يقدم هذا الكتاب عرضاً وافياً لأحوال القوة العظمى في العالم ويناقش مكانة أميركا المستجدة مع مطالع القرن الحادي والعشرين، ويعرض لما يتوقع أن تواجهه من تحديات مستخدما في ذلك أساليب التحليل المختلفة التي تغطي النواحي العسكرية والسياسية والنفسانية على السواء.

ولعل القيمة الأساسية لمثل هذا الكتاب أنه لم يصدر عن كاتب أميركي، بحيث يتهم بالتحيز لصالح أميركا أو بالتحامل على صانعي السياسة على صعيدها في المرحلة الراهنة وهم بالطبع فصيل المحافظين الجدد الذين ما برحوا يحكمون أو يتحلقون من حول الذين يحكمون في البيت الرئاسي الأبيض أو في مستشارية الأمن القومي أو في صناعة القرار العسكري في البنتاجون.

المؤلف جوزيف جووف ألماني الأصل أميركي التعليم والنزعة.. تخرج في جامعة هارفارد وقام بالتدريس في كبرى المعاهد والجامعات الأميركية المرموقة ويجمع بين التحصيل الأكاديمي وبين مهنة الصحافة والكتابة في الدوريات والفصليات الرصينة المعنية بالقضايا السياسية والعلاقات الدولية. عندما صدر هذا الكتاب في صيف عام 2006 الحالي استقطب لفوره اهتمام جموع المحللين السياسيين ومنهم من عرك السياسة من مواقع المسؤولية ومنهم أيضا من ذاعت شهرته في مضمار العلوم السياسية والعلاقات الدولية. الدكتور بريجنسكي، كان مستشارا للأمن القومي في البيت الأبيض وصف الكتاب بأنه أقرب إلى ملاحة عالمية وربما كوكبية شاملة في محيط التحديات التي تواجه القوة العظمى الوحيدة في عالم اليوم. أما البروفيسور فرانسيس فوكوياما (صاحب كتاب ومقولة نهاية التاريخ) فقد لخص محور كتابنا بعبارة طرحها على شكل سؤال يقول: تُرى لماذا تَجمع الولايات المتحدة بين كونها محلا للبغض وللحسد رغم أنها القوة التي يعتمدون عليها في طول العالم وعرضه؟

الأصل ألماني.. والهوى أميركي... يجمع مؤلف الكتاب بين صفات مهمة وعديدة فهو أوروبي ـ ألماني الجنسية.. ولكنه تلقى دراساته العليا في أميركا ـ جامعة هارفارد بالذات. والمؤلف أيضا يجمع بين مهنة الصحافة حيث يعمل رئيسا لتحرير صحيفة «زايت» الألمانية الكبرى ويكتب بانتظام في كبريات الدوريات السياسية الأميركية مثل فورين بوليسي وفورين أفيرز.. وهو في الوقت نفسه يشتغل بالتدريس أستاذا في عدد من الجامعات الأميركية المرموقة وفي مقدمتها جامعة ستانفورد التي اشتهرت على صعيد المشهد الأكاديمي بالولايات المتحدة بالتعمق في مجالات السياسة والقانون. ونحسب أن المؤلف قد وفق إلى حد ملفت في اختيار عنوان الكتاب حيث يتردد في المقاطع والكلمات أصداء ألمانية في تلميح إلى النظرة الأوروبية إلى أميركا بوصفها مع مطلع القرن الجديد القوة الغالبة في رأي البعض بقدر ما أنها القوة الغاشمة في آراء أخرى. ثم يأتي العنوان الفرعي معبرا عن الإغراء ـ الغواية التي تستدرج هذه القوة العظمى ـ أو الدولة الأعظم إلى حيث النزعة الإمبريالية أو الشهوة الإمبراطورية.. بمعنى رغبة التسلط ناجمة عن موقع التفرّد.. ونزعة الهيمنة لا على شعوب مستضعفة أو متخلفة أو نائية الموقع في هذا الركن أو ذاك من جنوب العالم، ولكن أيضا على أبناء العمومة الأوروبيين أنفسهم، الذين جارت عليهم تقلبّات الزمان وتنكرّ لهم وجه الدهر وغربت ألف شمس على دولهم..

