يؤكد الأمين العام المساعد للأمم المتحدة آد ميلكيرت في هذه المقابلة التي أجرتها معه أخيراً صحيفة ( كلارين ) الأرجنتينية أنه يتعين على الهيئات الدولية والحكومات ومنظمات المجتمع المدني أن تعمل سويا لسد الثغرة الهائلة على صعيد ظاهرة غياب المساواة التي تشكل أحد الأسباب الرئيسية لعدم الاستقرار والعنف. وفيما يلي نص المقابلة:

* تشكلت الأمم المتحدة كمنظمة جامعة للدول، لكن ما التغيير أو التغييرات من حيث المفهوم التي يتطلبها وجود منظمات المجتمع المدني في كنفها؟

- يعزى التغيير الرئيسي إلى تنامي إمكانية حصول المزيد من الناس على مزيد من فرص التعليم والمعلومات وتقنيات المعلومات ووسائل الاتصال والتواصل، التي جعلت بإمكان المنظمات الحكومية أن تعبر عن نفسها بطريقة أشد قوة وعلى نطاق جغرافي أوسع، وراح ذلك يحدث تحولا في العلاقات الدولية كما تم تصورها في خمسينات وستينات وسبعينات القرن الماضي.

وكنتيجة لهذا التغيير فلقد أصبح أصعب بكثير على جميع الدول أنت تحتكر المعلومات والإدارة والمعلومات والحوار. إذ انه بات أكثر صعوبة في كل مرة الحكم من دون رأي ومشاركة هذه الموجة من التعبير عن وجهات النظر والمصالح المتنوعة لمجموع المواطنين.

* هل تنامي أهمية المجتمع المدني يعد نتاجاً لأزمة الدول أو انتشار الديمقراطية؟

ـ هناك ظاهرة كونية للاعتراف بهذه التعبيرات، لكن توجد بعد ذلك أوضاع إقليمية ووطنية متباينة الواحدة عن الأخرى. ومن الممكن في بعض الحالات أن تعبر عن نفسها كرد على أزمات حكومية، هناك حيث تفقد الدولة خواصها أو لا تتمكن من توفير الاحتياجات الأساسية للسكان.

وفي حالات أخرى يمكن أن تكون نتيجة تعبيرات الكثير من فئات المجتمع التي لا تجد تمثيلا لها في النظام السياسي التقليدي. أنا أفضل رؤية الأمر على أنه أشكال جديدة للتمثيل والعلاقة بين الحكومات والمجتمعات.

* كان من نصيبك أن تلعب دورا في البنك الدولي باتجاه مساعدة بلدان أوروبا الشرقية والإتحاد السوفييتي. ماهي الخبرة التي خلصت إليها من ذلك الدور المعقد للهيئات العالمية في تلك التحولات؟

ـ أعتقد في المقام الأول أن سقوط جدار برلين كان مهما جدا بالنسبة للناس في هذه البلدان، ناهيك عن أن الإمكانية التي توفرت لأول مرة لهذه الأجيال للتعبير عن نفسها بحرية ولتبادل التجارب والاتصال والتواصل مع أجزاء أخرى من العالم والمطالبة بوضع جديد في المجتمع.

وكان هناك في الوقت نفسه عملية معقدة ومجزأة إلى حد أنه حدثت أعمال عنف وتجديد للدولة ولا سيما في منطقة البلقان. ولقد لعبت الهيئات الدولية دورا مهما جدا في دعم هذا الجهد الهادف إلى إقامة مؤسسات ديمقراطية. لكن السبب الرئيسي الذي يمكن من خلاله فهم تطور هذه البلدان في التسعينات يكمن في محرك الحريات عموما وحرية التعبير على وجه الخصوص، التي حفزت أساليب جديدة للمشاركة ولتنظيم المصالح ومساءلة السلطات.

* خلال العقد الماضي بدت الهيئات الدولية وكأنها تتدخل على أساس مبدأ (العصا والجزرة): بينما كانت الهيئات الائتمانية تفرض وصفات لضبط وإصلاح وتقييد الإنفاق ، والتي عنت مزيدا من الفقر والإقصاء وعدم المساواة ، فإن هيئات تعاون أخرى كانت تحذر من عواقبها . ألم يتخلل هذه المسيرة شيء من عدم التماسك والثبات؟

ـ أنا أمثل الأمم المتحدة بطريقة يتعين علي من خلالها أن أكون حذرا في الإدلاء بآراء تصنيفية جدا حول من فعل ماذا في التسعينات. لكن من الواضح أن الأمم المتحدة لم تكن طرفا فيما يتعلق بالمشورة الاقتصادية التي وجهت الحكومة الأرجنتينية في التسعينات.

