حائرون بين الزيادات السنوية وأعباء المهنةوفي دبي يواجه أربعة معلمين في مدرسة واحدة خطر الطرد من بيوتهم بعد أن وقعوا ضحية لجشع الملاك الذين وجهوا لهم إنذارات بترك منازلهم لعدم قدرتهم على تحمل الزيادة الكبيرة في الإيجارات.

حصول المعلم على سكن ملائم خاصة من يعمل منهم في مدارس دبي هاجس أو حلم لا يمكن تحقيقه في ظل التدني الكبير في البدل الذي يحصلون عليه ويمثل 60% من رواتبهم بالنسبة للمتزوجين و40% بالنسبة للعزاب وهو ما لن يؤمن لهم حتى غرفة في دبي ما دفعهم إلى مناشدة وزارة التربية والتعليم بالإسراع في اتخاذ التدابير المناسبة لتأمين سكن ملائم لهم.

بدورها اقترحت منطقة دبي التعليمية إنشاء مجمعات سكنية للمعلمين، ودعت مؤسسات المجتمع المدني الى المشاركة في هذه المبادرة مؤكدة على أهمية مناخ أسري مستقر للمعلمين يقدرون من خلاله تحمل المسؤوليات الجمة التي خولها لهم التطور المستمر في العملية التعليمية، المعلمون في شكواهم أوضحوا أنهم يؤدون 70% من التكليفات الموكلة إليهم في منزلهم سواء تلك المتعلقة بتحضير الدروس أو إعداد الامتحانات التحريرية للطلبة أو تقييم المشروعات المقدمة، والآن بعد أن أصبحوا مهددين بالطرد بل تطارد الشرطة البعض منهم أصبح لجوؤهم للمنزل مصدر إزعاج وقلق لهم فهم يتعرضون لضغوط نفسية وعصبية كبيرة تؤثر على مردودهم في المدرسة ومدى قدرتهم على إنهاء المهام الموكلة إليهم.

وقال أحدهم وهو يعمل في مدرسة حكومية في دبي ومهدد هو وثلاثة من زملائه بالطرد من منزلهم بعد قرار المالك برفض تجديد التعاقد معهم بزعم رغبته في رفع الإيجار بصورة لم يقدروا على تحملها، إنه يقطن في منزله منذ ما يقارب 15 عاماً ولا يعرف وجهته المقبلة هو وأسرته، على الرغم من التزامه كل عام بدفع الزيادة التي تفرض عليه وكان آخرها أربعة آلاف درهم العام الماضي، مشيراً إلى أنه يدفع إيجارا سنويا 25 ألف درهم في الوقت الذي يحصل فيه على بدل سكني بمقدار 60% من الراتب البالغ أربعة آلاف درهم فقط، ويريد المالك أن يرفع الإيجار إلى 35 ألفا وهو ما يفوق إمكانياته.

وأوضح أن هناك حالة من عدم الاستقرار تسود منزله، فالمالك ينتظر عودته حتى يبدأ مسلسل المضايقات من جديد كي يجبره على الرحيل، في الوقت الذي يكون عليه الانتهاء من العديد من الأمور الخاصة بعمله كي يتمكن من تقديمها للطلبة في الصباح، مشيراً إلى أن التدريس أصبح مهنة طاردة في الوقت الحالي وخاصة بين معلمي الثانوي بعد أن أصبحت أعباؤها تفوق امتيازاتها بدرجة كبيرة.

زميله الذي يعاني من نفس المشكلة قال إن الأمر وصل بينه وبين صاحب البناية إلى المحكمة بعد القرار التعسفي الذي اتخذه بحقه بعدم تجديد التعاقد معه على الرغم من التزامه بدفع الإيجار بانتظام، معرباً عن عدم قدرته على أداء عمله على الوجه الأكمل نتيجة للضغوط الكبيرة التي يتعرض لها، والتي من شأنها أن تلقي به وعائلته إلى المجهول.

ومن جانبه قال مدير المدرسة إن هذه الضغوط تنعكس سلباً على مردود المعلمين بصورة كبيرة، خاصة معلمي الثانوي الذين يقع عليهم العبء الأكبر في تحقيق النجاح للنظام الجديد للثانوية العامة، مشيراً إلى أن هذا الأمر يحتاج بالفعل إلى إعادة النظر والتسريع بحله عن طريق زيادة بدل سكن المعلمين أو زيادة رواتبهم.

