يبحث المؤلف في هذه الحلقة ظاهرة العداء للولايات المتحدة التي لم تعد تقتصر على بعض شعوب منطقة الشرق الأوسط والشعوب الفقيرة والمستضعفة الأخرى، فقد باتت منتشرة في شتى بقاع الأرض. ويرى أن أسباب هذا العداء تعود إلى ما تمارسه الولايات المتحدة من سياسات تفتقر إلى الاهتمام بمصالح الشعوب وتسعى إلى تحقيق مكاسب كولونيالية تعيد إلى الأذهان عصر إمبراطوريات سادت ثم بادت. وبالتالي فإن مناهضة أميركا تعني الاعتراض على سياساتها وليس على كيانها وشعبها.
ويتساءل المؤلف عن المطلوب من أميركا كي تكسب ود شعوب العالم وتثبت لها جدارتها في تبوؤ الموقع القيادي في العالم ويورد بعضاً من النقاط التي يتعين عليها معالجتها كي تستعيد الثقة المفقودة ولكنه ينتقد الانتقائية في توجيه اللوم في مشاكل العالم إلى أميركا رغم وجود دول أخرى تتحمل جانباً من المسؤولية عنها. ورطة أميركا الراهنة في العراق ليست وليدة اليوم بقدر ما هي نتاج لقرارات مغلوطة قامت على أسس واهية أو موهومة بررت بها الإدارة الأميركية الحالية غزوها لبلاد الرافدين.
إن مؤلف الكتاب الذي نحلله نقديا في هذه السطور رجل لا يزايد عليه أحد - صحيح أنه ألماني الأصل، ولكنه أميركي الهوى. وصحيح أنه أستاذ جامعي وباحث أكاديمي إلا أنه يحترف أيضا مهنة الصحافة ويتعاطى في كل كتاباته مع قضايا السياسة. وإذا كان المؤلف - كما يتبدى من صفحات وفصول هذا الكتاب - يتابع بقدر لا يخفى من التفهم أو حتى التعاطف مسيرة وتطور الشأن والدور الأميركي في عالمنا - فإن الضمير العلمي لجوزيف جووف كان لابد وأن يدفعه إلى نقد السياسة الأميركية حين يكون النقد لازما ونزيها أيضا وخاصة حين يكون السياق هو قرار شن الحرب على العراق.
قرار لتأكيد الهيمنة
المؤلف يرى أن القرار الأميركي بشن الحرب افتقر إلى أي أسس منطقية أو جوهرية أو معقولة، اللهم إلا أساس واحد هو: تأكيد حقيقة الهيمنة واصطناع ساحة أو مجال (في العراق) يتيح تحقيق انتصارات وتصوير بطولات ونسج حكايات حول أمجاد.. بما يمكن أن يرضي المواطن الأميركي المجروح من أحداث سبتمبر 2001، وربما يعوضه عن آثار معاناة تلك الأحداث.
وكلها أمور تشبع بالتالي غرور المحافظين الجدد الذين سيطروا بأفكارهم الشديدة التطرف على مقاليد الأمور في واشنطن، وأطلقوا لأنفسهم وأخيلتهم وربما لعُقدهم النفسية - العنان وهم ممسكون بأعنة القطب الإمبراطوري الذي صار أوحد في عالم اليوم أو هو العملاق المنفلت كما يصفه بحق مؤلف هذا الكتاب.
ومرة أخرى يتهم المؤلف قرار حرب العراق بأنه جاء مفتقرا إلى أهم عنصر أو أخطر شرط لابد من توافره في أي قرار استراتيجي دع عنك القرار العسكري الذي يتصل بأمور الحياة والموت بالنسبة لآلاف من البشر. المؤلف بشكل مباشر يلخص اتهامه في ركن «الشرعية» الذي لم يكن متوافرا في قرار الزحف على بغداد، وهو يورد هذا التلخيص على شكل أكثر من تساؤل مطروح على الصفحتين 48 و49 من هذا الكتاب..
