يتابع المؤلف في هذا المنعطف الأخير من كتابة التفاصيل الدقيقة للحظات الأخيرة من حياة رفيق الحريري ورحلة موكبه المؤلف من ست سيارات نحو الغياب بفعل انفجار عبوة ناسفة هائلة قدرت زنتها بـ 1200 كيلوغرام من المواد المتفجرة، وبهذا تكتمل الدائرة التي استهل بها المؤلف كتابه.
لكنه لا يختتم كتابه عند الثانية السادسة والعشرين بعد الدقيقة السادسة والخمسين عقب الساعة الثانية عشرة من ظهر الرابع عشر من فبراير عام 2005، وإنما هو يمضي ليربط بين غياب رئيس الوزراء اللبناني الراحل والحرب الطاحنة التي خاضها حزب الله في الصيف الماضي مع إسرائيل والاعتداءات الوحشية التي تعرض لها المدنيون اللبنانيون من جانب آلة الحرب الإسرائيلية.
كانت مفرزة الأمن المرافقة للحريري قد ناقشت الطرق التي يمكن ان ينطلق عبرها موكب الحريري، الذي يضم عربته المرسيدس المدرعة وخمس عربات أخرى من بينها أحدث عربة إسعاف مجهزة في الشرق الأوسط، من مقر مجلس النواب اللبناني إلى داره في حي قريطم البيروتي.
كان الخيار الأول هو الطريق الأطول، والذي يمضي جنوباً من ساحة النجمة عبر الطريق الرئيسي المفضي إلى المطار قبل الدوران حول الشطر الغربي من بيروت والاتجاه إلى دارة الحريري الفخمة في قريطم.
أما الخيار الثاني فهو الطريق الذي تمضي القافلة عبره غرباً من ساحة النجمة إلى الثكنة التركية المرممة التي تضم مكاتب رئيس الوزراء الآن ثم تتجاوز برج المر المهجور المؤلف من 32 طابقاً والذي كان ملاذا أثيراً لدى القناصة خلال الحرب الأهلية اللبنانية ثم تنطلق إلى منطقة الحمراء الحافلة بالمتسوقين قبل ان تصل إلى قريطم.
ويتمثل الطريق الثالث في الطريق الساحلي إلى الشمال من ساحة النجمة مروراً بالمرسى وفندق السان جورج على كورنيش الواجهة البحرية.
وقد اختارت المفرزة الأمنية، في نهاية المطاف، هذا الطريق الثالث، حقاً انه أطول قليلاً من الطريق الذي يفرض عليهما المرور في الحمراء، ولكن الحريري كان يريد الوصول إلى داره في الساعة الواحدة من بعد الظهر، وهذا الطريق الثالث يكون عادة سالكاً في هذا التوقيت.
الانفجار والحصاد
دوى الانفجار الهائل ليتردد صداه في بيروت كلها وصولاً إلى التلال الواقعة إلى الشرق، وهشم النوافذ وأطلق الانذار من السيارات ودفع بأبناء بيروت القلقين إلى النوافذ والشرفات ليطلوا عالياً ليرصدوا الطائرات الإسرائيلية التي اعتقدوا أنها وراء الانفجار.
لكن الانفجار كان على الأرض، وسرعان ما جعل الدخان يغطي أفق بيروت، وكانت حصيلته الأولية تسعة قتلى من بينهم الحريري وسبعة من رجال مفرزته الأمنية، لكن الرقم قفز في النهاية إلى 23 قتيلاً وأكثر من 220 جريحاً.
تعثر أمير شحادة الذي كان في السيارة التي تتصدر الموكب، وحدق في ذهول إلى الجحيم الذي صافح عينيه، حيث شاهد كتلة مرعبة من السيارات المشتعلة وكتلة هائلة من الدخان الأسود المتصاعد، فاندفع نحو اللهب بحثا عن الحريري.
وعلى الرغم من أن سيارة المرسيدس المدرعة التي كان الحريري يستقلها كانت على بعد أربعة أمتار فقط وراء سيارة شحادة في إطار الموكب، إلا انه لم يستطع تبين أين سيارة الحريري من بين السيارات المحترقة التي لاحت لعينيه وسط الدخان، وأجبرته الحرارة اللافحة والدخان على التراجع بعيداً، فالتقط نفساً عميقاً وانطلق إلى الأمام مجدداً، ورأى الجثث متفحمة وسط ألسنة اللهيب، وبعضها في وضعية الجلوس بالسيارات، وبدا واضحاً انه لم يكن هناك ما يمكنه القيام به من أجلهم.
