عندما أعود إلى البيت أعرف جيداً الحال التي سأجد عليها أفراد أسرتي، فأمي تشاهد التلفاز، إنها مغرمة ببرامج الطبخ، وأعتقد أنها لا تفوِّت أحدها، عندما ألقي عليها السلام تجيبني كانت «طعامك على الطاولة» ثم تصمت، والآن عند عودتي أدخل إلى المطبخ مباشرة، فليس لدى أمي ما تقوله، أما أخي الصغير فهو لا يفارق جهاز الحاسوب، إن لديه الكثير من برامج الألعاب واسطوانات الأغاني، إنه لا يزال في المرحلة الإعدادية، ومع ذلك فالدخول إلى مواقع الدردشة على الإنترنت عادة يومية عنده، وأخيراً أختي التي غالباً ما تكون في غرفتها.
هكذا حياة أسرتي، والمشهد نفسه يتكرر كل يوم، ويلومني أصدقائي لأني قليل الكلام، ولكن ماذا عساي أن أفعل، ولكل واحد في الأسرة عالمه الخاص، أنا قليل التعامل مع الكمبيوتر ولا أطيل الجلوس لدرجة الإدمان كبقية أفراد الأسرة، ولا أتابع برامج الطبخ، وليس لدينا سوى تلفاز واحد، لذا فأنا أقضي وقتي ما بين النوم والدراسة، هذه قصة من قصص كثيرة تصف ما للتكنولوجيا من أثر في عزلة الفرد، ومن ثم إلى صمته، فإلى أي مدى قطعت التكنولوجيا امتداد جسر الحوار بين الأفراد داخل الأسرة؟ هذا ما نحاول الكشف عنه من خلال هذا التحقيق.
وقال أبو سالم ـ موظف حكومي ـ أقضي معظم الوقت خارج المنزل لأن فترات العمل طويلة، وعندما أشاهد التلفاز أثناء وجودي في البيت أندمج كثيراً معه لدرجة أنني لا أجيب زوجتي إذا حدثتني، وعندما تصر على الكلام أصرخ في وجهها طالباً منها التوقف حتى انتهاء البرنامج، ولأن البرامج كثيرة والمسلسلات العربية أكثر، فالوقت يمضي وأنا جالس أمام التلفاز، فأنسى زوجتي التي يقودها غيظها إلى مغادرة غرفة الجلوس.
وترى ريم محسن طالبة في المرحلة الثانوية أنها تعيش حالة من العزلة والصمت داخل الأسرة بسبب أمها، وبانفعال قالت: أنا بطبعي مرحة واجتماعية، لكن الأمر يتغير عندما أكون في البيت، فأمي تقضي معظم وقتها في الحديث مع صديقاتها عبر الهاتف، وتارة مع جارتها وأخرى مع الأقارب وهكذا، لذلك أعود من المدرسة لا أجدها بقربي كي أحكي لها ما حدث معي خلال يومي الدراسي، حيث هي دائماً قريبة من الهاتف، ، لذا لا تجد أمي الوقت لتسمعني، وأنا لا أجد الفرصة للحديث معها.
ويعتقد أحمد جمال ـ معلم ـ أن الأمر ليس بهذا السوء، فالأمر يعتمد على الفرد نفسه، فهناك أفراد يقضون كل وقتهم أمام جهاز الحاسوب أو أمام شاشة التلفاز مما يجعلهم يعيشون في جوٍّ من العزلة والصمت، وهناك أفراد يعرفون جيداً كيف يمتعون أنفسهم بهذه التكنولوجيا من دون أن يؤثر ذلك سلباً في أنشطتهم الحياتية الأخرى وفي علاقاتهم مع الآخرين.
ويؤكد حمد مسعود ـ موظف ـ أن العصر الذي نعيش فيه هو عصر التكنولوجيا، وأن التلفاز والانترنت والهواتف النقالة أصبحت جزءاً من حياتنا، وأنه من المفترض بنا التعايش معها بكل إيجابياتها وسلبياتها، وعن نفسه يقول: أصبحت مدمناً لتلك الوسائل التكنولوجية، ولا أقضي أوقات فراغي إلا معها، لذا فأنا أقضي معظم أوقاتي صامتاً.