بل إمبراطورياتهم الغابرة فكان أن تحولت مكانتهم إلى مكان ـ مجرد مكان ـ يقبعون في زواياه انتظارا لما يشير به ابن عمومتهم الموسر المدللّ بقوته وبتفرّده، وقد يكون هذا الدلال راجعا إلى عنجهية القوة المغرورة على نحو ما عبر يوما سياسي أميركي مخضرم هو السناتور الراحل ويليام فولبرايت.

وقد يرجع أيضا إلى سلوك «محدث النعمة» الذي وجد نفسه بين يوم وليلة، أو بالأدق بين عالم ثنائي القطبين ومن ثم في قرن جديد زال فيه المنافس ـ الغريم السوفييتي وترك القطب الأميركي فريدا في المكانة.. كيف لا وقد تحّول كما قد تقول من نصف عملاق إلى عملاق مكتمل البنيان.

عناوين دالة

لا عجب أن يختار المؤلف ـ بحكم حاسته الصحافية ـ عنوانين لأول فصلين من فصول كتابه السبعة: يدل الأول على تطور الظروف حيث يقول العنوان (عالم متفكك)، فيما يقول العنوان الثاني «وعملاق منطلق». وبعدها يأتي عنوان الفصل الثالث أقرب إلى النتيجة المنطقية وفيه يقول المؤلف: صعود نزعة العداء لأميركا.

في كل حال، يتميز الكتاب في رأينا ـ وأيضا في رأي البروفيسور جوزيف ناي (صاحب كتاب ونظرية القوى الصلبة والقوى الناعمة ـ اللينة في السياسة الخارجية) ـ بأسلوب يجمع بين الدقة والرهافة في التحليل السياسي والبلاغة الصحافية وهو ما يمثل تحديا بدوره لدى محاولة استعراض أفكار الكتاب من منظور النقد والمناقشة والتعليق.

ها هو المؤلف «جوزيف جووف» يفتح الستار على مشهد درامي منذ السطور الأولى قائلا: في يوم الكريسماس (25 ديسمبر) من عام 1991.. قبض طائف الموت روح أكبر إمبراطورية عرفها العالم عبر التاريخ.

ومن عجب ـ يوضح المؤلف ـ أن هذا الحادث قُيّد في دفاتر الزمان على أنه كان انتحارا بمعنى أن الاتحاد السوفييتي اختار في ذلك الأسبوع القارس البرودة من مفتتح التسعينات أن يحل نفسه بنفسه وأن يقصف طوعا عمر الإمبراطورية التي كان يتحكم بمقاليدها، ولأن اللحظة كانت مكثفة من حيث تراجيديا الانتحار الإمبراطوري، فقد استعصت وقتها على التحليل والتأمل العميق، ولكنها تركت، وما برحت تترك، آثارها على مسيرة البشرية وأحوال عالمنا حتى كتابة هذه السطور.

هكذا تحدث كينان

من هذه التأملات ما كان واجبا أن تستعاد معه مقولة واحد من مخضرمي السياسة الأميركية وهو السفير الأسبق «ور كينان» الذي سبق منذ أكثر من نصف قرن إلى نصيحة موجهة إلى ساسة أميركا تجاه القطب السوفييتي السابق، وقال فيها: أهم عنصر في أي سياسة تتبعها أميركا تجاه الاتحاد السوفييتي لابد وأن يتمثل في نهج الصبر والنفس الطويل مقترنا في الوقت نفسه بالعمل الدؤوب اليقظ الواعي على احتواء (محاصرة) النوازع التوسعية الروسية.

هذه العبارات ظلت أقرب إلى إنجيل السياسة الأميركية تجاه موسكو (الشيوعية) إلى أن أفضت، بصورة أو بأخرى، إلى لحظة وفاة الإمبراطورية السوفييتية في تمام الساعة السابعة و32 دقيقة من مساء 25 ديسمبر 1991 حين تم إنزال العلم الشيوعي الأحمر الذي يصور المطرقة والمنجل وارتفع بدلا منه فوق قصر الكرملين علم روسيا بألوانه الأبيض والأزرق والأحمر.

