يتناول المؤلف في هذه الحلقة تراجع سقف طموحات الجيش الإسرائيلي فيما يتعلق بأهدافه المعلنة من شن حرب على لبنان، وذلك بعد انقضاء أسبوعين على احتدام المعارك في جنوب لبنان من دون أن يحقق تقدماً يذكر رغم كثافة القصف الجوي والبري والبحري، وهو ما اضطره إلى التفكير برفع مستوى المجهود الحربي من خلال استدعاء وحدات اضافية من جنود الاحتياط لتعزيز قواته الموجودة في الميدان.

ويشير المؤلف إلى أن القادة العسكريين أخذوا يفكرون بتطبيق النموذج الأميركي الذي استخدم في الفلوجة ضد المقاومة العراقية من حيث تكثيف القصف الجوي التدميري الشامل لكي يطال جميع المباني التي يعتقد بتمركز المقاومة فيها. وبالفعل هذا ما حدث في قرى المواجهة الجنوبية مثل بنت جبيل ومارون الراس ولكن من دون تحقيق اختراقات في صفوف المقاومة اللبنانية. وجاء قصف بناية سكنية في قانا الذي أوقع مجزرة ذهب ضحيتها العشرات من الأطفال والنساء الأبرياء ليزيد من الانتقادات الموجهة لإسرائيل وحليفتها ويرفع من مستوى التعاطف مع حزب الله.

عندما تتم ممارسة الدبلوماسية الحديثة على أعلى المستويات، هناك دائماً وقت يدلي فيه المسؤولون المعنيون بتصريحات إعلامية في هذا الاتجاه أو ذاك، وهناك وقت آخر مكرس للمفاوضات السياسية، الجدية والسرية. ولا يتردد مؤلف هذا الكتاب في تصنيف الزيارة التي قامت بها كوندوليزا رايس، وزيرة الخارجية الأميركية إلى إسرائيل يوم 24 يوليو 2006 في الفئة الأولى، أي الإدلاء بتصريحات إعلامية وليس أكثر.

وكان واضحاً أنه لم يكن لدى رايس أية نية للضغط على إسرائيل كي توقف عملياتها العسكرية ضد لبنان.. وهذا تماشياً مع ما كان الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش يردده طيلة الأسبوعين الأولين للحرب انه «من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها.

ثم أن الولايات المتحدة التي وضعت رسمياً حزب الله على قائمة المنظمات الإرهابية اعتبرت العملية العسكرية الإسرائيلية تندرج في «حربها الشاملة ضد الإرهاب» ولا شك أن الأميركيين لم ينسوا العملية التي استهدفت جنود المارينز في بيروت عام 1983 وقتلت 241 منهم، وكانت عملية مماثلة أخرى قد قتلت 58 من الجنود الفرنسيين الذين كانوا يتواجدون في لبنان.

ويرى مؤلف هذا الكتاب أن مكانة إسرائيل قد تبدلت في إطار اللعبة الدبلوماسية الكبيرة بسبب هذه الحرب الجديدة إذ أنها لم تعد مجرد الحليف «الضمني» للولايات المتحدة في الشرق الأوسط.. وحيث كان مطلوباً في نزاعات المنطقة الكبرى وتحديداً حرب الخليج الأولى عام 1991 وغزو العراق في شهر مارس 2003. لكن الأمور تغيرت في عام 2006 وغدت إسرائيل هي «الشريك المتميز في مشروع جورج دبليو بوش لبناء الشرق الأوسط الجديد الديمقراطي».

لكن بعد مرور حوالي أسبوعين من العمليات العسكرية الإسرائيلية على جميع الأراضي اللبنانية كان ينبغي على وزيرة الخارجية الأميركية ان تقول، فيما هو أبعد من إعلان دعمها لإسرائيل، شيئاً جديداً ما للمسؤولين الإسرائيليين، وهكذا تحدثت عن «الجانب الإنساني» للأزمة.. و «حصلت» على موافقة الإسرائيليين بإرسال مؤن وأدوية إلى مدينة صور التي كانت تعاني من الحصار البحري الإسرائيلي بينما كانت عمليات القصف تستهدف في الوقت نفسه جميع الطرق المؤدية إلى جنوب لبنان.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت قد كرر لرايس ـ أي كرر موجهاً الحديث فعلياً للصحافيين الذين كانوا يقومون بتغطية زيارتها، كما يحدد مؤلف هذا الكتاب ـ القول ـ ان حكومته تسعى بالتحديد إلى «تحقيق الهدف الذي حددته المجموعة الدولية حسبما نص عليه القرار 1559» الخاص بلبنان..

