تمثل الجوانب التي يوردها كارتر في كتابه وثيقة إدانة حقيقية ليس فقط لإسرائيل وإنما كذلك للولايات المتحدة إزاء ما يكشفه من عوج يؤكد زيف الأطروحات الإسرائيلية الأميركية التي يرفع لواءها اليمين الحاكم في كل من تل أبيب وواشنطن. وأهمية هذه الشهادة أنها تعكس بحق مقولة (وشهد شاهد من أهله) فضلا عن الموقع الذي احتله كارتر في السياسة الأميركية والأهمية الرمزية التي يشكلها في الفترة الحالية.

فكارتر لا يتوانى عن أن يلقي باللوم كاملا على السياسات الإسرائيلية في الحالة المتردية التي وصلت إليها الأمور في المنطقة معتبرا أن التوتر الذي تعيشه إنما يعود في جانب منه إلى هذه السياسات. كما يوجه اللوم إلى الإدارة الأميركية الحاكمة حاليا معتبرا أن مساندتها لإسرائيل سبب الكثير مما يعتبره العالم ازديادا للإرهاب.

وبعد أن أشرنا في الحلقة السابقة إلى ما تطرق إليه كارتر بشأن النهج الإسرائيلي في التعامل مع الفلسطينيين في الأراضي المحتلة يعرج كارتر على وجه آخر من أوجه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وهو المتعلق بالأسرى الفلسطينيين الذين يعانون الأمرين في سجون الاحتلال في ظل معاملة تنتهك القوانين والأعراف الدولية.

يشير كارتر في كتابه إلى أن منظمات حقوق الإنسان الدولية تقدر عدد الفلسطينيين الذين دخلوا السجون الإسرائيلية منذ عام 1967 يتجاوز 630 ألف فلسطيني، أي ما يقدر بنحو 20 % من إجمالي الشعب الفلسطيني، ليس ذلك فحسب بل إن من بين المعتقلين نساء وأطفالا. وهنا يقول إن الأطفال في السن التي تتراوح بين 12 و 14 عاما يمكن أن تصدر بحقهم أحكاما بالسجن لمدد تصل إلى ستة أشهر.

كما ان الأطفال الذين تتجاوز أعمارهم 14 عاما يعاملون وفق القانون الإسرائيلي معاملة البالغين فيما يمثل انتهاكا للقانون الدولي. كما يشير كارتر إلى إقرار المحاكم الإسرائيلية للتعذيب كوسيلة للحصول على اعترافات من الفلسطينيين، وينتهي إلى أن كافة اوضاع المعتقلين الفلسطينيين في إسرائيل إنما تتم خارج نطاق القونين الدولية وخاصة معاهدة جنيف.

ويخرج كارتر من تناوله ذلك إلى أن دوامة العنف التي تحياها المنطقة والتي يلقي بجانب من أسبابها على إسرائيل إنما تكشف عن الآثار الكارثية لعدم التوصل إلى حل للصراع في الشرق الأوسط. فإسرائيل التي تعتبر قوة عسكرية كبيرة في المنطقة يمكنها بمساندة اميركية تدمير البنية الاقتصادية في غزة ولبنان وبغيرهما وإلحاق خسائر كبيرة بهما، غير أنه حال حدوث ذلك فإن حركات المقاومة من الممكن أن يكون لها دور وتصبح أكثر توحدا وتحظى بتأييد أكبر.

وفي ذلك يذكر استطلاعا للرأى أجراه مركز لبناني للأبحاث والمعلومات أشار إلى أنه بعد نحو ثلاثة اسابيع من العمليات الإسرائيلية في لبنان فإن نحو 87% من اللبنانيين أعلنوا مساندتهم لحزب الله في موقفه، وتتضمن هذه النسبة 80% من مسيحيي لبنان والذين ليس لديهم، حسبما يذكر كارتر، توجهات بالغة العداء تجاه اسرائيل، ويعارضون سياسيا حركات المقاومة المسلحة المسلمة.