كان أبو طارق قائد الفريق الأمني والحارس الشخصي للحريري على مدار أكثر من عقدين من الزمان هو الأقرب إلى الانفجار، حيث كان جالساً في المقعد المجاور للسائق في السيارة الرابعة، حيث عهد إليها بتغطية الجانب الأيمن من سيارة الحريري، وقد تحول إلى أشلاء، فكل ما عثروا عليه من جثته كان 38 قطعة من اللحم لم يتم التعرف عليها إلا عبر اختبارات الحمض النووي.
انشطر محمد درويش سائق السيارة الرابعة إلى نصفين، وألقي النصف العلوي من جثته بفعل الانفجار على بعد عشرات الأمتار من نصفه السفلي. ولقي الحراس الثلاثة في السيارة الخامسة مصرعهم على الفور والتهمت النيران المندلعة في السيارة لحمهم.
ولاحظ شحادة أن الطريق تناثرت عليه البراهين على النطاق المرعب للانفجار، ما بين أياد وأذرع وسيقان عديدة وأشلاء لا تحصى من اللحم البشري وبرك من الدماء المسودة بفعل الحريق.
وعلى الرغم من كل جهوده لم يستطع معرفة موضع الحريري حيث أجبرته الحرارة اللافحة وموجات الدخان المتدافعة على التراجع ليبعث بالخبر الفاجع عبر اللاسلكي إلى قيادته في دار الحريري في حي قريطم.
في قلب الفوضى والطين والدخان كانت هناك الحفرة الناجمة عن الانفجار، والتي وصل عمقها إلى ثلاثة أمتار واتساعها إلى عشرة أمتار، وانبعاث الدخان من جوفها المحترق، وبرزت أنابيب المياه المحطمة منها كأسنان مهشمة، وتدافع رجال الإنقاذ والشرطة نحوها باحثين عن أدلة على ما يمكن أن يكون قد تسبب في هذا الانفجار الهائل ومن الذي يمكن أن يكون قد وقف وراءه.
أخيراً عثر شحادة على سيارة الحريري، وكانت قد غدت أثراً بعد عين، فمؤخرتها لم يعد لها وجود، ولم يجد فيها إلا نصفها الأمامي الممزق، الذي تحول إلى قوقعة محترقة من المعدن الملتوي. وقال له أحدهم إن الحريري لا يزال حياً، وأنه في إحدى البنايات التي طالها الانفجار، والمقابلة لفندق السان جورج، فمضى متخبطاً عبر الحطام، يدقق في الجثث وفيمن يتلقون العلاج من رجال الصليب الأحمر في عين المكان. لكن الحريري لم يكن له وجود وسط كل هذا الجنون.
شكل الجنود والشرطة طوقاً حول كل من طرفي ساحة الانفجار صارخين بالجميع أن يبادروا إلى الابتعاد. كانت النوافذ قد تهشمت على امتداد مئات الأمتار وتراكم الزجاج أكواماً في الشارع، وبلغت قوة الانفجار إلى حد انتزع الإطارات الخشبية للأبواب والنوافذ في فندق فينيقيا القريب. وخرج موظفون مذهولين من فرع مصرف الاتش اس بي سي عند المنعطف من مبناهم الذي تهشمت واجهته والدم يتقاطر من الكثيرين منهم من جراء الإصابات بشظايا الزجاج المهشم والمتناثرة في كل مكان.
مضى عبدالرب أحد رجال المفرزة الأمنية يحدق في جثة ممددة على الطريق متسائلاً عما إذا كانت جثة الحارس جمال منصور أم جثة الحريري، هتف صارخاً برجال الإسعاف، فأقبلوا ووضعوا الجثة في عربة إسعاف، وسارع عبدالرب إلى ركوب هذه العربة وفحص الجثة بوصة فأخرى، محاولاً تحديد هوية صاحبها.
كان الشعر قد احترق والوجه متورماً على نحو يحول دون التعرف على هوية صاحب الجثة، وتحولت العينان إلى شقين في الوجه واصفر الجلد بفعل ألسنة اللهب، ولم يعد للحذاء وجود كاشفاً عن جوربين قصيرين احترقا مع الجلد، وكان معروفاً أن الحريري يميل إلى الجوارب الطويلة.
استغرق الأمر خمس دقائق ليتعرف على هوية صاحب الجثة، ولم يكن هذا التعرف إلا من خلال أظافر رئيس الوزراء الراحل، ففي الأول من نوفمبر 2004 وهو عيد ميلاد الحريري كان أبو طارق رئيس الفريق الأمني للحريري قد سأله عما إذا كان يتحرج من تقبيل يد الحريري كإيماءة احترام وتقدير للرجل الكبير في عيد ميلاده.
