إقامة الملتقيات والمؤتمرات البحثية العلمية أبرز الخطوات التي تحققت في مجال دعم الأبحاث التربوية في الدولة ومنها استضافت جامعة زايد في مقرها بأبوظبي مؤخرا الملتقى الثالث للأبحاث التربوية بمشاركة 150 باحثا من وزارة التربية والتعليم وعدد من مؤسسات التعليم العالي، فيما شدد عدد من الأكاديميين المشاركين على إن الإمارات مقارنة بدول الوطن العربي من بين الأوائل في مجال الاهتمام بالبحث العلمي ولكن لا يزال العمل في أوله.
وعلى مستوى الأبحاث التربوية هناك غياب لدور المعلمين في المشاركة فيها، معربين عن أملهم في مركز متخصص للإشراف على الأبحاث وضرورة إيجاد قاعدة بيانات عربية خاصة بالأبحاث على مستوى الوطن العربي.
الدكتور صادق مدراج أستاذ في كلية التربية بجامعة زايد ومنسق الملتقى التربوي قال إن الملتقى الثالث للأبحاث التربوية من بين الملتقيات السنوية المهمة التي تعقد للباحثين في مجال التربية كونه فرصة لتبادل الأفكار والخبرات والاطلاع على الإنتاج البحثي في الجامعات والكليات المختلفة.
كما أن مشاركة طلبة الماجستير بأوراق عمل في الملتقى يخلق أمامهم نموذجا في أساليب البحث العلمي، مشيرا إلى أنه قدم دراسة في الملتقى تهدف إلى تقييم واقع الإعلام التربوي في وزارة التربية والتعليم وإلقاء الضوء على بعض التحديات التي تواجه الأبحاث التربوية وكذلك تحديد هيكلية تنظيمية لتطوير التواصل بين وزارة التربية والمجتمع المحلي.
وأوضح الدكتور مدراج أن واقع البحث التربوي في الدولة واعد وهناك خطوات عديدة ملموسة تؤكد أننا في المسار الصحيح للنهوض بالبحث العلمي وأن الجامعات عليها عبء كبير في هذا الجانب، موضحا أن هناك حاجة إلى مركز أبحاث متخصص لتنظيم الجهود البحثية التربوية وضمان نشر الأبحاث والإفادة منها.
المدرس الباحث
وقدم الدكتور أحمد خالد أستاذ مساعد في كلية التربية في جامعة الإمارات دراسة حول النشاطات البحثية وأثرها في العملية التعليمية حيث أجرى مقابلات مع 20 أستاذا أكاديميا منهم 12 أستاذاً أميركياً حاصلين على جوائز في مجالي البحث والتدريس.
موضحا أن هناك علاقة تبادلية بين البحث والتدريس، فمشكلات التربية وواقع الطلبة يخلقان العديد من القضايا التي تحتاج لأبحاث علمية لدراستها كما أن النشاطات البحثية تلعب دورا في تطوير وتحسين أساليب التدريس، وأشار إلى أن المؤسسات الأكاديمية تركز على الجانبين حيث تهتم بوجود المدرس الباحث وأن العائق الأكبر أمام الأستاذ الجامعي لانجاز البحث العلمي هو الوقت لأن عليه أعباء كثيرة من التدريس إلى متابعة الطلبة وخدمة المجتمع بجانب البحث.
ويرى أن البحوث كانت تركز في السابق على العملية الرقمية ولكن هذا لا يعطي مدلولا واقعيا على العملية التعليمية واليوم نحن بحاجة لإعطاء أهمية للبحث النوعي القائم على عمل مقابلات وإعداد استبيانات ولا مانع من تأكيد هذا البحث بالجانب الرقمي فمهم جدا الجانب التطبيقي، واعتبر أن الملتقيات والمؤتمرات كلها تخدم المجال البحثي فهناك مؤتمر في ابريل حول إصلاح التعليم تنظمه كلية التربية في جامعة الإمارات ويستضيف خبرات أكاديمية وبحثية من داخل وخارج الدولة.