تعديل فوري

وبسؤال تربويين عن مقترحاتهم لتوفير سكن ملائم للمعلمين قال رياض فايز إن أزمة السكن نستطيع أن نعتبرها المشكلة الأكبر التي تواجه المعلمين خلال الفترة الحالية وتحول دون أدائهم لعملهم على الوجه الأكمل خاصة في ظل الارتفاع الكبير في سوق العقارات بالدولة مقارنة بالرواتب البسيطة التي يحصلون عليها، مشيراً إلى أن بدل السكن بحاجة إلى تعديل فوري كي نتمكن من توفير الاستقرار النفسي الملائم للمعلم وهو ما يعود إيجاباً على مردوده في الصفوف.

وأشار صابر عبد الواحد معلم لغة إنجليزية إلى أن إعادة النظر في بدل سكن المعلمين يعد هو الوسيلة المثلى لتطوير أدائهم وتنمية مهاراتهم لافتاً إلى وجود العديد من الحلول التي يمكن بها حل مشكلة السكن مثل إنشاء مدن سكنية للمعلمين بأسعار منخفضة على غرار ما يحدث مع العمال.

واقترح ماهر محمد معلم رياضيات تعديل بدل سكن المعلمين ليصبح 100% من قيمة الراتب الذي يحصل عليه، إذ يحصل على بدل سكن 25 ألف درهم بمقدار 60% من إجمالي راتبه في حين أنه لا يستطيع أن يحصل على غرفة في دبي بهذا السعر علماً بأنه لديه أسرة من أربعة أفراد وهو ما دفعه إلى التوجه إلى عجمان من أجل الحصول على سكن بسعر ملائم وهو ما يؤثر سلباً على عمله ويرهقه جراء المسافة الكبيرة والزحام الشديد الذي يواجهه يومياً بطريقه من دبي لعجمان.

أحمد موسى معلم لغة انجليزية في مدرسة أحمد بن راشد للتعليم الأساسي «حلقة ثانية» في دبي اضطر أن يجد مسكنا مناسبا له في إمارة أم القيوين بحيث يتماشى متوسط إيجاره مع الراتب الشهري الذي يستلمه، وأوضح أنه يعاني يوميا من طول المسافة التي يقطعها، لذلك يضطر يوميا إلى الخروج من المنزل قبل صلاة الفجر كي يبتعد عن الزحام الشديد في الشارع الذي يمنعه من الوصول لعمله في الوقت المحدد، وفي بعض الحالات يضطر إلى إجراء العديد من الاتصالات خلال وجوده في الطريق مع زملائه المعلمين من أجل مساعدته بتبديل الحصص فيما بينهم.

وأشار إلى أن الشد العصبي الذي يتعرض له يومياً يبعث القلق والتوتر بداخله وينعكس سلباً على مردوده مع الطلبة وأدائه في الصفوف ما يحول دون تقديمه الاهتمام والرعاية اللازمة لهم.

واقترح محمد الجنادي معلم لغة عربية ويسكن في عجمان أن تستقطع المنطقة بدل السكن من المعلم والمقدر بنسبة 60% للمتزوج و40% للعازب من إجمالي راتبه وتكمل عليه من أجل توفير الوحدة السكنية الملائمة له في الإمارة التي يعمل بها، لافتاً إلى أن بدل سكنه يبلغ 24 ألف درهم سنوياً وهو لا يكفي للحصول على وحدة سكنية في دبي، واعتبر أن ذلك سيساهم في دفع العملية التعليمية والارتقاء بمستوى الطالب بعيدا عن انعكاس الضغوطات النفسية والعصبية عليهم لاسيما أن المعلم يصل إلى المدرسة بعد مشوار شاق قد تتعرض حياته للخطر خلاله.

والأمر ذاته عند المعلم أيمن الصادق الذي يسكن في الشارقة ويعمل في دبي واضطر إلى نقل أبنائه إلى إحدى المدارس الخاصة القريبة من مكان عمله بدبي، ما يدفعه إلى الخروج من منزله قبل صلاة الفجر ليضمن الوصول خلال الوقت المحدد، خاصة أنه تعرض من قبل للعديد من المخالفات المرورية كعدم الالتزام بقواعد المرور والشارع والخروج عن المسار المحدد من أجل الوصول إلى عمله في الوقت المناسب إلا أن التأخير يلازمه، مطالبا بالحصول على الحل الذي يضمن للمعلمين الراحة النفسية كعمل مجمعات سكنية بأسعار رمزية تتماشى مع الدخل الشهري لنا، لأداء رسالتنا التربوية على أكمل وجه.