إسرائيل مطلقة اليدين

وفي مواصلته لرحلة استعراض حقائق الموقف يشير إلى أنه على مدى خمسة أسابيع وقفت الإدارة الأميركية معارضة أي قرار فوري بوقف النار على الجبهة اللبنانية مشجعة إسرائيل على مواصلة أعمالها العدوانية. ويأبى كارتر أن يدع هذه التطورات تشغله عن القضية الأساسية على جبهة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني فيشير إلى أنه إزاء إنشغال العالم بما كان يجري على الصعيد اللبناني فإن إسرائيل كانت مطلقة اليد في غزة ما أدى إلى مقتل نحو 200 فلسطيني منهم نحو 44 طفلا فيما لم تخسر في هذه العمليات سوى ثلاثة جنود.

إن السؤال المنطقي الذي يطرحه كارتر في إطار تناوله لهذه التطورات إنما يدور حول أسباب ونتائج حرب إسرائيل على لبنان؟ في تحديده للسبب يشير إلى ما أعلنه حزب الله من مساندة الفلسطينيين في غزة وتخفيف الضغط عليهم، في مسعى للتأكيد من المؤلف على محورية حل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي. ويتساءل عمن هو الخاسر ومن هو الرابح جراء تلك العمليات؟

يجيب أنه رغم إدعاءات النصر من كلا الجانبين إلا أن الأسر اللبنانية والإسرائيلية كانت هي الخاسر الأكبر. أما على الصعيد الأميركي فقد تمت إدانة موقف ادارة بوش على موقفها جراء مساندة إسرائيل وتشجيعها على العدوان وتأخير عمليات وقف إطلاق النار. فضلا عما سبق فقد أدت الحرب، وفق رؤية كارتر، إلى تزايد شعبية حزب الله في اوساط الجماهير العربية رغم الإدانات التي نالها موقفه من النظم العربية في بدايات الحرب.

وفي محاولة لتقديم رؤية ختامية بشأن ما آلت اليه عملية السلام يشير كارتر إلى أنه منذ معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل عام 1979 سالت الكثير من الدماء دون ضرورة، كما تكررت الجهود من أجل التفاوض للوصول إلى سلام بين إسرائيل وجيرانها ولكن مصيرها كان الفشل. وعلى الرغم من انتقاد الاتفاقيات التي وقعت بين مصر وإسرائيل من قبل بعض الأطراف العربية إلا أنها تقف دليلا على أن الدبلوماسية يمكن لها أن تحقق السلام بين الخصوم.

ذكر كارتر أن هناك عقبتين أساستين تقفان في طريق السلام الدائم في الشرق الأوسط ويتمثلان في اعتقاد بعض الإسرائيليين أنهم لديهم الحق في الاستيلاء على الاراضي الفلسطينية ومحاولة تبرير ذلك بعدائية الفلسطينيين. أما العقبة الثانية فتتمثل في موقف بعض الجماعات الفلسطينية التي ترى أن رد فعلها إنما يجب أن يتم من خلال العمليات الاستشهادية.. للفوز بالآخرة، وتحقيق ما يرونه انتصارا على إسرائيل.

قمع واضطهاد

وفي المقابل فإن رد الفعل الإسرائيلي إنما يتمثل في القمع والاضطهاد، والذي يقابله من قبل المتشددين الفلسطينيين رفض الاعتراف بشرعيتها والسعي إلى تدميرها، ما يشير إلى دورة العنف واللاجدوى التي يمكن أن تدخلها قضية الصراع بين فلسطين وإسرائيل الأمر الذي يحذر منه كارتر مشيرا إلى أن دورة عدم الثقة والعنف تتواصل وجهود السلام تتبعثر، وهو ما أدى إلى ازدياد الخسائر في ظل فرض الاحتلال إجراءات قاسية.

وحسبما يذكر فإنه منذ سبتمبر 2000 حتى مارس 2006 فإن نحو 3982 فلسطينيا و1084 إسرائيليا قتلوا في الإنتفاضة الثانية، وتتضمن هذه الأرقام نحو 708 أطفال فلسطينيين و123 إسرائيليا.

وكما أوضحنا فيما سبق فقد تزايد عدد الضحايا في الأحداث الأخيرة التي وقعت في غزة ولبنان. ويعزز كل ذلك ما يراه كارتر رد الفعل العقلاني الوحيد على هذه التراجيديا المستمرة وهو إحياء العملية السلمية عبر المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين الأمر الذي يراه يصطدم بعقبة تخلي الولايات المتحدة عن بذل الجهود لتحقيقه.