كذلك تتم الإشارة في نفس السياق إلى ما كان قد أجاب فيه أولمرت على وزير الخارجية الفرنسي قبل ثلاثة أيام من زيادة رايس، عندما قال له ان الجيش الإسرائيلي يدمر لبنان كله وجاء فيه، أي تصريح أولمرت: «معضلتنا هي التالية: علينا تدمير حزب الله دون تدمير الحكومة اللبنانية التي هو عضو فيها، واعترف ان هذا ليس سهلاً».

إسرائيل تحشد الاحتياطي

بدا واضحاً لقيادة أركان الجيش الإسرائيلي أنها تواجه عدواً أخطأت كثيراً في تقييم قدرته القتالية، ولذلك أعادت يوم 26 يوليو 2006 النظر في الوضع في اتجاه التقليل من طموحاتها الإستراتيجية ورفع مستوى المجهود الحربي المطلوب من الإسرائيليين، وبناءً على طلب صريح من قيادة أركان الجيش سمحت الحكومة الإسرائيلية في اجتماع ضم الوزراء السبعة الرئيسيين فيها استدعاء وحدات جديدة من جنود الاحتياط الإسرائيليين... هكذا جرى استدعاء حوالي خمسة وعشرين ألف جندي احتياط جديد بالإضافة إلى العشرة آلاف الذين كان قد تم استدعاؤهم.

ولكن إذا كانت عمليات القصف التي قام بها الجيش الإسرائيلي قد دمرت قسماً كبيراً من البنية الأساسية ـ التحتية للبنان فإنها قد أظهرت عدم قدرتها على منع مقاتلي حزب الله من إطلاق صواريخهم على شمال إسرائيل.. ففي يوم 27 يوليو أصابت رشقة من قذائف الكاتيوشا التي أطلقها مقاتلو حزب الله معملاً للمنتوجات الكيميائية في كريات شمونة..

وفي نفس اليوم تم الإعلان عن مقتل خمسة جنود وثلاثة ضباط إسرائيليين في المعارك التي دارت في بلدة بنت جبيل.. لقد لقي هذا الخبر صدى كبيراً لدى الرأي العام الإسرائيلي الذي كان قد بدأ بالتساؤل عن قدرة جيشه في المعركة ضد قوات حسن نصر الله.. وينقل المؤلف باكتيه الصحافي الإسرائيلي المعروف «يوسي سريد» في جريدة «هآرتس» يومذاك وجاء فيه: «لقد قال لنا قادة جيشنا خلال سنوات أنه لا ينبغي الحكم على هذا الجيش إلا على ضوء النتائج التي يحققها. والنتائج التي يحققها اليوم هي مخيبة للآمال كثيراً».

ويقول المؤلف ان الجيش الإسرائيلي قد «فهم» عبر معركة بنت جبيل إستراتيجية مقاتلي حزب الله.. وينقل عن ضابط إسرائيلي كبير طلب عدم ذكر اسمه، قوله: «ان قوة حزب الله تأتي من انه ليس لديه أهداف في السيطرة على الأرض»، وإنما «يتمثل هدفه في قتل أكبر عدد ممكن من الجنود الإسرائيليين مما يسمح له بتعزيز موقعه في العالم العربي.. ومن هنا عرف كيف يحافظ على قدرة حركية عالية وان يقوم دائماً بالهجوم حيث لا ينتظر أحد أن يفعل ذلك».

ونقرأ فيما كتبه المؤلف عن الطريقة القتالية التي اتبعها مقاتلو حزب الله ـ ما يلي: «أن حزب الله يعد بعناية فائقة دائماً الكمائن التي ينصبها. والخطة التقليدية التي يتبعها هي التالية: تتم مناقشة وحدة إسرائيلية متقدمة لكن تطلب تعزيزها بالآليات.. لكن مقاتلي حزب الله يكونون قد قاموا أصلاً بزرع ألغام أو سد جميع الطرق المؤدية إلى موقع تلك الوحدة. وهكذا يتم تحطيم المدرعات التي تصل بواسطة لغم مزروع يتم تفجيره عن بعد أو بواسطة صاروخ موجه ذاتياً من طراز ساجير يتم إطلاقه من أحد البيوت القريبة».

