يستعرض المؤلف في هذه الحلقة الظروف التي واكبت ظهور الحركات الإسلامية على ساحة العمل السياسي والعسكري الفلسطيني، فلم يكن لحركات الإسلام السياسي من حضور كبير في الشتات الفلسطيني، طوال العقود التي تلت النكبة، فاقتصر الحضور الفلسطيني من خلال حزبي الإخوان المسلمين وحزب التحرير الفلسطيني، خصوصاً في التجمعات الفلسطينية على الساحة الأردنية، فضلاً عن الضفة الغربية وقطاع غزة.
ويشير إلى انطلاقة الحركة الإسلامية الأكبر على الساحة الفلسطينية وهي حركة حماس في أعقاب اندلاع الانتفاضة الأولى وما واكبها من حراك جماهيري واسع جداً، ويعرض للمصاعب والعراقيل التي واجهتها حماس في مسيرتها وصولاً إلى فوزها في الانتخابات التشريعية الأخيرة. ويفرد جانباً من هذه الحلقة أيضاً للحديث عن حركة الجهاد الإسلامي التي كانت رائدة في تنفيذ العمليات الاستشهادية بعيد توقيع اتفاق أوسلو وفي الانتفاضة الثانية.
قبيل وقوع النكبة بسنوات قليلة، شكل عدد من الفلسطينيين جمعية المكارم، وبدأوا بالانتشار عام 1945 عندما أسسوا الشعب والفروع في يافا وغيرها كما يقول يوسف عميرة (أحد القادة المؤسسين لحركة فتح)، وتم افتتاح المقر الرسمي لحزب الإخوان المسلمين في القدس في 6 /5/ 1946 برئاسة محمد أسعد الحسيني. بينما عمل القاضي الفلسطيني تقي الدين النبهاني بعيد النكبة على تأسيس حزب التحرير الإسلامي.
ومع انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة وحركة فتح على وجه التحديد، وجدت حركة الإسلام السياسي متسعاً لها، خاصة إذا علمنا بأن غالبية القيادات المؤسسة لحركة فتح، اخوانية الجذور. ففي البداية شكلت حركة «فتح» بيئة عمل لإسلاميين فلسطينيين لم تعبر حركة الأخوان المسلمين عن طموحاتهم في الانخراط في العمل العسكري.
على هذا النحو التحق عبدالله عزام بالحركة قبل عام 1970 وانشأ ما سمي في الأردن «معسكر الشيوخ» الذي ضم عدداً من المشايخ الفلسطينيين الذين لم تفسح لهم حركة الإخوان المسلمين مجالا لأي عمل عسكري. ولكن ما لبثت التجربة الاخوانية أن انتكست في حركة فتح، فانسحب قادتها، ومنهم الشيخ عبد الله عزام الذي لعب دوراً كبيراً في وقت لاحق، حيث كان الحالة الأبرز التي هيأت لانطلاق ظاهرة الأفغان العرب أواسط ثمانينيات القرن الماضي، فقد أسس «بيت الأنصار» في مدينة بيشاور الباكستانية الذي يعتبر النواة الفعلية لـ «تنظيم القاعدة».
وسبق الشيخ عبدالله عزام، اللاجئ الفلسطيني صالح سرية بأكثر من عشر سنوات عندما وصل إلى العراق وتمكن مع عبد العزيز الشندالي وبتأثير من الإسلامي العراقي عبد العزيز البدري، من ممارسة النشاط هناك إلى حين الفرار إلى مصر، فتمكن هناك من إنشاء تنظيم إسلامي جهادي في مصر أسماه شباب محمد، داعياً إلى الجهاد ضد الأنظمة، ووقع في حينه حادث «تنظيم الكلية الفنية العسكرية» فأعدم أعضاء التنظيم ومنهم صالح سرية.
ولكن حزب البعث في العراق ما لبث أن قتل البدري ولاحق سرية وشندالي اللذين فرا إلى مصر. وتجمع مختلف المصادر على أن تأثير صالح سرية كان كبيراً في جماعات «الجهاد» في مصر وخصوصاً في محمد عبد السلام فرج الذي يعتبر مؤسس تنظيم الجهاد المصري، وظهر تأثره به جلياً في كتابه الشهير «الفريضة الغائبة».