وقال إنه على مستوى العالم العربي هناك حاجة إلى زيادة الجهد وإعطاء مزيد من الدعم المادي والمعنوي للأبحاث، وبالنسبة للبحث التربوي فالحاجة ماسة إلى الاستعانة بخبرة المعلم، وحاليا هناك محاولة للوصول لإشراك المعلمين والطلبة في الأبحاث العلمية كونهم يمثلون الوقع الميداني عن قرب.
وطرح عبد الرحمن المخلافي أستاذ في كلية التربية، جامعة الإمارات في الملتقى البحثي دراسة حول جدوى استخدام التعليم الالكتروني مع الطالبات حيث طرح مساقا للطالبات عن طريق التعليم الالكتروني وكشف النتائج المبدئية عن أفضلية التعليم الالكتروني لدى الطالبات وأنهن على استعداد للتسجيل في المساقات الالكترونية .
وذلك لميزاتها من ناحية توفير الجهد والوقت والتواصل المستمر مع الأساتذة ومع بعضهن البعض ومناقشة الأفكار المختلفة بين أكبر عدد منهن بالإضافة إلى تواجد المادة العلمية باستمرار ضمن البرنامج الخاص بالمساق.
وشدد المخلافي على أهمية الملتقى في تعزيز التواصل بين الباحثين وخلق أفكار جديدة خاصة وأن الملتقى تشارك فيه أبحاث تربوية غير منتهية بهدف مناقشتها وإثرائها من خلال الخبرات المختلفة.
مشيرا إلى أن الملتقيات والمؤتمرات تشجع على البحث العلمي ولكن عملية نشر الأبحاث تحتاج لمزيد من الدعم لأن الباحث ذاته هو من يحاول العمل على نشر أبحاثه بطرق عدة، مشيرا إلى جهود جامعة الإمارات في إقامة المؤتمرات الكبرى ونشر تفاصيل تلك المؤتمرات وأهم ما يقدم فيها من أبحاث وتوصيات.
وقال إن الحاجة ماسة لوجود جهة ترعى الأبحاث التربوية وتنسق عملها وتكون مرجعا للباحثين، وكذلك إيجاد تعاون بين مؤسسات الدولة المختلفة لدعم مجال الأبحاث العلمية، فوزارة التربية والتعليم جزء أساسي من عملية البحث التربوي وهي المؤسسة المسؤولة عن الجانب التعليمي ولابد أن تلعب الدور الأكبر في تنسيق الجهود البحثية ومحاولة توفير الدعم المادي والمنح البحثية، مشيرا إلى حاجة الأبحاث للدعم المادي فبعضها يتطلب إجراء دراسة في مكان ما أو على عينات محددة وتكون مكلفة.
جانب التطبيق
الدكتور حسن حامد الأستاذ المشارك في كلية التربية بجامعة الإمارات أوضح أن الأبحاث التربوية سجلت نموا واضحا في الخمس سنوات الأخيرة وظهرت بها العديد من الإسهامات والتي دعمتها خاصة على صعيد عقد المؤتمرات البحثية المحلية والعالمية ولكن لا يزال النمو بطيئا إذا ما قورن بالوضع العالمي بينما تكون الإمارات في المقدمة مقارنة بالوطن العربي.
وأضاف أن الأبحاث بحاجة إلى النشر لتعميم فائدتها وإشراك المؤسسات والجهات المعنية في تفعيلها ، فجامعة الإمارات لديها ميزانية ضخمة لدعم الأبحاث حيث تدعم البحوث كافة وخاصة التربوية وتهتم بالواقع التربوي وتطويره، ولكن جانب التطبيق للبحوث رغم أهميته الكبرى لا يزال غير واضح فليس هناك مؤسسات وضعت على عاتقها مسؤولية تطبيق الأبحاث والاستفادة منها، مشيرا إلى ضرورة تفعيل الشراكة مع القطاع الخاص لدعم البحث العلمي.
وكان الدكتور حسن قد طرح خلال الملتقى التربوي دراسة حول تطور المحتوى التربوي لدى المعلم المبتدئ وماهية هذا المحتوى وهو عبارة عن مشروع لتحديد طبيعة المحتوى التربوي للمعلمين المبتدئين أي ما يمتلكوه من معارف ومهارات في مجال العلوم، مشيرا إلى مشكلتين في تنفيذ البحوث التربوية الأولى وجود حاجة لدور أكبر للمعلم باعتباره الأقرب لواقع التعليم وكذلك مشكلة قلة البحوث والأدبيات التي يعتمد عليها أي باحث لتكوين إطاره البحثي فالحاجة ماسة لمركز يوثق الأبحاث على مستوى الوطن العربي وكذلك قاعدة بيانات تسهل الحصول على كل المعلومات المرتبطة بهذا المجال.