ويرى المؤلف أن هناك سبباً آخر يفسر النجاحات العسكرية لحزب الله في بداية الأسبوع الثالث للقتال.. وهو أن مقاتليه الذين يعرفون الميدان الذي يقاتلون فيه بكل تفاصيله الصغيرة، كانوا أيضاً يتمتعون بروح معنوية عالية بسبب الحماس الذي أثاروه في شوارع المدن العربية.. بينما كان في مواجهتهم جنود شبان من وحدات النخبة الإسرائيلية ـ وحدات المظليين ولواء جولاني ـ الذين كانت لديهم تجربة عسكرية محدودة في المعارك المتفرقة التي عرفها قطاع غزة.

أمام الصدمة التي أثارها التقهقر في معركة بنت جبيل طلب ضباط القوات البرية الإسرائيلية من قيادة الجيش زيادة الدعم الجوي للعمليات الأرضية بحيث يسبق أي تغلغل في الأراضي اللبناني قصف جوي كثيف.. وذلك على الطريقة التي لجأ إليها الجيش الأميركي عندما قام بهجومه على مدينة الفلوجة العراقية، وقام بالتدمير الكامل المسبق لأية بناية «مشبوهة» قبل تقدم الدبابات وجنود المشاة.

لكن في الحالة اللبنانية كان مصدر الخطر بالنسبة للإسرائيليين هو أن يغيّر مقاتلو حزب الله مواقعهم تحت جنح الظلام كي يستأنفوا المعركة في مواقع أخرى، مثلما حدث في «المثلث السني» في العراق، حسب تعبير مؤلف هذا الكتاب قبل أن يضيف: «بتاريخ 12 يوليو 2006،

وبعد خطف الجنديين الإسرائيليين على الحدود، وعد دان حالوتس، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي بحرب قاسية وإنما قصيرة الأمد، لكن وفي بداية الأسبوع الثالث للحرب كان الإسرائيليون من مدنيين وعسكريين يدركون أن الجنرال قد انخدع كثيراً فيما قاله».

مجزرة قانا 2

بتاريخ 26 يوليو 2006 شهدت العاصمة الإيطالية روما انعقاد مؤتمر دولي حول الأزمة اللبنانية بحضور الولايات المتحدة الأميركية وروسيا والبلدان الأوروبية والبلدان العربية الكبرى، وتعززت في ذلك المؤتمر فكرة تشكيل قوة دولية في جنوب لبنان من دون أن يتم التوصل إلى اتفاق على الوقف الفوري لإطلاق النار، إذ ألمح الوفد الأميركي، تماشياً بذلك مع الموقف الإسرائيلي، على ضرورة الوصول إلى حل « فاعل ودائم» ينص على الانسحاب المسبق لحزب الله من جنوب لبنان.

وفي ليلة 29 إلى 30 يوليو 2006 قام الجيش الإسرائيلي بقصف بلدة قانا في جنوب لبنان، واستهدفت إحدى القنابل الإسرائيلية الموجهة بواسطة الليزر عمارة مدنية، مما أدى إلى مقتل العشرات، أغلبيتهم من الأطفال والنساء الذين دُفنوا تحت الأنقاض. وفي نهاية الفترة الصباحية بعد القصف وصل رجال الإسعاف وفي الوقت نفسه العديد من طواقم المحطات التلفزيونية الدولية المتواجدة آنذاك في مدينة صور لتغطية أحداث الحرب الدائرة في جنوب لبنان، وطافت صور الأطفال الصغار المقتولين شاشات التلفزة في العالم كله.

وكانت الحرب الجوية الكثيفة التي استهدفت فيها الطائرات الإسرائيلية الأراضي اللبنانية قد أظهرت عدم فاعليتها الحقيقية ضد حزب الله، إذ لم تستطع آلاف الغارات (ما يزيد على أربعة آلاف) التي قامت بها طائرات إف ـ 16 أن تمنع تساقط قذائف حزب الله على شمال إسرائيل، إذ شهد يوم 29 يوليو وحده 134 قذيفة، وكان مقاتلو حزب الله لا يزالون متمترسين في مواقعهم في مختلف القرى الحدودية بجنوب لبنان، حيث كانوا يصدّون تقدم الآليات الإسرائيلية.

