شغل موضوع التوافق النفسي والاجتماعي حيزا كبيرا من الدراسات والبحوث لأهميته في حياتنا وحياة أبنائنا طلبة الثانوية العامة على وجه الخصوص، فالتوافق ليس مرادفا للصحة النفسية فحسب بل يرجعه الكثير من العلماء إلى أنه الصحة النفسية بعينها، بل الهدف الرئيسي لمختلف فروع علم النفس بصورة عامة ومن أهم أهداف العملية الإرشادية والعلاج النفسي.

ولأن الإنسان اجتماعي بطبعه ومشاكله في غالبها ناتجة عن انفصاله عن مجتمعه، فان المتوافق نفسيا واجتماعيا يتصف بشخصية متكاملة قادرة على التنسيق بين حاجاته وسلوكه الهادف وتفاعله مع بيئته إلى جانب تحمله عناء الحاضر من أجل المستقبل متصفا بتناسق سلوكه وعدم تناقضه ومنسجما مع معايير مجتمعه دون التخلي عن استقلاليته مع تمتعه بنمو سليم غير متطرف في انفعالاته ومساهم بايجابية في مجتمعه. ترى هل تلعب العلاقة بين التوافق الشخصي والاجتماعي دورا في حياة طلبة الثانوية العامة تنعكس على حاجتهم للدراسة والتحصيل وقدرتهم على تحقيق النجاح والتفوق؟ تابعونا..تقول سناء عبد العظيم موجهة الرعاية النفسية بوزارة التربية والتعليم: قد لا نغالي إن قلنا إن التوافق الشخصي والاجتماعي هو العنصر الحاسم في نجاح أي فرد منا في حياته وليس الطالب فقط، فطالب الثانوية العامة مثلا كما ترى يحتاج إلى درجة عالية من التوافق الشخصي أي توافقه مع ذاته ورضاه عن نفسه، وخلوه من المظاهر النفسية السلبية لكي يركز طاقاته الذهنية في الدراسة والتحصيل بل ويحقق مستويات من الدافعية والانجاز العالي وهي ما يحتاجه الطالب للنجاح،

إلى جانب حاجته لمستويات مرتفعة من التوافق الاجتماعي الذي يشير إلى علاقات اجتماعية ايجابية وبناءة سواء مع أسرته أو مدرسته أو مجتمعه الخارجي بوجه عام.

ولفتت موجهة الرعاية النفسية والاجتماعية إلى أن المتعلم في حاجة لهذه العلاقات الايجابية كي يستطيع توظيف مهاراته الدراسية بكفاءة وفعالية لإحراز النجاح والتفوق.

وليد اللحظة

الدكتور محمد إبراهيم سحلول استشاري الأمراض النفسية يرى أن التوافق الشخصي والاجتماعي مهم جدا ليس لطالب الثانوية فقط ولكن لكل متعلم في مختلف المراحل الدراسية حتى نضمن تحصيلا جيدا وتعليما مثمرا منتجا، مشيرا إلى أن حمى الدعاية والترهيب فيما يتعلق بعقبة «الثانوية العامة» التي يشارك فيها الإعلام بآلته الجبارة تخلق نوعا من الاضطراب عند الطلبة وذويهم على السواء يعكس «فوبياها» التي تعني الخوف الزائد بلا مبرر منطقي ومالها من تأثير في القدرة على التركيز والتحصيل لدى الطالب.

وقال الدكتور سحلول: إن هذا التقديم مهم ويجب الالتفات إليه والتعامل مع طالب الثانوية العامة كأي طالب في أي مرحلة تعليمية، موضحا أن تحصيل المتعلم في هذه المرحلة ليس وليد اللحظة أو السنة الدراسية ولكن نتيجة الجهد المبذول من أسرته أولا في التربية والتنشئة كفرد صالح في مجتمعه واجتهاده وتحصيله في السنوات السابقة لهذه المرحلة، مشيرا إلى أننا نجد أن الطلاب الذين ينتمون لأسر مستقرة متكاملة يقوم كل فرد فيها بدوره الصحيح، وتلك هي اللبنة الأولى لتكوين المجتمع.

