة في خضم التحولات المجتمعية التي تؤثر على النشء ومن الضرورة وقفة لمؤسسات المجتمع.

ملف أعده ـ يحيى عطية