تنعزل فاطمة في صفها الثاني الابتدائي عن أقرانها مؤثرة الصمت وعدم الحديث مع الآخرين حتى داخل الفصل وبرغم أن درجاتها في الامتحانات التحريرية تدل على قدرات عقلية عالية إلا أن التواصل اللفظي مع زملائها يكاد يكون معدوماً.

وبسؤال علماء النفس: لماذا لا تستطيع فاطمة التواصل مع الآخرين في الصف الدراسي؟ يفسر خبراء بأن ذلك يبدو للوهلة الأولى كأنه نوع من الخجل إلا أن الحقيقة تشير بأصابع الاتهام إلى نوع من الاضطرابات النفسية يسمى الخرس الانتقائي أو البكم الإرادي الذي يفقد فيه الطفل القدرة على التواصل مع الآخرين، ويرفض التحدث في المواقف الاجتماعية منها المدرسة، برغم قدرته على الكلام، موضحين أن المشكلة تتزايد في حالة وجود بيئات وثقافات وقيم وعادات مختلفة داخل المدرسة الواحدة وخاصة الصعوبات التي تتصل بتعدد لغات تلاميذ هذه المدارس ذات الثقافات والبيئات الاجتماعية واللغات المختلفة.

ويرى اشرف العريان الاختصاصي النفسي في منطقة الشارقة التعليمية أن البكم الاختياري ـ كما يطلق عليه ـ يتضح في رفض الطفل للتحدث في واحد أو أكثر من المواقف الاجتماعية العظمى، مشيراً إلى أن الطفل المصاب بالبكم الاختياري يمكنه أن يتواصل بواسطة الإيماءات مثل هز الرأس، أو بواسطة مقاطع كلامية مختصرة، والغالب أنه لا يتحدث في المدرسة، ولكنه يتحدث طبيعياً في المنزل ولا تبدو عليه أي سمة من سمات الصمت لذلك نجد أن معظم الأمهات يرفضن تصديق إدارات المدارس عند استدعائهن لعرض المشكلة على اعتبار أنهن لا يلمسن ذلك في البيت.

ويعتبرها العريان حالة من الاضطراب العاطفي والانفعالي، وأنها من أهم خصائص الأطفال الذين يصابون بالخجل والحساسية الفائقة، وعدم القدرة على إقامة علاقات مع الآخرين سواء كانوا أطفالا أم كبارا. وذكر انه رصد هذا العام عشر حالات خرس انتقائي تمحورت في المرحلة العمرية بين 4 ـ11 سنه حيث تم البدء في تنفيذ برامج علاجية خاصة بهم تنوعت بين أنشطة خارجية تساعد في اكتشاف المصابين بالعالم من حولهم وتعزيز ثقتهم بأنفسهم من خلال حوارات طويلة يتحدثون فيها مع المشرفين أو زملائهم ممن يعانون من ذات الحالة.

من سمات التوحد

وتفسر فاطمة السجواني الصمت الاختياري بأنه نوع من الاضطرابات النفسية المتعددة يفقد فيها الطفل رغبته في الكلام إراديا، رغم قدراته العقلية العالية وانتفاء أي مشكلة تتعلق بالنطق وجهازه الكلامي، لافتة إلى أن بعض العلماء يعتقدون أو يرجحون أن الصمت الاختياري سمة من سمات التوحد التي تظهر جلية في مراحل عمرية لاحقة.

وأوضحت الاختصاصية النفسية أن المشكلة تنتشر بشكل أكبر بين فئة رياض الأطفال وبعض الطلبة في المرحلة التأسيسية حيث يعد الاختصاصي النفسي برامج علاجية لتلك الفئة تشتمل على بعض برامج تمرن الطفل على إخراج أصوات معينة تتحول بعد ذلك بفضل التمرينات إلى حروف ثم كلمات إلى جانب تنفيذ برامج للثقة بالنفس وبرامج تطوير الحديث، مشيرة إلى أن التركيز في مرحلة ما قبل السادسة على اللعب باعتباره نفسيا وتربويا عصب برامج الطفولة المبكرة بالإضافة إلى إتاحة فرصة البحث والتجريب واختيار الأنشطة التي يفضلونها لتدريبهم على اتخاذ القرار وتوجيههم للأنشطة التي تحظى باهتمامهم.