وكان هناك ، في الوقت نفسه، اعتراف حتى في صندوق النقد الدولي بأن جانبا من المشورة كان خاطئا. أما فيما يخص الأمم المتحدة فإني أعتقد أن أجندة التنمية البشرية كانت دائما عنصرا أساسيا في برامجها المتعاقبة.

* أصبحنا في النصف الثاني من العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ما هي برأيك حصيلة أهداف تطور الألفية؟

ـ أعتقد أنه تحت قيادة كوفي عنان، أطلقت الأمم المتحدة مبادرة حاسمة فاتحة الباب أمام أهداف الألفية، مع توضيح أن التنمية البشرية يجب أن يكون في قلب مهمة المنظمة. إنه تعهد فريد من نوعه تبنته في عام 2000 الدول الأعضاء،

لأنها المرة الأولى التي تتفق فيها على سلسلة من الخطوات القابلة للقياس، الأمر الذي يطالب الجميع ـ المجتمع المدني والسياسيين ووسائل الإعلام ـ بأن يقدموا حسابات للموارد وطريقة الحكم. وبعد مضي خمس سنوات أي في سبتمبر 2005 تم تعديل ذلك التعهد بإقرار أجندة عالمية خاصة بالتنمية.

* ما الدور الذي سيقع على عاتق الأمين العالم الجديد؟

- أعتقد أننا نمر في مرحلة حاسمة بالنسبة لمستقبل الهيئات الدولية. وكوفي عنان يترك تركة كبيرة ووظيفة حرجة للأمين العام الجديد : الحفاظ على هذا الدفق وأن يكون دقيقا جدا ساعة تقويم أية إنجازات تحققها الدول ومعرفة الثغرات و احتياجات البلدان لكي يتم دعمها من قبل المانحين،

حيث يرحب وإلى حد كبير بزيادة المساعدة لأغراض التنمية من جانب سلسلة من البلدان الأوروبية ، التي ستتبعها بلدان أخرى، وفي الوقت نفسه فإنه يتعين على الحكومات تبني السياسات الملائمة، الأمر الذي يعني الاستثمار في التنمية البشرية والتعليم والصحة والمياه والخدمات الصحية ومنع الفساد وإيجاد ظروف مناسبة للاستثمار الخاص . وأعتقد في هذا السياق أن العالم يتوحد للمرة الأولى بهذا الشكل وبالاتجاه نفسه.

* مع ذلك، ألا تفرض الأجندة الأمنية قطع الموارد عن التنمية البشرية وزيادة النفقات العسكرية؟

ـ إذا ألقينا نظرة على المجتمع ، نجد أن هناك توزيعا أكثر إنصافا للموارد والمداخيل التي تخص الأجزاء الأكثر سلمية والأفضل تنظيما. وهذا الأمر لا ينطبق على أميركا اللاتينية أو أوروبا فحسب وإنما على شرق آسيا أيضا حيث يقيم التطور الاقتصادي هناك قاعدة للاستقرار الاقتصادي تتعاظم تدريجيا.

وإذا ألقينا نظرة على المناطق غير المستقرة مثل العديد من بلدان افريقيا والشرق الأوسط أو في مناطق من أميركا اللاتينية والوضع الاجتماعي الذي تعيشه هذه المناطق فإننا سنجد نقصا في المؤسسات والتوزيع العادل ومنظور التوظيف وضغط كبير لظاهرة الهجرة ،

وكل ذلك يعكس مناطق لا يمكن اعتبارها بعيدة عن عدم الاستقرار، ولا مجال للشك في أن غياب سلطة الدولة التي تحظى بمصداقية وعدم إدماج الأطفال والمراهقين عن طريق التعليم وإقصاء الفتية والراشدين عن الوظائف

وغياب القدرة الاستيعابية وإمكانية بناء أسرة وامتلاك منظور مستقبلي هو المصدر الأكبر لغياب الأمن والأمان. ولذلك فإن التنمية البشرية هي الأسلوب الأمثل لمواجهة انعدام الأمن والأمان. وذلك يمكن تحقيقه عن طريق توزيع أفضل للثروة والفرص.

ترجمة: باسل أبو حمدة

عن ( كلارين) ـ الأرجنتين