والتساؤلات تقول: هل اعتدى صدام حسين وقتها على الولايات المتحدة أو على أي بلد آخر؟ هل كان يؤوي في بلاده عناصر إرهابية أو كانوا يعملون باسمه؟ هل أمكن بحال من الأحوال البرهنة على تورط بغداد في أمور من هذا القبيل؟ هل كان يكدّس، أو ينوي أن يكدس أو ينتج، أسلحة نووية أو غير ذلك من أسلحة الدمار الشامل؟
إن الإجابة - كما يؤكد المؤلف - عن كل هذه الأسئلة جاءت بالنفي. وحتى السؤال المتعلق بالعقوبات التي كانت الأمم المتحدة قد فرضتها على نظام بغداد السابق (عقب حرب تحرير الكويت) لم تكن محل تحد من جانب هذا النظام. نعم كان ثمة محاولات لتجنب تلك العقوبات أو حتى لمعارضة بعضها - لكن هذا كله ما كان ليبرر من قريب أو بعيد شن الحرب على بلد بأكمله بدعوى أن نظامه الحاكم كان يعوق سير العدالة أو تطبيق الإجراءات الدولية.
في غمار هذا كله تصرفت الولايات المتحدة، فكان أن وصلت إلى ما وصفه البروفيسور كينيث والتز، ويسمونه عميد المدرسة الواقعية في السياسة الدولية بأنه «موقع الدولة الوحيدة في العالم. ولكن هذا الموقع من هذه العزلة أو التفرد لن يستقر طويلا، فالأمر يقتضي توازنا يحدث بين القوى حيث الفراغ ليس من طبائع الأمور».
من هنا ساد ويسود التوقع بأن تنهض قوى أخرى بخلاف أميركا - الإمبراطورية كي تنافس واشنطن أو تُوازن مكانتها الفريدة أو تعالج الخلل الذي ساد معادلة التوازن في السياسة العالمية الحالية. وهذا التوقع ليس من قبيل التنبؤات أو مجرد الأمنيات بقدر ما أنه صار أقرب إلى واقع الممارسة الفعلية على أرض الواقع.
صعود القوى المناوئة
في إطار هذه الممارسة يطرح مؤلفنا أفكاره في الفصل الثالث من الكتاب تحت العنوان التالي:
صعود القوى المناوئة لأميركا.
يبدأ الفصل بنماذج مستقاة من خارج عالم السياسة.. وهو ما يضفي نوعا من المصداقية على هذا الشعور من التبرم إلى حد السخط وربما الحسد بل التشفي. في القطب الأميركي - الإمبريالي كما لابد وأن نتذكر.
هكذا يبدأ الفصل الثالث بحكاية من عالم إنتاج السيارات: فعندما أعلنت شركة «جنرال موتورز» الأميركية عن تخفيض حجم العمالة بمصانعها في ألمانيا، بواقع 12 ألف وظيفة، سارعت مجلة «شتيرن» الألمانية الشهيرة (توزع مليون نسخة ويقرأها 4 ملايين نسمة)
إلى نقل الخبر على صدر غلافها مزودا بصورة حذاء البوت الشهير لراعي البقر - الكاوبوي (بوصفه رمزا لأميركا) وقد كتبت على كعب الحذاء اسم شركة جنرال موتورز وتحت الحذاء رسموا أجسام العشرات من بسطاء البشر المسحوقين أسفله ثم اختاروا لهذا كله عنوانا يقول:
- هذا هو الطريق إلى الغرب الشرس. (في إشارة بالطبع إلى شعار رعاة البقر في ولاية تكساس التي ينتمي إليها الرئيس بوش وكثرة من معاونيه).
يعلق المؤلف على هذه الواقعة قائلا:
- إن غلاف المجلة الألمانية جاء ليصور موقفا أو اتجاها مطروحا منذ زمن بعيد، ويصور أميركا على أنها خطر عميق وكأنما يستعيد مقولة الروائي الفرنسي هنري دي مونترلان (ت عام 1972) التي ردد فيها عبارة: «إنني أتهم أميركا بأنها تعيش حالة دائمة من الجريمة ضد البشرية» إضافة إلى ما يوحي به الغلاف الألماني المذكور من نظرة الآخرين (أوروبا مثلا) إلى أميركا على أنها قوة مغرورة ودولة مسيطرة
وكيان ضخم يأبى إلا أن يُخضع لسطوته وجبروته مثل هؤلاء البشر البسطاء (من العمال والموظفين) الذين يتهيأون لفقدان مصادر رزقهم ولقمة عيشهم. هذا فضلا عما يوحي به الغلاف أيضا من تداعيات السلوك (الأميركي) الخشن والعنيف (صورة الكاوبوي) الذي لا يراعي الاعتبارات الإنسانية بل لا يتورع أن يضع البشر تحت حذائه الغليظ،
فما بالك عندما يتم استدعاء مثل هذه الصور والأفكار المستكنّة في وجدان وأفئدة مثقفي أوروبا وساعتها لن يتورعوا - يضيف مؤلفنا - عن استدعاء مقولة داهية السياسة الفرنسي القديم تاليران حين وصف أميركا منذ القرن التاسع عشر قائلا: لديهم 32 عقيدة دينية لكن لا يملكون سوى صنف واحد من الطعام(!)