ولم يكن الحريري ممن يحبون مثل هذه الإيماءة، ولكن عبد الرب كان حالة مختلفة، فهو من العائلة. وكان الحريري جالسا على أريكة، ورفع يده، فتناولها عبد الرب وقبلها في إجلال. وقد كانت تلك هي على وجه الدقة اليد التي كانت أمامه الآن متدلية من الجثة الممزقة.
من المهم هنا تذكر قول فؤاد السنيورة للمؤلف بعد ساعات من الانفجار أنه كان قد سأل الحريري مؤخرا عما إذا كان خائفا، فرد عليه بالنفي لأنه يعتقد أن أعمال العنف هذه أصبحت شيئا ينتمي إلى ماضي لبنان.
حجر في بحيرة
يشبه المؤلف مصرع الحريري. بحجر ألقي في البحيرة اللبنانية فأحدث دوائر ما فتئت تتوالى وتزداد اتساعا حتى اليوم، وكان رد الفعل الأول عليه هو عقد لقاء فريد بين تجمع قرنة شهوان وحركة تيار المستقبل للمرة الأولى، في وقت عم الشارع اللبناني شعور عارم بالغضب، وتحولت مقبرة الحريري إلى مكان لا ينقطع عنه الناس وتتراكم فيه أكوام الزهور وتغمره أنوار الشموع المتوازية مع دموع الناس.
ساد الإنزعاج العواصم العربية، وبلغ ذروته في الرياض، وامتد هذا الشعور بالانزعاج إلى طهران. في دمشق بادر الرئيس بشار الأسد إلى إدانة اغتيال الحريري باعتباره «عملا إجراميا بشعاً» وانبرى المسؤولون السوريون الآخرون إلى تأكيد أن هذه الجريمة قد استهدفت ضرب استقرار لبنان.
كان عبدالحليم خدام هو المسؤول السوري الرفيع الوحيد الذي بادر إلى الانطلاق بسيارته من دمشق إلى مستشفى الجامعة الأميركية، حيث استقرت جثة الحريري، وشهد العزاء على امتداد الأيام الثلاثة جنباً إلى جنب مع عائلة الحريري.
طار الرئيس الفرنسي جاك شيراك من باريس إلى بيروت لحضور الجنازة، حيث أطل على شاشات التلفزيون وهو يعزي نازك الحريري التي بدت إلى جواره غارقة في فيض من الدموع، فيما رفضت عائلة الحريري عرض الحكومة اللبنانية بتشييع رسمي لجنازة الحريري، وأعلن أبناؤه أن جنازة شعبية هي التي ستشيعه إلى مثواه الأخير قرب مسجد محمد الأمين الذي لم يكن العمل فيه قد انتهى بعد.
فيما صرح الرئيس لحود بأن اغتيال الحريري استهدف بث الفرقة في لبنان، بعثت الأمم المتحدة إلى لبنان ببعثة تقص للحقائق على رأسها رجل الأمن الايرلندي بيتر فيتزجيرالد الذي أكد في تقريره المرفوع إلى الأمين العام للأمم المتحدة في مارس 2005 أن هناك افتقاراً واضحا إلى الالتزام من جانب الحكومة اللبنانية في التحقيق في الجريمة بالحد الأدنى من الكفاءة.
أورد التقرير قائمة من الإجراءات التي اتخذتها أجهزة الأمن اللبنانية التي لم يعتبرها التقرير مما يحول دون إجراء تحقيق سليم في مسرح الجريمة فحسب، وإنما تبدو كما لو كانت تغطية متنكرة للجريمة.
في مقدمة هذه الإجراءات أن حطام السيارات الست التي شكلت موكب الحريري نقل من موقع الانفجار في ليل الرابع عشر من فبراير 2005 إلى مجمع مخفر قريب للشرطة، الأمر الذي أضاع أي فرصة للقيام بتحليل بالستي دقيق في موقع الانفجار.
قام رجال الأمن اللبنانيون بحمل أجزاء من سيارة المتسوبيشي البيضاء التي يعتقد أنها كانت تقل الشحنة الناسفة وألقوها في الحفرة التي أحدثها الانفجار، حيث صورتها الشرطة هناك ووصفتها بأنها من أدلة الجريمة.
أغرقت أنابيب المياه المحطمة الحفرة بالماء في غضون 24 ساعة من الانفجار لأن أحداً لم يخطر بباله قطع المياه عن موقع الانفجار الأمر الذي أدى إلى تلف أدلة محتملة في الجريمة.
قام مصطفى حمدان رئيس الحرس الرئاسي اللبناني، والرجل الذي يعد ذراع لحود اليمنى، بإصدار تعليمات إلى علي الحاج رئيس قوى الأمن الداخلي بردم الحفرة الناجمة عن الانفجار فوراً لكي يمكن فتح الطريق أمام المرور في الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي للإنفجار، وقد نفى حماد إصدار هذه التعليمات التي نفذت بحذافيرها.