البداية من غزة
إن تقدم قطاع غزة على الضفة الغربية في استقبال «الفكر السلفي الجهادي» وتنظيماته العسكرية والأمنية مرده الوضع القائم في القطاع، حيث الكثافة السكانية العالية، وانتشار الأحزاب الإسلامية منذ بداية الانتفاضة الأولى. فضلاً عن أن سلطات الاحتلال كانت ترى في تعويم التيارات الإسلامية في نهاية سبعينيات القرن الفائت ضرورة في مواجهة حركة فتح والجبهة الشعبية، فلم تعترض السلطات الإسرائيلية على إنشاء الجامعة الإسلامية في غزة، التي تحولت إلى احد المحاضن الفعلية للحركات الإسلامية في المدينة. وحاولت إسرائيل استثمار ثنائية ما يسمى الداخل والخارج مراهنة على استمالة الداخل بصفته بديلاً عن منظمة التحرير الفلسطينية، والإخوان كانوا جزءاً من هذا الداخل. لكن الإسرائيليين فوجئوا بسرعة انتشار الحركات الإسلامية وبتحولها إلى حركات مقاومة، وأدركت سلطات الاحتلال متأخرة بأن المواجهة المقبلة ستكون مع هذه التيارات وكانت الخطوة الأولى قيامها بإبعاد 400 من نشطاء حركتي حماس والجهاد الإسلامي إلى منطقة مرج الزهور في لبنان عام 1992.
وفي بداية الانتفاضة الفلسطينية الأولى، اعتمل النقاش داخل الحركة الإسلامية، فدعت مجموعات قطاع غزة إلى «تعجيل الجهاد». بينما فضلت مجموعات الضفة الغربية، في البداية، أن يسبق الإعلان عمل في التثقيف والتعليم بما يمهد لهذا الإعلان، وفي النهاية تمكن أصحاب الرأي الأول من فرض توجههم. ويمكن هنا تسجيل ملاحظة حول الفارق بين معتنقي «الجهاد العالمي» من الفلسطينيين بعد تجارب وطنية، وبين العائدين من «الجهاد العالمي» إلى «الجهاد الوطني»، هو أن معظم الأولين من أبناء الشتات الفلسطيني وتحديداً مخيمات الأردن، بينما الآخرون هم من الداخل وتحديداً من مدينة غزة. وفي سياق المشروع الوطني الفلسطيني تبلور الاتجاه الإسلامي الفلسطيني المقاوم في إطار تياره الرئيس المتمثل بحركتي حماس والجهاد الإسلامي منذ العام 1983. وعليه يمكن تقديم الصورة الموجزة التالية:
حركة المقاومة الإسلامية «حماس»
حركة مقاومة شعبية وطنية وجهادية، وزعت بيانها التأسيسي في 15 ديسمبر 1987، إلا أن نشأة الحركة تعود في جذورها إلى الأربعينات من هذا القرن، فهي امتداد لحركة الإخوان المسلمين، وقبل الإعلان عن الحركة استخدم الإخوان المسلمون أسماء أخرى للتعبير عن مواقفهم السياسية تجاه القضية الفلسطينية منها «المرابطون على أرض الإسراء» و«حركة الكفاح الإسلامي» وغيرها. وكان حادث الاعتداء الذي نفذه سائق شاحنة صهيوني في 6 ديسمبر1987، ضد سيارة صغيرة يستقلها عمال عرب وأدى إلى استشهاد أربعة من أبناء الشعب الفلسطيني في مخيم جباليا للاجئين الفلسطينيين، إعلاناً بدخول مرحلة جديدة، وصدر البيان الأول عن حركة المقاومة الإسلامية «حماس» يوم الخامس عشر من ديسمبر 1987.