وبعدها طويت صفحة الإمبراطورية السوفييتية التي كانت ضعف مساحة أميركا وكانت تضم 25 جمهورية ويعيش على رقعتها أخلاط وأمشاج شتى من شعوب وأعراق وديانات وجنسيات وقوميات وكانت هذه الرقعة تمتد عبر 11 منطقة زمنية مختلفة التوقيت من كرة الأرض وتبلغ حدودها البرية 20 ألف كيلو متر فيما كانت تمتد حدودها الساحلية على طول 38 ألف كيلو متر.

يطول الشرح في محاولة تفسير أسباب الانتحار الذي جاء أقرب إلى القتل الرحيم الذي مارسه طبيب الاتحاد السوفييتي الذي حمل اسم غورباتشوف، وهو الذي ناول مريضته الواهنة ـ اليائسة عقار النهاية. لكن ثمة إجماع على أن الداء الأساسي الذي أصاب الكيان السوفييتي كان يتمثل في كلمة واحدة هي: «التخلف» ـ وهو تخلف نسبي بالطبع عن غريمه أو عن الغرماء في أميركا وأوروبا الغربية وربما عن اليابان أيضا.

فولتا العليا.. النووية!

لهذا يسوق مؤلفنا عبارة مفعمة بالسخرية والدقة أيضا حاولت تفسير سقوط الاتحاد السوفييتي وجاءت على لسان مستشار ألمانيا الأسبق هيلموت شميدت وقال فيها: كان الاتحاد السوفييتي عبارة عن فولتا العليا ولكن مع امتلاك أسلحة نووية.

في كل حال انفتح الطريق أمام القطب الباقي ـ الأميركي لكي ينعم بالإنفراد ويلوح أمام ناظريه شعار وإغراء مطروح باستمرار هو:

الهيمنة

* لكن بأي مفهوم وبأي أسلوب؟

ـ هنا يحرص كتابنا على أن يتوقف مليا عند فكرة الهيمنة ليقول إنها لم تعد حسب الأسلوب أو المفهوم التقليدي المتعارف عليه في مراحل التاريخ: زمان كانت الهيمنة هي سطوة عاتية تمارسها دولة أو إمبراطورية كبرى في عالمها وعصرها وتتحكم من ثم في مقاليد الأمور.. صغيرها وكبيرها فيما يدور في فلكها ويأتمر بتوجيهاتها وأحيانا بإملاءاتها من دول وممالك ومن كيانات ودويلات.

كان هذا مثلا حال الإمبراطورية الرومانية التي كانت قاعدتها الإيطالية تطل على البحر المتوسط.. ولهذا السبب أطلق عليه العرب اسمه القديم: بحر الروم، بمعنى بحر الرومان، أباطرة الإمبراطورية القديمة وعواهلها. لكن مع تغير الأحوال وتبدل ظروف العالم اتخذت الهيمنة، أو فلنقل اكتسبت النزعة الإمبراطورية سببا آخر، قد يكون مستترا وقد يكون واضحاً ولكنه بالتأكيد سبب قوي وجيه وبالغ الأهمية.

هنا يوضح لنا المؤلف أن السبب الأساسي لوجود الإمبراطورية الأميركية المحدثة، وهو بنفس المقياس سبب حاجة الآخرين إليها هو ما تلخصه العبارة التالية الواردة على صفحة 24 من هذا الكتاب: إن أميركا باتت تضطلع بدور بنك الأمن أو هي قطب الضمان والأمان الذي يستطيع الفعل ويقدر على التنفيذ عندما يعجز الآخرون.