بعدها يجمل مؤلفنا محصلة مثل هذه الإيحاءات والاستدعاءات قائلا: إن مجمل هذه المحصلة تجسده محاولة تأكيد هذه النظرة المناهضة للأميركيين التي تنطلق منها الذهنية الأوروبية على أساس أنهم قوم لا يتورعون عن أي شيء في سبيل الحصول على الدولار. وأنهم جعلوا من المكسب ربّا يعبدونه ومن أجل هذا الربح المعبود يمكن أن يتخلوا عن أصول اللياقة ويضحوا بالعدل والإنصاف داخل صفوف المجتمع.
محاولة للإنصاف
على الجانب الآخر من المعادلة. يحاول المؤلف أن ينصف جنرال موتورز نفسها ويوضح أن الشركة الأميركية العملاقة كانت تعاني خسائر في السوق الألمانية فيما حققت في الفترة نفسها من عام (2004) مكاسب وأرباحا لا يستهان بها في أسواق الشرق الأوسط وداخل الولايات المتحدة ذاتها. ومن ثم كان تخفيض حجم العمالة أمرا تقتضيه أصول الإدارة العلمية السليمة ولم يكن يصدر عن روح معادية للإنسانية من قريب أو بعيد.
ورغم موضوعية هذه المرافعة وقد طرحها المؤلف بالأرقام، إلا أن القضية المحورية هنا لا تتعلق بسلوك شركة سيارات ولا حتى بغلاف نشرته مجلة شهيرة، بل القضية تتصل في الأساس بالرواسب الكامنة، المستكنة في العقل الجماعي الأوروبي إزاء السلوكيات الإمبراطورية من جانب ابن العم الثري العفيّ في أميركا تجاه أقاربه الأوروبيين الأكبر سنا وربما الأقل ثراء والأدنى بحبوحة ولكن الأرسخ في مضمار الأعراف والتقاليد.
هنا ينقلنا المؤلف إلى مستوى أهم من التحليل: صحيح أن ثمة مواقف مناهضة لأميركا موجودة وفاعلة في أوروبا. وصحيح أن هناك من استطلاعات الرأي التي تجريها أهم مراكز البحوث (مركز بيو مثلا) ما يؤكد هذه الاتجاهات المناهضة.. لكن يظل سؤال المؤلف مطروحا بمنطق وجيه: هل تتعلق المسألة بمناهضة أميركا في مجموعها؟
وإجابة المؤلف هي: أن ما حرصت مراكز البحوث على استطلاعه هو الرأي والمواقف إزاء سياسة أميركا على وجه الخصوص. وفي هذا السياق جاء حكم الجماهير المفحوصة أو المستجيبة للاستطلاعات في غير صالح أميركا - السياسة، وليس أميركا - الكيان أو البشر أو الناس (دع عنك أميركا - التطور العلمي والابتكار الفكري والعطاء التكنولوجي).
وفي كل حال جاء حكم الرفض أو المناهضة أو حتى الإدانة ليغطي 6 مجالات أساسية مازالت محل انتقاد شديد داخل أميركا وغيرها وهذه المجالات الستة هي:
(1) التصدي للإرهاب الدولي.. (2) معالجة مشكلة التسخن الكوكبي أو الاحتباس الحراري (3) حل الصراع العربي - الإسرائيلي، (4) الحرب في أفغانستان، (5) جبهة العراق، (6) العلاقات مع أوروبا.
ماذا عن العالم الإسلامي؟
المشكلة هنا هي الانتقائية كما يتصور مؤلف الكتاب بمعنى أن هناك من يصرف النظر عن سائر المشاكل والنكبات الأخرى وسوء السلوك العالمي (دور الصين في التبت ودور الروس في الشيشان والمشاكل - الصراعات العنصرية في أفريقيا وغيرها) ولا يتوقف بالنقد أو الرفض أو التنديد سوى عند أميركا وسلوكياتها وسياساتها.