أكثر متعة
وتحب مي محمد الطالبة في المرحلة الثانوية أن تشاهد التلفاز بمفردها في غرفة منعزلة عن الآخرين، فهي تتأثر كثيراً بالأحداث التي تدور في المسلسلات والأفلام، ولا تحب أن يقاطعها أحد أثناء متابعتها للتلفاز. وتعترف مي بأن التلفاز يمثل جزءاً مهماً في حياتها لدرجة أنها تجده أكثر متعة من نزهة مع أفراد أسرتها، وعن سؤالنا لها إن كان الصمت سمة بين أفراد أسرتها أجابت: نعم، هناك صمت يخيم على أجواء البيت، فكل فرد يحب أن ينعزل فترات طويلة عن الآخر لمتابعة برنامج يحبه أو الجلوس إلى الحاسوب، أو استخدام الانترنت.
وترى سمر سعيد طالبة في المرحلة الثانوية أن جلوسها لفترات طويلة إلى الحاسوب أو التلفاز، لا يؤثر سلباً في التواصل بينها وبين أفراد أسرتها، فأمها تجد الوقت كي تسمعها، والأسرة كلها تتيح فرصة للحوار وفتح باب النقاش في القضايا المختلفة خاصة عندما يجتمعون يومياً على طاولة الطعام.
فتاة محظوظة
وتعتبر هند مصطفى طالبة في الصف الثالث الثانوي نفسها محظوظة فأسرتها من الأسر القليلة التي تحتفظ بجسر التواصل ممدوداً بين أفرادها، وهي في المقابل تؤكد أن الصمت الذي تحدثه التكنولوجيا خاصة التلفاز والحاسوب، هو صمت مؤقت ينتهي بمجرد الانقطاع عنها، فهي أثناء مشاهدتها التلفاز تفقد القدرة على التواصل مع الآخرين بسبب تركيزها الكامل على ما تشاهده، بينما يتحطم حاجز الصمت بعد انتهاء البرامج التي كانت حريصة على متابعتها.
وتقول الطالبة رؤى خالد إن أسرتي تدرك أهمية الحوار والتواصل المتبادل بيننا، وهي ترحب بذلك في أي وقت، غير أن المشكلة هي أنها تقضي بين ثلاث إلى سبع ساعات يومياً أمام الحاسوب، تشعر بعدها بالتعب والإنهاك بسبب طول الفترة الجلوس، فتميل إلى أن تنعزل كي تأخذ قسطاً من الراحة وبعدها انشغل في دراستي وبهذا لا يُتاح لي أن ألتقي بأفراد أسرتي وعليه فلا يوجد حوار حقيقي بيننا.
وتتجه الطالبة أمل عز العرب في اتجاه آخر،فهي تفسّر أسباب الصمت الذي يتخلل الحياة الأسرية بتعقد الحياة، فالأب يقضي معظم وقته خارج البيت من أجل الرزق، والأم كذلك إن كانت تعمل، أما الأولاد فهم منشغلون في دراستهم، لذا فلا وقت لأن يسمع أحد الآخر، ولا توجد فرصة لأن يتكلم أحد مع الآخر، فكل فرد منعزل مع ما يشغله.
نحن الشباب
وقال علي درويش الحساني ـ طالب: نحن الشباب لنا مجالسنا الخاصة التي نلتقي ونتسامر فيها، ورغم حب الانترنت ومشاهدة التلفاز، لكننا نعتبر الخروج مع الأصدقاء أهم من أي برنامج تلفزيوني، ويظل الأمر معتمداً على مستخدم التكنولوجيا نفسه، فإذا جعلها اهتمامه الشاغل فبالتأكيد سينقطع عن الآخرين، وستكون عزلته هذه سبباً رئيسياً في صمته.