وبينت أن هناك نوعاً من الصمت الإرادي ناتجاً عن تعرض الطفل لموقف مخيف أو منفر يدفعه للصمت وإيثار عدم الكلام إلا في المحيط الذي يشعر فيه بالأمن والاستقرار النفسي، مؤكدة أن المشكلة النفسية تزداد حدة بين الإناث خاصة أنهن أكثر حساسية للمواقف المحيطة.

ولفت مؤيد حميد اختصاصي النطق في وزارة التربية والتعليم إلى نقطة في غاية الأهمية اذ أكد وجود الظاهرة لكنه اعتبر أن الأخطر في الموضوع هو انعدام الوعي بها خاصة من قبل معلمات رياض الأطفال وبعض الاختصاصيين الاجتماعيين الذين لا يعلمون ماذا تعني كلمة صمت إرادي، مشيراً إلى أن الظاهرة تأخذ أبعاداً عالمية فهي ليست مشكلة محلية ترتبط بمجتمع معين أو بدولة معينة ونظرا لأن المشكلة لها طابع عالمي، فقد ظهرت في كثير من دول العالم بعض المؤسسات والمراكز البحثية التي تهتم بدراسة المشكلة وطرح الحلول كما تزيد عدد الجمعيات الخاصة بها على 150 مجلة إلا أن الأبحاث في الوطن العربي لا تولي الموضوع أي اهتمام والدليل على ذلك ندرة البحوث الخاصة بالمشكلة أو حتى مواقع الكترونية التي لا تزيد في أحسن أحوالها على الأربعة.

وذكر اختصاصي النطق أن الامتناع عن الكلام يتم لدى الطالب في مستوى الوعي أو الشعور فهو فعل إرادي ولا علاقة له بسوء وظائف الجهاز الكلامي، مضيفاً أن العديد من الطلبة وصلوا إلى صفوف الرابع والخامس وهم يعانون من المشكلة دون أن يعالجوا في ظل تعرضهم لامتحانات تحريرية دون أي تواصل لفظي.

وقال إن نسبة الإصابة بالصمت الإرادي لا تتجاوز عالميا ال2 بالمائة إلا أنها عالية في الوطن العربي نتيجة لبعض الأسباب الاجتماعية، إضافة إلى إغفال وعدم معالجة الحالات التي تظهر لديها السمات مبكرا ومن قبل اختصاصيين.

وأوضح اختصاصي النطق أن التشخيص يتم بناء على مجموعة من النقاط أهمها استمرار الأعراض لدى الطفل لمدة ستة أشهر وظهور سمات قلق اجتماعي يحول دون التواصل اللفظي في مكان أو أكثر، إضافة إلى التاريخ العائلي ووجود مشكلة وراثية، لافتاً إلى أن تأكيد وجود الحالة بعد التشخيص يستدعي خطة علاجية محكمة يشارك فيها فريق عمل مشكل من اختصاصي النطق والاختصاصي النفسي والمعلمة والأهل وقد تحتاج بعض الحالات المعقدة إلى طبيب في الطب النفسي.

وذكر أن خطة العلاج تتلخص في عقد جلسات فردية بين الحالة واختصاصي النطق وبناء الثقة بين الطرفين حيث ينفذ المعالج مجموعة من الأنشطة التي تمارس بشكل غير لفظي كالتعبير بالرسم واللعب بالكرة ثم يليها وبصورة تدريجية الانتقال إلى الأشياء اللفظية كإخراج أصوات بسيطة لكسر الحاجز والبدء في محاورات لفظية ولا يتم ذلك في جلسة بل عدة جلسات لأنه من المهم عدم استعجال النتيجة،

وقال إن إحضار شخص قريب من الطالب أو الطالبة كصديق يشارك في الحديث يشجع على الحديث وسط أجواء حميمية ثم البدء تدريجيا بإشراكه داخل الفصل في المشاركات والأحاديث، مضيفاً أن بعض الحالات تستدعي تصوير شريط للطفل وهو يتكلم في المنزل وتسمى هذه الطريقة بالمواجهة. وأكد اختصاصي النطق أن غالبية الخطط العلاجية لا تنفذ على ارض الواقع لعدة أسباب أهمها النقص الحاد في أعداد اختصاصيي النطق على مستوى الدولة إضافة إلى عدم ايلاء المشكلة الاهتمام المطلوب.