الهيمنة.. طبعة جديدة

بعد هذا التعريف الذي قد نقبله وقد نرفضه وقد نتحفظ عليه من ناحيتنا، يواصل المؤلف الإيضاح والتفسير قائلا إن الهيمنة في زماننا لم تعد مرادفة للقهر أو القسر أو الإخضاع، وربما تستطيع أميركا ـ وقد فعلتها في أكثر من مناسبة سابقة ـ أن تمارس هذا السلوك قهرا أو إخضاعا أو قسرا بحق دول هشة أو دويلات مستضعفة،

وربما تفعل ذلك بالنسبة لجارة صغيرة اسمها بنما (أيام بوش ـ الأب) أو دويلة جزيرة مثل غرينادا (أيام رونالد ريغان) بل ربما تتمادى نزعة الهيمنة الأميركية فتعمل كما عملت مع بوش الحالي على إنهاء نظام طالبان في أفغانستان أو محاربة وإسقاط نظام صدام حسين في بغداد،

لكن ماذا عساها ـ واشنطن ـ أن تفعل حيال قوى جديدة ربما تكون مستعصية في اللحظة الزمانية الراهنة؟ هذه القوى أو الدول لها تعريفات شتى يوردها مؤلف الكتاب. يقول جوزيف جووف: هناك قوى صاعدة مثل الصين والهند،

وهناك قوى عائدة مثل روسيا وقوى محتملة مثل فرنسا وقوى واعدة مثل الاتحاد الأوروبي وأخيرا قوى ذات مستقبل مثل اليابان. ومن تلك القوى التي يضمها عالم اليوم ما يستطيع ردع الولايات المتحدة عند اللزوم مثل روسيا أو الصين بل قد يضاف إليهما ـ في نهاية المطاف ـ كل من إيران وكوريا الشمالية (ص27).

مرة أخرى، لم تعد أساليب التصدي والمواجهة كما كانت في زمان مضى، بمعنى أن التصدي في وجه الدولة المهيمنة أو القوة الدولية الأعظم لم يعد يتخذ بالضرورة شكل المجابهة العسكرية المسلحة. ويضيف المؤلف قائلا: كل القوى والدول والكيانات التي أتينا على ذكرها في السطور السابقة تستطيع أن تقاوم الدولة رقم واحد في عالمنا المعاصر بطريقة أو بأخرى.

قد يبدأ مثل هذا التصدي بهدوء حين ترفض هذه الدولة أو تلك التعاون مع أميركا على إصدار قرارات في مجلس الأمن ترغب واشنطن أو تتوق أحيانا إلى إصدارها. أو قد تضع هذه الدولة أو تلك عراقيل من جانبها لتعرقل مسيرة التعاون الاقتصادي أو تطور التبادل التجاري مع واشنطن. لهذا يعمد المؤلف إلى استخدام تعبير التصدي الذي يدنو كثيرا عن حالة قهر الخصم أو هزيمته أو تجريده من سلطانه.

إن المؤلف يسلّم أساسا بأن هيمنة أميركا لا تكمن في قوتها العسكرية.. ولا حتى في قدراتها الاقتصادية.. إنه يقف مليا ـ وهذا درس مستفاد لنا ولغيرنا ـ عند أهم ما يميز المنعة الأميركية وهو باختصار شديد ما يلي: إن أميركا ترصد أكبر إنفاق على مجالات البحث والتطوير سواء في ميادين العلم (النظري) أو مضمار التكنولوجيا (العملية) وهو أكبر إنفاق من نوعه في العالم بأسره.

وأميركا لديها أهم الجامعات وأعمقها نفوذا وإسهاما في الميدان الأكاديمي مما يتيح لها أن تجتذب أفضل وأصفى وأمهر العقليات والمهارات في العالم.

وأميركا تتمتع بقدرات ثقافية سواء على المستويات الرفيعة (هار؟ارد نموذجا) أو المستويات المتواضعة أو الشعبية الرائجة (هوليوود نموذجا). وبين هار؟ارد وهوليوود تمارس أميركا تأثيراتها عبر أصقاع الكرة الأرضية وعلى نحو لم يسبق أن شهدته لا الإمبراطورية الرومانية أيام مجدها اللاتيني ولا الإمبراطورية البريطانية التي لم تكن الشمس تغرب عن ممتلكاتها.