أما إبراهيم حسن معلم حاسوب في مدرسة أحمد بن راشد في دبي يقطع مسافة 90 كيلومتراً يومياً كونه يسكن في إمارة رأس الخيمة لانخفاض أسعار إيجاراتها مقارنة بدبي، مؤكدا على أن ارتفاع الإيجارات عكس مردوداً سلبياً على المعلمين، الذين اضطر عدد كبيرة منهم إلى إرسال أبنائهم وزوجاتهم إلى بلادهم، فيبقى المعلم وحيدا كونه لا يمتلك الاستقرار المادي الذي لا يتماشى مع غلاء المعيشة والسكن تحديدا، موضحا أن غياب الاستقرار النفسي من المعلمين سيؤدي بلا شك إلى غياب روح النشاط والحيوية أثناء الشرح وتقديم الأفضل.

وشدد إبراهيم الحوسني مدير مدرسة حميد بن عبدالعزيز للتعليم الثانوي في عجمان على أهمية التعزيز المادي والمعنوي للمعلمين كي يتمكنوا من أداء دورهم على الوجه الأكمل، مشيراً إلى أن المعلم بحاجة إلى المزيد من التفهم لظروفه وأوضاعه المعيشية كي يستطيع أن يبدع وينفذ مهامه على الوجه الأكمل بما يعود بالإيجاب عليه وأسرته.

ولفت إلى أن نجاح العملية التعليمية يرتبط بشكل مباشر بأداء المعلمين الذي يتأثر سلباً نتيجة للظروف المعيشية الصعبة التي يعانون منها والتي قد تدفع البعض منهم إلى توفير الجهد الذي يبذله في المدرسة للدروس الخصوصية التي تعتبر طوق النجاة الوحيد لهم، فعلى الرغم من عدم شرعيتها إلا أنه يعتبرها الوسيلة الوحيدة التي ستساعدهم على الوفاء بالتزاماتهم المعيشية.

وأوضح أن العزوف الذي يشهده الميدان التربوي من المواطنين والوافدين على الالتحاق بالهيئات التدريسية هو خير دليل على حالة عدم الرضا التي تسود الغالبية من التقييم المادي للعاملين بالميدان.

معلمو الثانوي

أكد تربويون على أهمية الإسراع في تعديل أوضاع معلمي المرحلة الثانوية كبداية أولى على اعتبار أنهم الأكثر تحملاً لأعباء جديدة كفلها لهم تطوير النظام التعليمي في هذه المرحلة جراء إدخال نظام التقويمات والأنشطة الصفية في احتساب درجات الطلبة وهو ما يتطلب ضرورة توفير قدر أكبر من الاستقرار النفسي لهم كي يتمكنوا من أداء دورهم على الوجه الأكمل خاصة وأن أي تهاون فيه قد يؤدي إلى ظلم طالب أو مجاملته بدون وجه حق.

واقترح إنشاء مدن سكنية للمعلمين توفر لهم وحدات سكنية بأسعار تتوافق مع بدل السكن الذي يحصلون عليه، معتبرين أن توفير الاستقرار الأسري لهم يعتبر هو الوسيلة المثلى لتشجيعهم على أداء المهام الموكلة لهم التي تزداد كل يوم جراء التطوير الذي يطال التعليم.

مدينة سكنية

شدد خليفة بن فارس مدير منطقة دبي التعليمية على أن الحل الأنسب الذي يحفظ للمعلمين مكانتهم ويخفف معاناتهم اليومية هو أن تتكاتف كل المؤسسات والجهات المجتمعية المختلفة لتوفير «مجمعات سكنية« للمعلمين في كل إمارة ما شأنه أن يساعدهم على أداء رسالتهم العلمية بالجودة المطلوبة.

وأوضح أن المعلمين الوافدين الذين يعملون في مدارس دبي هم الأكثر تضررا ومعاناة من مشكلة السكن لما يواجهونه من مصاعب للحصول على سكن في دبي بقيمة البدل المخصص لهم سنوياً البالغ 60% من أجمالي الراتب بالنسبة للمتزوج و40% للعازب جراء الغلاء الفاحش في أسعار الوحدات السكنية بالإمارة.

وقال إن المسافات الكبيرة الذي يقطعها المعلم يومياً جراء سكنه في إمارة أخرى غير دبي كالشارقة أو عجمان تؤثر بصورة كبيرة على مردوده في الصفوف وتركيزه في الرسالة العلمية التي يقدمها ويكون الضحية في النهاية الطالب، مشدداً على أن وزارة التربية تسعى لوضع حلول للمعلمين خلال الفترة المقبلة لإنصافهم وتوفير مناخ مستقر لهم يستطيعون من خلاله أداء عملهم على الوجه الأكمل.

منال خالد ـ أحمد جمال