ثم يتطرق إلى ما يعتبره مفاتيح أساسية لأي تسوية مستقبلية مشيرا إلى أنها تتطلب ضمان أمن إسرائيل .. فالعرب يجب أن يعترفوا بشكل واضح بأن إسرائيل حقيقة ولها الحق في أن تعيش في سلام وفي إطار حدود معترف بها وآمنة، مع التزام أكيد من قبل الدول العربية بعدم ممارسة أعمال عدائية تجاه إسرائيل.

أما الجانب الثاني فيتمثل في ضرورة حسم الجدال الداخلي في إسرائيل بشأن الحدود الدائمة لإسرائيل. وهنا يشير إلى ضرورة التزام الدولة العبرية بالقرارات الدولية التي صدرت في هذا الخصوص على أن يكون أي تعديل لتلك الحدود من خلال المفاوضات بينها وبين الفلسطينيين. وفي هذا الصدد يشير إلى قبول الفلسطينيين غير المشروط لخريطة الطريق في الوقت الذي تحفظت عليها إسرائيل بمجموعة من الشروط تفرغها من مضمونها.

ورغم تلك الصورة التي يقدمها كارتر ويراها بالغة الكآبة بشأن مستقبل العملية السلمية إلا أنه يرى مع ذلك أن هناك إشارات مشجعة من إسرائيل تتمثل في سوابق التزمت خلالها بتحقيق السلام مثل اتفاقيات كامب ديفيد والانسحاب من سيناء وكذلك ترحيل المستوطنين من غزة وهى سوابق يمكن تطبيقها مؤكدا على ضرورة انسحاب إسرائيل الفعلي من الأراضي التي احتلتها في عام 1967 وفق القرار 242 .

ومن المبادئ التي يؤكد عليها كارتر ضرورة احترام سيادة كل دول الشرق الأوسط والحدود الدولية لهذه الدول، وفي هذا الصدد يشير إلى أن الإقرار بحقوق الشعب الفلسطيني يمكن أن يجلب الاعتراف العربي بإسرائيل وحقها في العيش في سلام مع التزام عربي بالحد من أعمال العنف التي تتم من قبل المتشددين الفلسطينيين.

عقبة كأداء

على الرغم من تأكيد الرئيس الأميركي الأسبق على حق إسرائيل في العيش بسلام، فيما يبدو محاولة لطمأنة الدولة العبرية، إلا أن ذلك لا يمنعه من الإشارة إلى أنها هي ذاتها تمثل عقبة كأداء أمام السلام.. فعلى مدى أكثر من ربع قرن كانت مواقف بعض القادة الإسرائيليين على صدام مباشر مع السياسات الرسمية للولايات المتحدة والمجتمع الدولي بل ومع الاتفاقيات التي جرى التفاوض عليها.

ويقرر كارتر انه بغض النظر عن طبيعة الوضع على مستوى السلطة الفلسطينية سواء تلك التي ترأسها عرفات أو محمود عباس أو حتى تلك التي تشكل حماس الحكومة فيها فإن إسرائيل واصلت سيطرتها وإحكام قبضتها على الأراضي الفلسطينية الأمر الذي يمثل العقبة الأساسية أمام التوصل إلى اتفاقية سلام شاملة في الأرض المقدسة.

فمن اجل مواصلة احتلالها، حرمت إسرائيل المواطنين الفلسطينيين من حقوق الإنسان الأساسية. ويضيف كارتر : لا يوجد إنسان موضوعي يمكن له أن يرى الأوضاع في الضفة الغربية ويعارض مثل هذه المقولة.

يؤكد كارتر على وجود عاملين آخرين ساهما في زيادة العنف وزعزعة الاستقرار الإقليمي يأتي على رأسهما التغاضي الأميركي عن أفعال اسرائيل غير الشرعية سواء من قبل البيت الأبيض او الكونغرس على مدى السنوات الأخيرة.