ولفت إلى أن الأبناء في هذه الأسر يكون نموهم النفسي متوازنا وسويا ما يعكس تحقيقهم نتائج طيبة في مختلف مراحلهم الدراسية وتبوئهم مراكز متقدمة عكس ما يحدث لطلاب آخرين ينتمون لأسر مفككة غير مترابطة سواء بسبب غياب الأم أو الأب بداعي السفر أو الانفصال أو العلاقات غير السوية بينهما بحيث يكون وجودهم كعدمه، مستطردا: يصادفنا في مجال تخصصنا في الأمراض النفسية كثيرا من حالات صعوبة التركيز وعدم القدرة على التحصيل الدراسي ما نجعل الأهل يلجأون إلى استشارة الطبيب النفسي خوفا على مستقبل الابن.

التنشئة السوية

وشدد الدكتور سحلول على أن الأسرة هي الدعامة الأساسية لتكوين طالب ذي شخصية متوازنة قادرة على التوافق مع المجتمع خاصة في هذا العصر الذي تفشت فيه وسائل الترفيه واللهو عن الحد عبر الفضائيات والفيديو والانترنت ورفاق السوء في سن المراهقة وصراع التطلعات لأنماط سلوكية متطرفة تؤدي إلى تمزق فكر الشاب المراهق، إن لم يكن معه سياج قوي من التربية والفهم الصحيح من خلال الأسرة المتماسكة والتعاليم الدينية الواضحة.

ويعد التوافق الشخصي والاجتماعي لطلبة المرحلة الثانوية عند احمد عيد موجه الرعاية النفسية بوزارة التربية والتعليم من أهم نواحي صقل شخصية الطالب في هذه المرحلة التعليمية والنمائية «مرحلة المراهقة»، مشيرا إلى أن الحالة النفسية للمتعلم تتأثر تأثيرا كبيرا بمدى توافقه الشخصي والاجتماعي،

فشعور الطالب بالأمن الذاتي أو الشخصي يدل على شعوره بالانتماء أي تمتعه بحب والديه وأسرته وانه مرغوب فيه من زملائه ما ينعكس على سلوكه حيال الآخرين خاصة معلميه، وكذلك الحال في اعتماده على نفسه، فنجده يميل إلى القيام بمهامه دون أن يطلب منه أو الاستعانة بغيره ما يؤكد استقراره وثباته الانفعالي.

وقال عيد: إن ثقة الطالب تزداد بنفسه ويشعر بتقدير الآخرين له ورؤيتهم له بأنه قادر على تحقيق النجاح والتفوق، أضف إلى ذلك تمتعه بتوافق شخصي مع زملائه، فنجده لا يميل إلى الانطواء أو الانعزال، فيما يخطط للمستقبل بواقعية ولا يعتمد على الخيال، ما يعكس عدم شكواه من اضطرابات نفسية أو مظاهر تدل على انحراف نفسي كعدم القدرة على النوم أو الشعور المستمر بالتعب، ولذا نجده قادرا على العطاء ومواصلة طريقه نحو النجاح.

الأمن الاجتماعي

ويرى عيد أن الشعور بالأمن الاجتماعي يأتي من التوافق الاجتماعي للطالب على أساس أنه يدرك حقوق الآخرين كما يدرك ضرورة إخضاع بعض رغباته لحاجات الجماعة أي يعرف جيدا الصواب والخطأ، لافتا إلى أن الطالب الذي يتمتع بتوافق اجتماعي لا يميل إلى المشاجرات أو التشاحن والعراك مع الآخرين أو عصيان الأوامر في المنزل والمدرسة ولا يميل إلى تدمير الممتلكات العامة، لذا نجده دائما يظهر الحب والمودة للآخرين ويمد يد المساعدة لهم، مستشهدا بأمثلة عديدة في هذا الجانب تؤكد احترامه لقيم وعادات المجتمع.

لذا نجد أن التوافق الشخصي والاجتماعي يلعب دورا كبيرا في نجاح طالب الثانوية العامة في المدرسة والمجتمع بوجه عام، وعليه فقد أصبح التوافق مظهرا من مظاهر الصحة النفسية لدى الأفراد

يحيى عطية