وصلت أخبار القصف الإسرائيلي الرهيب لبلدة قانا إلى وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس عندما كانت في إسرائيل للتنسيق مع بيريتس وزير الدفاع الإسرائيلي من أجل إعداد مشروع أميركي كانت الولايات المتحدة تنوي تقديمه يوم 12 أغسطس لمجلس الأمن الدولي.

وكان يُفترض أن تنتقل إلى لبنان للحصول على موافقة الحكومة اللبنانية على المشروع الأميركي. لكن المأساة التي أصابت قانا أفشلت تلك الدبلوماسية الأميركية، إذ ألغت الحكومة اللبنانية زيارة رايس بعد قصف قانا الذي استهدف مدنيين لبنانيين، وأعلن رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة انه لن يكون هناك أي تفاوض مع الولايات المتحدة طالما أن إسرائيل لم تعلن وقف إطلاق النار.

وينقل المؤلف عن كوندوليزا رايس تصريحها بعد قصف قانا: «إن مشهد تلك النساء وأولئك الأطفال القتلى كل يوم ليس محتملاً، إننا نعمل في ظروف صعبة جداً لوضع حد لذلك العنف». ثم قطعت وزيرة الخارجية الأميركية زيارتها للمنطقة بعد رفض استقبالها من قبل الحكومة اللبنانية وعادت مباشرة إلى واشنطن كي تعمل على إنجاز المشروع الأميركي الذي تمثلت خطوطه الرئيسية في إرسال قوة دولية إلى جنوب لبنان، ثم يأتي بعد ذلك وقف إطلاق النار يتبعه اتفاق سياسي يقضي بنشر الجيش اللبناني في المنطقة الحدودية.

مشروع القرار الفرنسي

لكن وزيرة الخارجية الأميركية وجدت ان هناك مشروع قرار مختلفاً تماماً عن المشروع الأميركي أعدّته فرنسا. وقد نصّ المشروع الفرنسي، خاصة على وقل إطلاق النار أولاً، ثم الحصول على اتفاق سياسي بين القوى اللبنانية ينص على نشر الجيش اللبناني على الحدود الجنوبية، وبعد هذا كله إرسال قوة دولية تكون مكلّفة بالعمل على احترام الاتفاق الذي تمّ التوصل إليه بين الفصائل اللبنانية، وكان من جرّاء قصف الإسرائيليين للعمارة المدنية في قانا أن عزز، من دون قصد ذلك بالطبع، الموقف الفرنسي بنظر الرأي العام العالمي.

ويرى المؤلف أن وزيرة الخارجية الأميركية قد اقتربت تدريجياً من الموقف الفرنسي لأسباب ثلاثة، السبب الأول هو اعتقادها أن الأمر المهم يكمن في أن تعمل الولايات المتحدة وفرنسا من أجل تحقيق الهدف نفسه، أي نزع سلاح حزب الله، وسط سيادة الحكومة اللبنانية على لبنان كله.

والسبب الثاني هو أن الولايات المتحدة لم تكن مستعدة لإرسال جندي أميركي واحد إلى لبنان، وبالتالي لا يمكنها أن تملي على فرنسا الكيفية التي ينبغي عليها التصرف على أساسها؟ هذا لا سيما وأن باريس كانت قد أعلنت عن استعدادها لإرسال عدد كبير من جنودها إلى الجنوب اللبناني،

والسبب الثالث هو أن كوندوليزا رايس كانت تريد أن تتجنب بأي شكل أن يحدث مرة أخرى داخل مجلس الأمن ما كان قد حدث من تباين كبير في الموقفين الأميركي ـ والفرنسي أثناء مناقشة الأزمة العراقية يوم 5 فبراير عام 2003، أي عندما دعت واشنطن إلى الخيار العسكري، بينما أصّرت باريس بأنه لم يكن قد جرى بعد استنفاد فرص الوصول إلى حل سلمي للأزمة.