والمغالطة التي نلمحها هنا في دعوى المؤلف مؤداها أن كلا من الأمثلة السابقة مدانة بمقياس العرف الإنساني والقانون الدولي ولكن التركيز على أميركا يرجع إلى دورها المهيمن وإمساكها حاليا بمقاليد الأمور في عالم اليوم. وإذا كان ساسة أميركا ذاتهم قد وصفوا بلدهم بأنه «بلد الضرورة - القصوى الذي لا يمكن الاستغناء عنه (تعبير الرئيس كلينتون وإدارته)
وإذا كانت أميركا تعتز بأن ثقافتها، أو فلنقل أساليب حياتها وأنماط استهلاكها، قد أصبحت أو كادت تصبح نمطا عالميا وربما كوكبيا بصورة أو بأخرى - فإن التركيز على واشنطن وطروحاتها ومخططاتها وتصرفاتها يصبح أمرا منطقيا حيث الكبير كبير بمكانته بقدر ما أنه كبير أيضا بأخطائه وسلبياته..
والمشكلة أنه إذ ينعم ماديا ومعنويا بهذه المكانة فإن الأخطاء من ناحيته تصبح جسيمة والسلبيات تصبح أكثر من فادحة، وهذه مشكلة العالم الذي نعيش فيه.هناك ينقل المؤلف زاوية معالجته لموضوع مناهضة أميركا أو كراهية سياستها إلى ساحة مهمة بالنسبة له ولهم ولنا، وهي ساحة العالم الإسلامي (ص77).
هنالك أيضا يحيل المؤلف إلى عدة آراء صدرت ونشرت في وسائل الإعلام وتعكس في مجموعها موقفا مناوئا لسياسة الولايات المتحدة والنهج الذي تتبعه في مضمار العلاقات الدولية. ويمكن تلخيص هذه الآراء الصادرة في العالمين العربي والإسلامي على النحو التالي:
يدين الأميركيون جرائم الإبادة الجماعية وهذه إدانة لها ما يبررها، لكنهم ينسون ما يحفل به تاريخهم شخصيا من ارتكاب نفس الجرائم بحق الشعوب الأصلية التي كانت تسكن أرض العالم الجديد قبل أن يكتشفه الرواد الأوروبيون.
مازالت أميركا تحفل بأنماط من التمييز العرقي والتفرقة العنصرية بحق شعوب شتى، ما بين ذوي الأصل الأفريقي وذوي الأصول المنحدرة من أميركا اللاتينية.. وذوي الأصول اليابانية (خلال الحرب العالمية الثانية) ناهيك عن تاريخ العبودية الذي عاشته وكرسته أجيال سبقت من الأميركيين وحتى الثلث الأخير من القرن التاسع عشر.
على أميركا أن تغادر أرض العراق وتعتذر لشعبه عما سببته من مقتل أكثر من مليون نسمة من أبنائه وخاصة بعد فرض حصار اقتصادي جائر وغير شرعي ثم حرب كولونيالية اندلعت لأسباب غير مشروعة وشكلت جريمة نكراء(ص78).
وسائل الإعلام
هناك أيضا من وسائل الإعلام الناطقة بالعربية ما يصور أميركا - الطامعة في البترول العربي، وأميركا - الحاضنة والمؤيدة على طول الخط لإسرائيل. بيد أن الأمر لا يقتصر، كما يوضح الكتاب، على أقطار العرب أو المسلمين: إن الأمر يتسع إلى أوروبا التي مابرحت الوسائل الإعلامية على صعيدها تنشر
وتروج صورا نمطية وقوالب جامدة مناهضة لأميركا ما بين إحراق أعلامها.. إلى التنديد الأوروبي بنزعتها النيو-إمبريالية إلى المقارنة بين تصرفات المخابرات المركزية (سي. آي. إيه) وبين وساوس الشيطان إلى تكريس صورة «هاري القبيح» وهي صورة اليانكي الأميركي خشن الطباع جاف السلوك..
متعجرفا ومفتقرا إلى تراث عريق لا من الثقافة ولا من الأخلاق.. الخ: في فرنسا مثلا يقرنون بين الأميركيين وبين ثلاثة أوضاع أو مفاهيم سلبية هي: القوة (المفرطة) + العنف + اللامساواة. ويضيفون إلى هذا الثالوث أيضا نزعة الإمبريالية بمعنى التوسع والسيطرة والهيمنة ورغبة التسّيد على الآخرين.