وهنا يشير كارتر إلى مفارقة أنه فيما يوجد جدل كبير في إسرائيل ذاتها بشأن سياساتها في الضفة الغربية، فإن الوضع بالغ الاختلاف في الولايات المتحدة نظرا لوجود قوى مختلفة سياسية واقتصادية ودينية هناك تناصر السياسات الإسرائيلية بمختلف السبل،

وهو ما يؤدي إلى أنه نادرا ما يتم مناقشة هذه السياسات على المستوى الأميركي على نحو انتقادي أو توجيه اللوم إليها، هذا فضلا عن أن الأصوات التي تصدر من القدس تسيطر على وسائل الإعلام الأميركية، وقد أفرز هذا الوضع حالة غريبة مؤداها أن غالبية المواطنين الأميركيين ليسوا على دراية كافية بما يدور في الأراضي المحتلة.

ومن المفارقات التي يشير إليها كارتر أن القادة السياسيين ووسائل الإعلام في أوروبا ينتقدون بشدة السياسات الإسرائيلية، ويدلل على ذلك بالدهشة التي أصابت الولايات المتحدة جراء استطلاع للرأي أجرته صحيفة هيرالد تربيون في أكتوبر 2003 وشمل 7500 شخص من 15 دولة أوروبية أشار إلى أن إسرائيل تعتبر من وجهة نظرهم أكبر خطر على السلام العالمي متقدمة على كوريا الشمالية وإيران وأفغانستان.

وفيما يمثل إدانة صريحة للسياسات الأميركية التي تمارس بشأن إسرائيل يذكر كارتر أن بلاده استخدمت الفيتو على قرارات مجلس الأمن الدولي أكثر من 40 مرة للحيلولة دون صدور قرارات تدين إسرائيل، ويشير إلى أنه في بعض الحالات فإن تصويت الولايات المتحدة بالفيتو أضر بمصداقية الولايات المتحدة، معتبرا أن غياب الرغبة في بذل جهد كبير من أجل حل المشكلة الفلسطينية إنما يمثل عاملا رئيسيا من أسباب مشاعر الكراهية للولايات المتحدة والأنشطة الإرهابية في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي.

الموقف من حماس

ثم يتطرق كارتر إلى إحدى القضايا الهامة وتتمثل في موقف الولايات المتحدة وإسرائيل من وصول حماس إلى الحكم حيث يشير إلى عمليات التضييق الشديدة التي تستهدف شل حكومة حماس والحد من فاعليتها سواء من خلال وقف المساعدات الإنسانية أو تمويلها وفرض قيود على حركة قادتها في الحكومة للمشاركة في أنشطة دولية وهى كلها محاولات تستهدف في النهاية عزل حكومة حماس المنتخبة ديمقراطيا من قبل الشعب الفلسطيني.

وفي هذا الإطار يذكر أن إسرائيل عملت على وقف مفاوضات السلام بل والهرب من بعض القيود التي ترى الولايات المتحدة ضرورة التزامها بها ولجأت إلى سياسات الحل من جانب واحد والتي تستهدف في النهاية ترك أجزاء محدودة ومفككة من الضفة الغربية للفلسطينيين تمثل ما تبقى من أرضهم. كما أن احتجاز آلاف المعتقلين العرب في سجونها، فيما قامت هي برد عسكري مدمر على اختطاف ثلاثة جنود صعد من المخاوف العالمية بشأن إمكانية تحول الرد الإسرائيلي إلى مستوى الحرب الإقليمية.

وعلى الرغم من كل هذه التحديات إلا أن كارتر يدعونا إلى عدم اليأس وتصور أنه لا أمل في المستقبل، قائلا ان ذلك يجب ألا يجعلنا نتخلى عن جهود تحقيق السلام الدائم من أجل الإسرائيليين والحرية والعدالة من أجل الفلسطينيين ويجب علينا الاعتماد في هذا الصدد على مجموعة من العوامل الإيجابية.

وهنا يشير إلى ما قاله أمام الكنيست الإسرائيلي عام 1979 (إن الشعوب تساند التسوية وأن القادة السياسيين هم العقبة أمام ذلك) ومع مرور السنوات فإن استطلاعات الرأي العام أظهرت بشكل واضح أن غالبية الإسرائيليين تفضل الانسحاب من الأراضي الفلسطينية مقابل تحقيق السلام، كما أن استطلاعات أخيرة للرأي العام أشارت إلى أن نحو 80 في المئة من الفلسطينيين ما زالوا يريدون حل الدولتين مع إسرائيل إلى جانب 70 في المائة يساندون محمود عباس كرئيس ومتحدث باسمهم مع ما يتسم به عباس من اعتدال.