إقرار بوجود حالات

وأوضحت فوزية صالح مديرة روضة الأمل في الشارقة أن الروضة تشهد وجود حالات لصمت إرادي قد تمتد فصلا كاملا دون ان ينطق الطالب حرفا واحداً، مشيرة إلى أن عدم وجود اختصاصي نطق يزور المدارس كما كان سابقاً يؤدي إلى تفاقم الحالة خاصة انه في مرحلة رياض الأطفال يمكن احتواء الحالة ومعالجتها بصورة أسرع وأسهل.

وذكرت أن أهمية رياض الأطفال تتضح لما لها من تأثير بالغ في نمو الطفل، حيث تتيح فرص اللعب المتنوعة ليكتشف الطفل ذاته ويعرف قدراته ويعمل على تنميتها، مشيرة إلى أن الهدف من العملية التعليمية بمرحلة رياض الأطفال هو التنمية الشاملة والمتكاملة لكل طفل في المجالات العقلية والجسمية والحركية والانفعالية.

وأوضحت ان معلمات الروضة يدخلن الأطفال ممن لا يتكلمون أو يفضلون الانعزال عن اقرانهم في أنشطة كالتمثيل بهدف كسر حاجز الخوف من التجمعات والانخراط مع زملائهم وبناء صداقات والمشاركة داخل الفصل.

وقالت نادية السيد الاختصاصية الاجتماعية في مدرسة الرفاع الثانوية في الشارقة إن الظاهرة تكاد تكون معدومة في مدارس المراحل العليا لكن بعض الطالبات يعانين من خجل زائد يمنعهن من بناء صداقات أو حتى الانخراط في الأنشطة، متهمة الظروف الاجتماعية بأن لها دوراً في إقصاء الفتاة عن المناسبات الاجتماعية الأمر الذي يدفعها للانزواء، مؤكدة انه من واقع عملها ترى ان بعض الطالبات يفضلن الصمت في حالة وجود كره لمعلمة معينة أو للمدرسة بشكل عام.

وأكدت فاطمة السلامي معلمة لغة عربية وتربية إسلامية في مدرسة الشارقة النموذجية للبنات وجود حالات صمت إرادي داخل الفصول التي تدرسها، مشيرة إلى أن العلاج يكون من خلال دراستها لحالة الطالب إذا كان لديه خوف من التواصل اللفظي مع الآخرين أو لظروف أسرية أو لمجرد الإحساس بالخوف من المعلمة أو المدرسة، مضيفة أن طريقة العلاج تتم حسب تشخيص الحالة فإذا كان الخلل عند الطالب نفسه أسعى للتقرب إليه وتبديد مشاعر الخوف في نفسه لكن اذا كانت لأسباب أسرية فان العلاج يستلزم وقتا أطول لان بعض الأسر لا تتعاون بالصورة المطلوبة.

ابحث عن العوامل الوراثية

أشارت دراسة صادرة عن أكاديمية الطب النفسي للأطفال والمراهقين في الولايات المتحدة، إلى أن نسبة المصابين بالصمت الانتقائي هي واحد بالمئة، مؤكدة أن هذا النوع من الاضطرابات مساو في الانتشار للتوحد، وأن 30% ممن يصابون به يعانون مشاكل في النطق تضاعف من حدة المشكلة. وتصيب هذه النوعية من الاضطرابات الأطفال بين الثالثة والرابعة، خاصة البنات، ويعتقد أن العامل الجيني له دور كبير في هذه المشكلة، حيث إن 70% من المصابين يوجد لديهم تاريخ للإصابة بالمرض في عائلاتهم، ويرجع الخبراء أصل المشكلة إلى وجود نوع من الخوف الفوبيا الاجتماعية التي يصاب بها المريض. ويمكن تمييز الطفل المصاب عن الآخرين في حال زادت مدة ابتعاده عن الآخرين لأكثر من شهر.

نورا الأمير