لهذا استحقت أميركا أن يطلق عليها الفرنسيون تعبير (هايبر بويسانس) أو يطلق عليها الألمان (أوبرباور) وكلا التعبيرين يؤدي معنى القوى الغالبة أو الدولة الأعظم، فما بالك وقد اختفى من أمامها المنافس الأخطر والأكثر شراسة الذي حمل يوما اسم الاتحاد السوفييتيّ وترك على خارطة عالمنا هذا الكيان الهايبر عملاقا مدللاّ بقوته بل بجبروته يتجول في زوايا الكرة الأرضية بغير منافس، على الأقل حتى كتابة هذه السطور.

العملاق المنفلت

هذا هو العملاق غير المقيد.. المنفلت على نحو ما يسميه المؤلف في عنوان الفصل الثاني من هذا الكتاب، هذا الكائن المستجد على خارطة العالم والعصر استطاع في حرب الخليج الثانية (تحرير الكويت) أن يحشد جيشا قوامه 700 ألف جندي جاء بهم من أركان الأرض الأربعة وعبر مفازات وبحار ومحيطات، وليس لك أن تستهين بهذا الرقم من الحشد العسكري الذي قصدت به أميركا إلى محاربة جيش من العالم الثالث كان قد بعث به حاكم بغداد وقتها لغزو الكويت.

قارن هذا الحشد مع رقم آخر هيأه الجنرال ايزنهاور وخاض به معركة الحسم التي سارت بأخبارها الركبان قرب منتصف الأربعينات لأنها أنهت الحرب العالمية الثانية بعد اشتعال نيرانها على مدار خمس سنوات تقل أو تزيد. في هذا السياق تقول حوليات تلك الحرب الكونية:

في يوم 6 يونيو 1944 بدأ «أكبر إنزال عسكري في التاريخ» على ساحل نورماندي في فرنسا، ولقد كان الهدف هو الزحف إلى حيث القضاء على إمبراطورية هتلر في برلين. ولذلك روعت الدنيا عندما علمت أن الجنرال ايزنهاور حشد لقواته عددا «مهولا» يبلغ 156 ألف جندي.

هنا يضيف المؤلف موضحا أنه ما كان لأميركا أن تحشد هذا المليون إلا ربعا مع فاتح التسعينات في صحراء شرق الجزيرة العربية (معارك عاصفة الصحراء) إلا بعد أن تيقنت أنها كانت وحدها أو كادت تكون وحدها قطبا محوريا في السياسة والعسكرية في عالم العقد الأخير من القرن العشرين.

وسط هذه الملابسات ارتفعت الدعوة إلى «نظام عالمي جديد». ورغم أن الدعوة كان ظاهرها التعاون والشرعية وحقوق الشعوب إلا أن جوهرها كان تكريس وضعية الدولة الأعظم ـ الأوبرباور ـ وإتاحة المجال أمامها لكي تنعم بما استجد عليها من نفوذ وامتيازات.

في هذا الصدد بالذات يعمد المؤلف إلى تذكيرنا بأن السنوات الثماني من ولاية الرئيس كلينتون لم تكن فترة مسالمة ولا غزل موصول ولا سياسات ناعمة مع هذا الطرف أو ذاك من عالم التسعينات. لقد كانت سياسات «إمبراطورية» بالدرجة الأولى واستخدمت واشنطن فيها القوة العسكرية بأكثر مما فعلت إدارة ريغان الجمهورية من قبل!.

لكن، لأن إدارة كلينتون كانت تراعي أصول اللباقة والثقافة والدبلوماسية بتوسع كبير وربما بذكاء محسوب، فقد استطاعت ماكينة الشعارات في عاصمتها أن «تبيع» موقع الهيمنة الإمبراطوري إلى عالم العقد الأخير من القرن العشرين دون أن تتكلم عن أميركا ـ دولة الهيمنة الإمبريالية المفترية.. لقد كان الشعار المرفوع وقتها ـ كما يستعيده هذا الكتاب، وكما رددته كثيرا دوائر الخارجية الأميركية في عهد مادلين أولبرايت هو: نحن الدولة ـ الضرورية.. الدولة التي لا يمكن الاستغناء عنها.

عرض ومناقشة: محمد الخولي