يقال إن واضع أول طريقة تعتمد على فن التذكر هو الشاعر الإغريقي سيمونيد 558)simonides ـ 469) ق.م، وحسب ما جاء في الأسطورة أن أحد الأثرياء دعا الشاعر سيمونيد إلى وليمة عشاء وعندما جلس المدعوون على مائدة الطعام جاء الخادم ليبلغ الشاعر سيمونيد أن هناك شخصاً بانتظاره في الخارج فعندما خرج سيمونيد لم يجد أحداً بانتظاره وفوجئ بصوت سقوط سقف القاعة وقتل على أثر الحادثة جميع الضيوف وصاحب المنزل كذلك، ولم يستطع أحد التعرف على الشخصيات لتشوهها،
ولكن الشاعر استطاع أن يتذكر الترتيب الذي جلس به المدعوون وبهذه الطريقة تمكن من التعرف عليهم واحداً واحداً، وكان هذا مفتاحاً لاكتشاف قانون استرجاع أشكال الأشياء بحسب مكان تواجدها.
وفي تراثنا العربي كان الخليفة أبو جعفر المنصور سريع الحفظ حاضر البديهة، ففي قصته المشهورة حين كاد له الأصمعي لينتقم منه ويأخذ بثأره وثأر بني جنسه من الشعراء حيث كان الخليفة لا يعطي الشاعر ثمن القصيدة إلا إذا كانت من بنات أفكاره وليست من منقوله، وكان الخليفة يحفظ القصيدة من أول مرة يسمعها، وله غلام يحفظها من ثاني مرة، وله خادمة تحفظها من المرة الثالثة، فكلما جاء الشاعر بقصيدة نظمها عشية اليوم السابق ليلقيها أمام الخليفة للمرة الأولى يفاجأ بأن ثلاثة ـ الخليفة والغلام والجارية ـ قد حفظوها قبله!
التذكر فن يحتاج إلى تدريب ومهارة ودربه، نحن أحوج ما نكون إليه لا سيما في عصر الثورة المعلوماتية وبات الواحد منا فيه يعتمد على كل ما هو مبرمج والكتروني من حوله، تاركاً المهارات الذهنية جانباً، ليصل الحال بأحدنا أن ينسى المكان الذي وضع فيه مفتاح سيارته أو نظارته أو هاتفه النقال.
نحتاج إلى مهارة التركيز والتذكر لنستوعب هذا الكم المعلوماتي الهائل أو على الأقل لنتمكن من العودة إلى منازلنا دون أن نفقد مفتاح السيارة، أو نرى بوضوح دون أن ننسى مكان وضعنا للنظارة!