صامتون
وأضاف أحمد خميس الشامسي: نحن صامتون والتكنولوجيا زادتنا صمتاً، فالحياة المدنية جعلت الأفراد منعزلين عن بعضهم، حتى أصبح الابن لا يجتمع مع أعمامه وأبناء أعمامه إلا نادراً، وعندما أصبحت التكنولوجيا متاحة للجميع ساد الصمت بين أفراد الأسرة الواحدة، لأن كل فرد فيها انجذب إلى عالمه الخاص الذي أوجدته التكنولوجيا.
لماذا نتكلم؟
ويرى خالد إبراهيم البلوشي أن الأمور تزداد تعقيداً، وأننا أصبحنا في عالم لا يحتمل الكلام، فلو دخلنا إلى «السوبر ماركت» مثلاً لا نحتاج إلى أن نسأل عن ثمن السلعة فكل شيء مسعّر، وحتى عند صندوق الدفع فإن جملة ما نشتريه يظهر لنا سعره على اللوحة الموصولة بالكمبيوتر، حتى إدخال الرصيد إلى هواتفنا النقالة يتم الآن عبر الانترنت، وينهي خالد كلامه، ولا ندري إن كان ساخراً أم جاداً، بقوله: لماذا نتكلم و«الأزرار» تفصح عما نريد؟!
وشدد أحمد خميس الكعبي على أهمية الاستغلال المثمر للتكنولوجيا لأنها تلعب دوراً مهماً في عزلة الفرد، ومن ثم إلى صمته وعدم تواصله مع الآخرين، لأنها تستحوذ على انتباهه وتركيزه فيبدو وكأنه أسير لها، إلا أن كل شيء يعتمد على الإنسان نفسه وعلى كيفية استخدامه للتكنولوجيا، والصواب أن يوزع الإنسان طاقاته على مختلف الأنشطة الحياتية.
ويرى سيف عبد الله المعمري أن الكلام ضرورة حياتية كالماء والهواء والغذاء، وأن المرء عليه ألا يتوقف عن الكلام حتى في أسوأ الظروف، فالصمت بالنسبة له يعني الموت، وعن تأثير التكنولوجيا يرى أن التكنولوجيا تفتح لنا بوابات عريضة كي نتكلم ونعبر بأصواتنا، وعلى سبيل المثال التلفاز يقدم برامج ويعرض قضايا تفتح المجال كي نناقش تلك القضايا فيما بيننا ونعبر عن آرائنا تجاهها، كما أن الهواتف بأنواعها المختلفة أوجدت نوعاً من التواصل الكلامي، فأصبح المرء لا يعوّل على طول المسافات وبكل بساطة وأنت في منزلك يمكن أن تتحاور مع صديق أو قريب لك.
بين الماضي والحاضر
يعقد أبو سهيل، وهو متقاعد عن العمل، المقارنات موضحاً انه في الماضي كنا نقضي أوقات فراغنا مع الأهل والأصدقاء، وكم من الأحاديث والكلام والسمر سمعت جدران المنازل وكراسي المقاهي، وكان أولادنا يشغلون أوقاتهم بالقراءة والكتابة أو بصنع الطائرات الورقية أو في تعلم حرفة يدوية أو نحت القوارب الخشبية وغيرها وكانت الألعاب الشعبية التي نسيها معظم الأطفال الآن جزءاً من ممارساتهم اليومية، أما اليوم فقد تغير الحال واختفت روح الجماعة.
وظهر الفرد الذي أصبح في سعي دؤوب لتحقيق مصالحه وتأمين لقمة العيش، ولم يعد المرء يجد الوقت ليجتمع مع أقرانه، وأصبح الأولاد لانشغال آبائهم لا يجدون إلا التلفزيون والكمبيوتر وسيلة للتسلية، لذا فأنا ألوم الآباء على العزلة والصمت اللذين يعيشهما أحفادنا اليوم وأدعو الآباء إلى ضرورة فتح الحوار بينهم وبين أبنائهم.
هدى عمار