فضلا عن ذلك يشير كارتر إلى أن هناك بعض العوامل المشجعة الأخرى التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة، منها تنامي الإدراك لدى الإسرائيليين بأن حل القضية الفلسطينية إنما يعد أمرا حيويا اذا ما أرادوا التوصل إلى تسوية شاملة،

وفي الوقت ذاته تزايد الاعتراف على الجانب العربي بأن إسرائيل حقيقة لا يمكن إنكارها، وفي ذلك يشير إلى أن الكثير من الفلسطينيين والعرب يرون أن مبادرة العاهل السعودي والتي أقرتها القمة العربية في بيروت 2002 تمثل نوعا من الاعتراف بحق إسرائيل في العيش في إطار (حدودها القانونية).

وفي مسعى منه لاستنباط ما يبشر بالامل في حل الصراع، يشير كارتر إلى أنه مما يمكن ان يعتبر أحد العوامل المساعدة على ذلك أن كلا من إسرائيل والدول العربية صادقت على قرارات الأمم المتحدة الخاصة بالنزاع ومنها القراران 242 و 338 والتي على أساسها تم التوصل إلى اتفاقيات سلام بين إسرائيل وبعض جيرانها.

رؤى للسلام

يستعرض الكاتب في هذا الخصوص رؤيتين للسلام إحداها فلسطينية والأخرى إسرائيلية تعكسان تصوراً مشتركاً بشان تقديرات ما يجب أن يتم فعله. يعكس الرؤية الفلسطينية جوناثان كتاب، وهو مدافع عن حقوق الإنسان حيث يقول إن كل شخص يعرف الوضع الذي يمكن أن يحقق سلاما دائما ونهائيا يلبي المطالب التي تعكس مصالح طرفي النزاع.

ويحدد هذا الوضع في حل الدولتين، الانسحاب الإسرائيلي إلى حدود 1967، تفكيك المستوطنات، صيغة ما من صيغ المشاركة في قدس موحدة على أن تكون عاصمة الطرفين، أن تكون الضفة الغربية وغزة منزوعتي السلاح للقضاء على أي تهديد لأمن إسرائيل، الوصول إلى حل ما لمشكلة اللاجئين يتضمن الإقرار بنوع من حق العودة، مع تعويضات. ويضيف الناشط الفلسطيني : إن كل واحد يعرف الحل ولكن السؤال هو : هل توجد الإرادة السياسية لتطبيقه؟

أما الجانب الإسرائيلي الذي يقدمه كارتر فهو ممثل بالدكتور ناعومي حازان وهو أستاذ في الجامعة العبرية وشغل منصبا في الكنيست حيث يقول: لا اعتقد أنه يوجد أي اختلاف الآن بين غالبية الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني، في تفهم ضرورة التوصل إلى نوع من التوافق بين الشعبين.

ويوجد سيناريوهان بشأن الكيفية التي يمكن من خلالها تحقيق ذلك.. الاعتراف بالحقوق الفلسطينية وعلى رأسها حق تقرير المصير، والأخذ بحل الدولتين مع توفير العوامل التي تجعل هذا الحل عادلا يسمح بقيام دولة فلسطينية لها مقومات الحياة إلى جانب إسرائيل على حدود 1967. واذا ما كان هناك تعديل في هذه الحدود فإنه يجب أن يقوم على أساس مبادلة الأراضي. ويؤكد ناعومي على حاجة إسرائيل اذا ما أرادت الحفاظ على ديمقراطيتها ذات الأغلبية اليهودية إلى إنشاء دولة فلسطينية .

وفي إطار محاولة توسيع نطاق الشعور بالأمل يشير كارتر إلى أنه في إطار هذه المساعي يجب ألا ننسى أن رئيس الوزراء الفلسطيني الحالي اسماعيل هنية - لم يذكر كارتر اسمه - أعلن أن حكومته تؤيد إجراء مفاوضات سلام بين إسرائيل ومحمود عباس، مضيفا أن حكومته سوف تغير موقفها من رفض إسرائيل اذا ما كان هناك اتفاقية يجري التفاوض عليها يمكن ان يوافق عليها الفلسطينيون.

