تثير عمليات القتل الأخيرة التي وقعت في روسيا تساؤلات مقلقة بشأن سيادة القانون في ذلك البلد. هذه الحوادث الثلاث غير مرتبطة ببعضها ولكن هذا لا يعني أنها عمليات قتل عشوائية، فالتحقيقات ستسبر غور الزوايا القاتمة نفسها حيث تتداخل التأثيرات السياسية والاقتصادية. إن تحقيق الحلم الروسي الحديث باستعادة موقعها الصحيح على المسرح العالمي قد يعتمد إلى درجة كبيرة على ما إذا كانت تلك التحقيقات ستنجح في الكشف عن القتلة ومعاقبتهم هم ومن استخدموهم.
وقد أودت الجريمة الأولى بحياة أندريه كوزلوف، النائب الأول لرئيس البنك المركزي الروسي الذي تم اغتياله في 14 سبتمبر الماضي عندما دخل إلى سيارته بعد مباراة لكرة القدم. وكان يُعتقد على نطاق واسع بأن كوزلوف كان مستهدفاً وذلك نتيجة لجهوده في محاربة الفساد في الصناعة المصرفية الروسية. فقد أغلق عدداً من المصارف لها علاقة بغسيل الأموال ونشاطات غير قانونية أخرى ما أدى إلى إطلاق الرصاص عليه في الطرقات بسبب مشكلته.
استهدفت جريمة القتل الأخرى إنفير زيجانشين الذي قتل في الحمام البخاري بمنزله في 30 سبتمبر في إيركوتسك. كان زيجانشين كبير المهندسين لدى شركة روسيا بتروليوم، وهي شركة مملوكة جزئياً لشركة بريتيش بتروليوم «بي بي» والتي تقوم بتطوير مشروع بقيمة 18 مليار دولار في حقول كوفيتا للغاز الطبيعي، وهي اكتشاف كبير أشارت التقديرات إلى أنه يحتوي على 2 تريليون متر مكعب من الغاز. وقد حدثت الجريمة بعد أقل من أسبوع من إعلان وزارة الموارد الطبيعية عن نيتها مراجعة رخصة شركة روسيا بتروليوم، متحدية التزامها بالقوانين البيئية وما إذا كانت ستستخرج الغاز في الوقت المحدد. في الوقت نفسه، تعرضت الشركة لضغط من غازبروم، الشركة التي تحتكر الغاز الروسي، وروزنفت وهي شركة نفط تدعمها الحكومة، وكلاهما عبرتا عن اهتمامهما بالسيطرة على المشروع.
أما جريمة القتل الثالثة فقد حدثت في 7 أكتوبر، عندما تم العثور على جثة الصحافية الروسية الشهيرة آنا بوليتكوفسكايا مقتولة بالرصاص في مدخل البناية التي تقيم فيها في موسكو. وكانت بوليتكوفسكايا صحافية حائزة على جوائز عدة وناقدة لاذعة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وقد اشتهر عنها التحقيق الجريء الذي أجرته حول انتهاكات حقوق الإنسان في الحرب الشيشانية. كانت بوليتكوفسكايا على علم بالمخاطر التي تواجهها. فقد تم دس السم لها عام 2004 عندما سافرت إلى بيسلان، حيث احتجز المسلحون الشيشان رهائن في إحدى المدارس، وأدت محاولة إنقاذهم غير المتقنة إلى مقتل 300 شخص، معظمهم من تلاميذ المدرسة.
بينما لا يوجد شيء يربط الهجمات الثلاث، فإن جميعها قد وقعت في رابطة النفوذ السياسي والاقتصادي. يُعتقد أن مقتل كوزلوف يعود سببه إلى تحديه الصلات بين جماعات الجريمة المنظمة والنظام المصرفي الذي سمح لهم بغسيل مكاسبهم غير المشروعة. كان مقتل زيجانشين يعد إشارة إلى أن عملاق غازبروم لن يتحداه أحد في عرينه وسيحتفظ الروس بسيطرتهم على الموارد الطبيعية الثمينة لبلدهم. كانت بوليتكوفسكايا معارضاً معروفاً لحكومة بوتين وسياساتها في الشيشان. وبكلمات أخرى، فإن عناصر تركيبة السلطة الروسية كانت مهتمة برؤية كل فرد من هؤلاء الأفراد وقد تم التخلص منه.
وقد فرض يوري تشايكا، المدعي العام لروسيا، إدراكاً منه للمخاطر الكامنة هنا، سيطرة شخصية على التحقيقات في مقتل بوليتكوفسكايا والمصرفي كوزلوف. وحيث إن جريمة قتل زيجانشين وقعت في ايركوتسك، فإن مكتب المدعي العام هناك سيتولى القضية. إن مقتل شخصيات بارزة في وضح النهار يعد وصمة عار بشعة تسيء لصورة روسيا الحديثة والقوية التي يحاول بوتين ومناصروه دفعها إلى العالم. وبينما تظل هوية من أمر بجرائم القتل هذه غير واضحة، فإن هناك شكوكا تدور على نطاق واسع حول ما إذا كان المدعون العامون سيبدون رغبة وقدرة على قيادة التحقيقات إلى نتائجها الصحيحة. والمخاوف التي أثارتها جرائم القتل الثلاث في مجتمع الأعمال تبعث على الإزعاج بدرجة مأساوية، يبدو وكأن المصالح الاقتصادية والتجارية القوية ليس لديها اهتمام بحل خلافاتها في المحاكم أو السوق: فهي تفضل الرصاص على المفاوضات.
بينما تعتبر هذه قضية روسية داخلية محضة، فإنه يتعين على بقية دول العالم التعبير عن قلقها. فمقتل 12 صحافياً على امتداد 6 أعوام ـ وعدم فك طلاسم جرائم القتل بعد ـ يعد إهانة صريحة لوسائل الإعلام الحرة التي تتمتع بالاستقلالية، ومحاولة لإسكات صوت ناقد في المجتمع الروسي. إن ما تحتاجه روسيا اليوم هو صحافة فعالة ومعبرة للكشف عن العقد المتشابكة في السلطة الرسمية والنفوذ غير القانوني. كان مقتل آنا بوليتكوفسكايا أكثر من مجرد ضربة أصابت شخصاً بعينه، بل كانت محاولة لإعادة تعيير توازن القوى في روسيا. إن مرتكبي هذه الجرائم لن يسمح لهم بأن ينجحوا في أفعالهم. وبالتأكيد، فإن حل هذه الجرائم يعد أحد أصدق الاختبارات لبوتين ورؤيته الحقيقية لبلاده.
ترجمة: كوثر علي
عن «جابان تايمز»