أما في ألمانيا فها هو مستشارها السابق هيلموت شميدت ينعي على أميركا أنها بلد يحرم المحتاجين من الخدمات الاجتماعية اللازمة ومنها مثلا خدمات الضمان وخدمات التأمين الصحي وما إليها.
وفي انجلترا نفسها (وهي الأقرب في أوروبا إلى قلب أميركا وسياساتها) يقول الكاتب الإنجليزي أ.ويلسون: الأميركيون هم أشرس دعاة نشر الرأسمالية في طول العالم وعرضه. لقد عقدوا العزم بغير هوادة على أن يضم كل بلد على ظهر الأرض مطاعم الشطائر السريعة ومشارب القهوة الجاهزة.
نلاحظ في هذا السياق كيف يسهب المؤلف في تفصيل وتشريح هذه النزعة المناهضة للولايات المتحدة عند أبناء العمومة في أوروبا الغربية، وهي نزعة تجمع بين التنديد بالأرقام والتذكير بمساوئ التاريخ والسخرية بالكاريكاتور والنكات المتواترة،
نزعة لم ينج منها رؤساء أميركا أنفسهم لدرجة أن يكتب المؤلف تحت عنوان القصور الثقافي في أميركا (ص85) قائلا: باستثناء جون كنيدي فإن أميركا لا تختار (في نظر أوروبا) سوى رجال قاصرين ذهنيا أو معيبين أخلاقيا إلى منصب الرئاسة الأولى.
وربما كان هذا يصدق بالذات على الرئيس الحالي جورج بوش.. يضيف المؤلف قائلا (ص85): من البرتغال إلى بولندا، رسموا جورج دبليو بوش وهو خريج جامعة بيل (المرموقة) في صورة تجمع في ظلالها بين القماءة والأمية وسلوك الكاوبوي لدرجة قالوا معها: أنه قائد سياسي يعجز أحيانا عن تكوين جملة مفيدة.
وقد انتقلت هذه الصورة الساخرة لتصف أعضاء الكونجرس من نواب وشيوخ فكان أن انتشرت مقولات متواترة ومنها مثلا: أن 80 في المائة فقط من أعضاء مجلس النواب الأميركي هم الذين يحملون جوازات سفر.
والتلميح، أو فلنقل الغمز واللمز هنا، يشير إلى أن معظم هؤلاء النواب لم يسافروا إلى خارج بلادهم وبالتالي فإن هذا «المُعظم» من البرلمانيين الأميركيين لا يدري شيئا عن العالم الخارجي ولا يعنيه في قليل أو كثير أمر السياسة الخارجية أو علاقات الدول.
ومع ذلك فها هم يتصدون لتقرير مصائر عالم مسكين أُلقيت مقاليده بمصادفة تاريخية تعيسة في أيدي عملاق أميركي.. يقود العالم من دون أن يدري معظم نوابه عن أمور هذا العالم شيئا يذكر. هنا أيضا يستخدم مؤلف كتابنا حاسته الصحفية ليرصد مدى انتشار
مثل هذه المقولات، لا في الصحف المطبوعة ولا حتى على شبكات الإذاعات المرئية أو المسموعة فحسب، إنه يرصدها وقد سرت مسرى البرق على أثير شبكات المعلومات الالكترونية الحاسوبية حيث أوصلتها غوغل وأخواتها إلى كل فجّ عميق وغير عميق من خارج الكرة الأرضية.
بنفس القدر يستخدم المؤلف أيضا تدريبه الأكاديمي ليؤكد لقارئ الكتاب أن هذه الأقوال مازالت في حكم الأقاويل المرسلة حيث لا مصدر تحيل إليه ولا مرجع موثوق يسندها. وعليه فإن حكاية جوازات سفر أغلبية أعضاء الكونجرس مازالت مجرد خرافة موهومة لا سند لها من الواقع،
رغم أنها انتشرت وذاعت في إطار ما سبق من تصوير جهل رئيس الجمهورية ذاته بما يدور في العالم. بعد هذا كله. يتجلى السؤال: إلى متى تستمر هذه الموجة من مناهضة أميركا سواء في أوروبا أو غيرها؟ وهل لهذه الصورة المناهضة وجه آخر؟
عرض ومناقشة: محمد الخولي