الدكتورة حنان عنابي أستاذة في جامعة الإمارات قدمت دراسة بحثية لفهم الرؤية الجديدة للرياضيات من قبل جميع الأفراد ذوي العلاقة بدءا من مدير المدرسة مرورا المعلم والطالب وولي الأمر.
مشيرة إلى أن دراسة أجريت على نحو 250 مديرا مدرسة على مستوى الدولة كشفت أن المديرين بشكل عام يرون الرياضيات مادة جامدة وتدريسها يعني توصيل الطالب للإجابة الصحيحة وأن الطلبة أصحاب المواهب هم الذين يجيدون الرياضيات، مشيرة إلى أن هذه الدراسة كشفت واقعا ميدانيا لا يتفق مع طبيعة الرياضيات وكونه علما للجميع وليس للأذكياء فقط، وان هناك برنامجا يجرى إعداده حاليا على ضوء ذلك يهدف إلى تعديل النظرة المجتمعية السائدة حول طبيعة الرياضيات.
وأوضحت الدكتورة حنان أن الدراسة التي أجرتها مع زميلها الدكتور يوسف الإمام لم تنته بعد وأنها ستدخل مراحل من التطبيق حيث أنها بدأت ببحث والآن تدخل مرحلة إعداد برنامج ومن ثم قياس النتائج، مشيرة إلى الدعم الكبير الذي تلقاه الفكرة من قبل جامعة الإمارات وأن مشاركتها في المؤتمرات والملتقيات التربوية تهدف إلى مزيد من الخبرات والإثراء للفكرة ومهم جدا التواصل مع الميدان التربوي.
وحول واقع الأبحاث العلمية في الوطن العربي رأت الدكتورة حنان أن الأبحاث لا تزال تعامل على أنها واجب مطلوب أو للحصول على ترقية ولا تقدم بهدف إنتاج معرفة وتطوير واقع.
مشيرة إلى الحاجة لوجود مركز يرعى الأبحاث وموقع ينشرها ولكن الأهم من وجهة نظرها هو وجود قاعدة بيانات عربية تفيد الباحث العربي وتمكنه من الوصول إلى معرفة كل ما تم انجازه في أي موضوع لأن هناك معاناة كبيرة في حال رغبة الباحث في تكوين أدبيات بحثه حيث يضطر للرجوع للمجلات والكتب بخلاف الحال بالنسبة للأدبيات الانجليزية.
سيف النقبي طالب من برنامج ماجستير القيادة التربوية في جامعة زايد قال إنه شارك في ملتقى الأبحاث التربوية بورقة عمل حول أهمية القراءة وتنمية مهاراتها لدى طلبة المرحلة الابتدائية لأن واقع الوطن العربي يؤكد أننا شعوب لا تقرأ بخلاف الشعوب الأوروبية، لذا بدأ في البحث عن كل ما كتب في هذا المجال ولكنه لم يجد أي بحوث عربية يمكنه الوصول إليها والاستفادة منها، لذا فإن مشاركته في الملتقى خدمته بشكل كبير في مجال إعداد البحث الخاص به .
حيث تعرف على أسس انجاز بحث قوي من خلال لقاء أساتذة لهم وزنهم البحثي وكذلك من وجهات النظر التي يمكنها فتح مجالات أوسع له في بحثه، وأضاف أنه يتمنى أن يكون هناك مركز أو مواقع الكترونية عربية متخصصة لنشر الأبحاث التربوية وان كانت على مستوى كل مؤسسة تعليمية تقوم بوضع أبحاث الأساتذة والطلبة تكون مرجعية لكل باحث يريد الوصول لما تم عمله. وأشار إلى أن المدارس لا تهتم بتأصيل مهارات وأساليب البحث العلمي وأول احتكاك فعلي للطالب مع البحث يكون في الجامعة.
لبنى أنور