غير أن هذه الأخطاء الإجرائية تهون حيال ما تعرض له بعض ضحايا الانفجار وعائلاتهم من إهمال السلطات اللبنانية، فعلى سبيل المثال عثر على جثة زاهي أبو رجيلة وهو من العاملين في فندق السان جورج في ملحق الفندق القريب من مقر الانفجار الذي تحول إلى حطام محترقة، وأوضح تشريح الجثة أنه كان قد بقي حياً بعد الانفجار لمدة اثنتي عشرة ساعة.
ولكنه مات وسط الحطام من دون أن يكتشف أحد وجوده هناك. ولم يعثر على جثة فرحان العيسى قط. وفي 22 فبراير اكتشفت جثة ثانية بمحض الصدفة، وفي الأول من مارس عثر على أشلاء عبدالحميد الغلاييني مدفونة تحت طبقة من الردم غير بعيد عن موقع الحفرة التي أحدثها الانفجار.
أوصى بيتر فيتزجيرالد في ختام تقريره، بأن تجري الأمم المتحدة تحقيقاً مستقلاً في الجريمة. وكانت هذه التوصية هي نواة التحقيق الذي لا يزال قائماً حتى اليوم والرحم الذي حمل الإطلالة الأولى لفكرة المحكمة الدولية المطروحة اليوم.
ظل الحريري
تحت العنوان الدال «لبنان جديد؟» يمضي المؤلف إلى تأكيد أن ظل الحريري واصل الارتماء على أحداث لبنان وصولاً إلى اليوم بما في ذلك ما عرف ب«ثورة الأرز» وعمليات الاغتيال المتتابعة التي لا تزال أصداؤها تدوي حتى اليوم في آفاق لبنان، بما في ذلك محاولة اغتيال إلياس المر والإعلامية مي شدياق وجبران تويني وغيرهم كثير.
وهو يرى أن هذا الظل ليس بعيداً كل البعد عن أحداث مثل انتحار غازي كنعان في 12 أكتوبر في مكتبه بوزارة الداخلية في دمشق. ويتساءل ـ شأن الكثيرين ـ هل انتحر كنعان أم نُحر؟
تحت عنوان «عودة الحرب» يواصل نيكولاس بلانفورد الربط بين اغتيال الحريري واندلاع الحرب في الصيف الماضي بين حزب الله وإسرائيل، ويشدد على أنه لم يكن هناك وقت ساد فيه الإحساس بتأثير غياب الحريري قدر الوقت الذي تعرض فيه لبنان للطحن على يد آلة الحرب الإسرائيلية.
حيث لقي 300 مدني لبناني مصرعهم وجرح الألوف منهم وشرد أكثر من نصف مليون لبناني من بيوتهم وتحطمت مناطق بكاملها من الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية، بما في ذلك قصف مطار رفيق الحريري والجسور وباقي عناصر البنية الأساسية التي استغرق الوصول إليها أكثر من اثنى عشر عاماً من العمل اللبناني الدائب.
ويشدد المؤلف على أنه رغم أن فؤاد السنيورة رئيس وزراء لبنان بذل جهداً كبيراً في طرح وضع لبنان سواء في مؤتمر وزراء الخارجية العرب الذي عقد في بيروت في قلب الحرب أم في الأمم المتحدة، حيث حرص على الدعوة إلى وقف إطلاق النار، مذكراً العالم بأن لبنان جرى تمزيقه إرباً في غمار الاعتداءات الإسرائيلية الوحشية، رغم هذا كله فإنه لم يكن في ثقل الحريري ولا تأثيره ولا قدرته على اقناع العالم ودفعه إلى تبني قضية لبنان.
وهو يخلص إلى أن لبنان سيعيد بناء ما تعرض للدمار على أرضه، فهو يفعل ذلك دوماً، بفضل قدرة أبنائه على ضم صفوفهم ومد الجسور نحو العالم وانتزاع بارقة الأمل من قلب اليأس والظلام. ولكن اللبنانيين في غمار ذلك كله سيظلون يفتقدون الحريري وحلمه بلبنان الغد.
وربما كان أفضل ما يمكن للبنانيين القيام به في مواجهة الأوضاع المتأزمة التي تلقي بظلها عليهم هو أن يعودوا إلى تذكر ملامح مشروع الحريري وأهدافه وطموحاته بالنسبة لمستقبل لبنان، وخير تعويض عن غياب الحريري الموجع هو أن تتكاتف الأيدي لتحقق هذا المشروع ـ الحلم بكامله وبكل تفاصيله وجزئياته.