لكن الحكومة الإسرائيلية لم تكن تريد آنذاك أي وقف لإطلاق النار على خلفية الاعتقاد بأن ذلك كان لصالح حزب الله الذي كان برأيها، سوف يستفيد مباشرة من الهدنة كي يعيد تسليح نفسه ويعيد نشر قواته على الحدود ثم يدخل في مفاوضات طويلة الأمد مع الأطراف الأخرى،

وبعد أن يشير مؤلف هذا الكتاب إلى التبريرات التي قدمتها إسرائيل لقصف قانا على أساس أن 150 قذيفة كانت قد انطلقت منها خلال الأيام القليلة التي سبقت القصف، يصف مقر قيادة أركان الجيش الإسرائيلي في تل أبيب، حيث كان قد التقى بأحد جنرالات الحرب «أدو نيحو شتون» مسؤول التخطيط الاستراتيجي بالقول: «يقع مقر قيادة أركان الجيش الإسرائيلي منذ سنة في ناطحة سحاب فخمة (...) ولولا مصادفة بعض الفتيات والضباط بالزي العسكري البني الفاتح، فإنه يمكن للمرء أن يعتقد بأنه في مقر إدارة شركة تويوتا في بكين بسبب فخامة تلك العمارة».

ولم يكن الجنرال «نيحوشتون»، وهو الطيار السابق لطائرة إف ـ 16، قد قبل حتى آنذاك أن الضربات الجوية قد أصبحت غير مفيدة، كما بدا في تصريح له جاء فيه: «إننا لا نتمنى اجتياح جنوب لبنان، وبقاء قواتنا البرية فيه، لأن ذلك سيعني مباشرة اتهامنا من قبل المجموعة الدولية بأننا جيش احتلال، وفي الوقت نفسه لا يمكننا أن نسمح لحزب الله أن يشل الحياة الاقتصادية في المنطقة الشمالية كلها. وسلاح الجو يتمتع بميزة المرونة العالية التي سمحت لنا بتدمير عدد من منصات إطلاق الصواريخ».

بعد مرور أكثر من ثلاثة أسابيع على الحرب، استدعت إسرائيل أعداداً أكبر من جنود الاحتياط لإرسالهم إلى جبهة القتال.. والذين كان الكثيرون منهم قد ابتعدوا عن أي عمل عسكري منذ سنوات طويلة.. ويضرب المؤلف على ذلك مثال: دان كارميلي: الصحافي الاقتصادي في جريدة «هآرتس» الذي كان قد أنهى خدمته العسكرية قبل 12 سنة،

وعلل دعوته للتعبئة، رغم ان الحرب لم تكن حتى آنذاك قد أصبحت حرباً شاملة، بالقول: «لا تتم التعبئة عندنا تبعاً للسن، وإنما تبعاً للحاجة، وأنا كنت أعمل في مجال الاتصال اللاسلكي في الجيش ومن الواضح ان قيادة الأركان بحاجة إلى تعزيز هذا المجال من أجل عمليات تغلغل الآليات في جنوب لبنان».

وكان دان كارميلي، قد قام بدورات تدريب لمدة أسبوع إلى ثلاثة أسابيع سنوياً منذ أن أنهى خدمته العسكرية، كي يتعرف على معدات الاتصال الجديدة، ومن المعروف أن جميع الإسرائيليين هم جنود احتياط عملياً وحتى ارييل شارون نفسه كان احتياطياً عندما قامت إسرائيل بحرب يونيو 1967،

لكن «دان كارميلي» كان أحد الإسرائيليين الذين وقعوا على النداء الذي دعا الاحتياطيين إلى رفض الخدمة العسكرية في الأراضي المحتلة، وقد قال لمؤلف هذا الكتاب: «لقد وقعت ذلك النداء لأنني أعتقد أننا قد تجاهلنا طويلاً جداً الحقوق الإنسانية للفلسطينيين وتصرفنا كأسياد حيالهم ثم إن سياسة الاحتلال التي تنتهجها إسرائيل لا تتماشى مع مصالحها على المدى الطويل، كما لا تتماشى مع العدالة بصورة عامة».

نقرأ: «في ذلك اليوم 2 أغسطس 2006، صار لدي انطباع أن الحرب قد عرفت تصعيداً جديداً.. ولم يبد وقف إطلاق النار بعيداً في أية لحظة أكثر مما كان عليه في ذلك اليوم، إن أكثر من خمس كتائب إسرائيلية مدرعة دخلت إلى جنوب لبنان. كانت المعارك تدور على بعد يتراوح بين ثلاثة وسبعة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية لكن قيادة تلك الكتائب بقيت وراء الحدود على الجانب الإسرائيلي.

وكان الجنود يذهبون للقتال مساء كي يعودوا في صبيحة اليوم التالي وهم في غاية الإعياء. وجنود النخبة هؤلاء مزودون جميعهم بأجهزة للرؤية الليلية بواسطة الأشعة فوق البنفسجية».