إلى جانب ما سبق فإنه من الجوانب الجديرة بالأخذ في الاعتبار، حسبما يذهب كارتر، أن جماعات فلسطينية مختلفة أعلنت استعدادها للتخلي عن العمليات الاستشهادية وغيرها من الأعمال إذا ما قبلت إسرائيل تطبيق قواعد القانون الدولي والعمل بما حددته خارطة الطريق من أهداف لتحقيق السلام.

من بين الآمال الأخرى التي تبعث احتمالات التوصل إلى تسوية مبادرة مروان البرغوثي الزعيم القيادي في فتح والمعتقل في سجون إسرائيل وقيادي معتقل من حماس في مايو 2006 بالتصديق على مقترح يتضمن القبول بحل الدولتين. ويشير إلى التأثيرات المختلفة التي أدت اليها مبادرة المعتقلين الفلسطينيين خاصة لجهة الدعوة إلى حكومة وحدة فلسطينية. ورغم تقدير رؤية الرئيس الأميركي الأسبق في هذا الخصوص إلا أنها تعكس قدرا من المثالية ..

ذلك أن المشكلة ليست في مواقف الطرف الفلسطيني وإنما على الجانب الإسرائيلي. وكما أشار هو في إطار كلمته في الكنيست فإن الامر يرتبط بموقف القادة السياسيين وهم في هذه الحالة الإسرائيليين ذلك أن القادة الفلسطينيين ليس لديهم رفاهية الرفض الأمر الذي يؤكده موقف هنية الذي أشار كارتر نفسه إليه.

ويخلص كارتر إلى أن هناك ثلاثة سيناريوهات لا رابع لها أمام إسرائيل فإما أن تلحق الفلسطينيين بها وهو ما قد يعني في النهاية زيادة كبيرة في أعداد المواطنين غير اليهود الذين لهم الحق في العيش والتمتع بالمساواة مع اليهود وهو ما قد يفسح المجال أمام إمكانية أن يشكل غير اليهود أغلبية مؤثرة تتناقض مع أهداف إسرائيل.

فضلا عن أن ذلك سيجعل إسرائيل في عزلة دولية ونيلها الإدانات من قبل المجتمع الدولي وضياع فرص إنهاء العداء مع العالم العربي. وإما أن تقيم إسرائيل نظاما كاملا للفصل العنصري على شاكلة السياسة التي تتبعها الأن مع ما يفرضه ذلك من استمرار الأزمة وإما أن تنسحب إسرائيل إلى حدود 1967 وفق قرار الأمم المتحدة 242 ووفق الإطار الذي تم الاتفاق عليه في كامب ديفيد واتفاقات أوسلو وخارطة الطريق.

وحسبما يرى كارتر فإن هذا السيناريو يبدو هو الذي يوفر فرصا للاستقرار وخروجا من حالة اللا حل للصراع العربي الإسرائيلي وفي ذات الوقت فإنه يمكن بالتفاوض الاتفاق على مبادلة للأراضي تحقق هدف إسرائيل في ضم بعض المناطق التي يقيم بها مستوطنون اليها.

ويحرص كارتر في ختام كتابه على التأكيد على أن الأمر بيد إسرائيل كما أشرنا فيما يمثل إلقاء بتبعة الأمور عليها حيث يقول: إن السلام سوف يتحقق لإسرائيل والشرق الأوسط..

فقط إذا ما قبلت الحكومة الإسرائيلية تطبيق القانون الدولي، وقبلت إرادة المجتمع الدولي ممثلة في خارطة الطريق، بل وقبلت التلاقي مع رغبة الأغلبية من مواطنيها، وكذلك التلاقي مع التزاماتها في الاتفاقيات السابقة.. بذلك يتحقق السلام وستكون مأساة للإسرائيليين والفلسطينيين بل والعالم كله اذا ما تم رفض السلام لصالح نظام من الفصل العنصري لا يتيح بأي حال من الأحوال اختفاء العنف.