وكانت «بلدوزرات» الجيش الإسرائيلي قد حاولت أن تشق أربعة محاور على الأقل للتغلغل في عمق الأراضي اللبنانية انطلاقاً من الحدود، وذلك من أجل تجنيب الدبابات سلوك الطرق الموجودة التي كان حزب الله قد قام بزرعها بالألغام. لكن رغم التوسع الكبير في العمليات البرية الإسرائيلية واستئناف القصف الجوي بعد توقف لمدة ثمان وأربعين ساعة بعد مجزرة قانا،

فإن هذا كله لم يكن كافياً من أجل تدمير قوة حزب الله على إطلاق قذائفه وصواريخه على المناطق الشمالية في إسرائيل إذ كان يوم 2 أغسطس قد شهد وحده استهداف هذه المناطق بأكثر من 180 صاروخاً منها.. وكان قد بلغ مدى أحد الصواريخ أكثر من سبعين كيلومتراً.

تصريحات أولمرت

بدا أن الحرب سوف تطول، وينقل المؤلف عن إيهود أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي تصريحه يومذاك: «إن إسرائيل لنا توقف إطلاق النار إلا عندما يتم نشر قوة دولية في جنوب لبنان»، ثم أضاف: «إذا لم يكن هناك تواجد دولي قوي، فإن حزب الله سوف يركز وجوده على الحدود، وهذا يعني أننا قد قمنا بالحرب عبثاً».

كما صرح أولمرت لوكالة الأسوشيتدبرس بقوله: «على الجميع أن يفهموا أن إسرائيل لا تخشى القتال، ولن يكون بإمكان أحد إخضاعها. وزمن المساومة الشرقية حيث يتم تبادل السجناء قد ولّى. ثم إن إسرائيل مصممة على تحقيق أهدافها المتماشية مع قرارات الأمم المتحدة ومع التوجهات الأخيرة لقمة البلدان المصنعة الثماني الكبرى، أي تفكيك حزب الله وسيطرة الجيش اللبناني على المنطقة الحدودية والعودة غير المشروطة للجنديين المخطوفين».

ويتعرض المؤلف في هذا السياق إلى العملية التي قام بها الجيش الإسرائيلي في ليلة الثلاثاء ـ الأربعاء، الأول والثاني من شهر أغسطس، عندما أنزل عدد من جنوده المحمولين بطائرات عمودية ـ هيلوكبتر ـ بالقرب من مدينة بعلبك في أحد الحقول، وعلى بعد أقل من عشرة كيلومترات من الحدود السورية.

جرت معارك بين مجموعة الكوماندوز الإسرائيلية ومقاتلي حزب الله في موقع الإنزال ولم يستطع الإسرائيليون أن يتوصلوا لاعتقال قائد حزب الله في تلك المنطقة، حيث كان هدفاً لعمليتهم، لكنهم انسحبوا واصطحبوا معهم خمسة أسرى.

ويشير المؤلف إلى دعوة قيادة الأركان الإسرائيلية له كي يطلعوه على الصور التي التقطتها عناصر مجموعة الكوماندوز حيث ان خوذاتهم مجهزة بآلات تصوير رقمية صغيرة، وعندما سألهم عن هوية ومهنة السجناء الذين اختطفتهم إسرائيل تجنّب الضباط الإسرائيليون الإجابة على سؤاله.. ثم نقرأ «في نهاية شهر أغسطس أطلقت إسرائيل سراح أولئك السجناء دون أن تقدم أي تفسير لذلك».

ويضيف: «لقد نجحت تلك الغارة تقنياً لكنها كانت غير مفيدة استراتيجياً، وأظهرت إلى أي مدى كان الجيش الإسرائيلي بعد ثلاثة أسابيع من بداية المعارك يسعى وراء تحقيق أصغر نجاح ممكن من أجل الافتخار به إعلامياً.. وما لم يستطع ضباط قيادة الأركان الاعتراف به آنذاك هو أنهم لم يكونوا يمتلكون عندها أية معلومات استخباراتية ذات مصداقية حول حزب الله، ولقد فهمت عندها أن الجيش الإسرائيلي قد انطلق، مثل الأعمى ضد عدو لم يعد يعرفه.

عرض ومناقشة: محمد مخلوف