وقد أثار بروز حركة «حماس» قلق أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية التي استنفرت كل قواها لرصد الحركة وقياداتها، خاصة بعد صدور ميثاق الحركة، حتى توالت الاعتقالات التي استهدفت كوادر الحركة وأنصارها منذ ذلك التاريخ. وكانت اكبر حملة اعتقالات تعرضت لها الحركة آنذاك في مايو 1989، وطالت تلك الحملة القائد المؤسس الشيخ الشهيد أحمد ياسين. ومع تطور أساليب المقاومة لدى الحركة التي شملت أسر الجنود الصهاينة في شتاء عام 1989 وابتكار حرب السكاكين ضد جنود الاحتلال عام 1990 جرت حملة اعتقالات كبيرة ضد الحركة في ديسمبر1990، وقامت سلطات الاحتلال بإبعاد أربعة من رموز الحركة وقيادييها، واعتبرت مجرد الانتساب للحركة جناية يقاضى فاعلها بأحكام عالية.
ودخلت الحركة طوراً جديداً منذ الإعلان عن تأسيس جناحها العسكري كتائب الشهيد عز الدين القسام في نهاية عام 1991 وقد أخذت نشاطات الجهاز الجديد منحى متصاعداً، ضد جنود الاحتلال ومستوطنيه. وقد اغتيل على يد الاحتلال الصهيوني خمسة من أصل سبعة كانوا يشكلون مجموعة التأسيس الأولى لحركة حماس في قطاع غزة (الشيخ أحمد ياسين، الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، صلاح شحادة، الدكتور إبراهيم مقادمة، المهندس إسماعيل أبو شنب). أما في الضفة الغربية فقد تعرض معظم المؤسسين للاعتقال أو الاغتيال.
لم تكد حماس تبدأ مسيرتها المباشرة ضد الاحتلال مع انطلاقة الانتفاضة الأولى نهاية العام 1987 ومع نهاية العام التالي 1988، حتى كانت سلطات الاحتلال تشن حملة اعتقالات في صفوفها طالت مائة وعشرين من قادتها وكوادرها كان من بينهم الدكتور عبد العزيز الرنتيسي وإبراهيم اليازوري وصلاح شحادة، وثلاثتهم من مجموعة التأسيس.
وفيما لم تكن الحركة قد استوعبت الضربة بعد حتى جاءتها أخرى أكثر حدة منتصف العام 1989 حين اعتقل مائتان وستون من خيرة قادتها وكوادرها على رأسهم الشيخ أحمد ياسين الذي حكم عليه بالسجن المؤبد وظل رهن الاعتقال حتى أفرج عنه بعد تفاعلات فشل عملية اغتيال خالد مشعل في الأردن.
وهنا اضطر مسئول المكتب السياسي للحركة في الخارج ولم يكن معروفاً آنذاك (الدكتور موسى أبو مرزوق) إلى دخول قطاع غزة وإعادة ترميم الجسم التنظيمي للحركة، إضافة إلى بلورة الجناح العسكري تحت اسم كتائب الشهيد عز الدين القسام. في هذه المرحلة بدأت المواجهة الأعنف مع الاحتلال بعد أن نقلت الحركة - خلافاً لتوجهات منظمة التحرير الفلسطينية - المواجهة من الحجارة إلى السكاكين وصولاً إلى الرصاص والقنابل والمتفجرات. وقد أدى ذلك إلى مواجهة شاملة مع الحركة نهاية العام 1990، وذلك حين اعتقل من الضفة الغربية وقطاع غزة حوالي ألف وسبعمائة من كوادرها وقياداتها طالت معظم رموز الصف الأول وبعض الثاني وحتى الثالث. كانت الحركة في هذه المرحلة قد تجاوزت المصاعب الأولى وانطلقت صوب العمل الجماهيري الذي يتجاوز النخبة، فلم تؤد الضربة على اتساعها إلى شل الحركة.
نتذكر هنا ما قاله الشهيد القائد في الحركة جمال منصور بالنسبة لمدينة نابلس التي كان رمزها الأول، حين أوضح أن أعداد الكادر خلال عام من الانطلاقة في الضفة التي تأخرت بشهرين عن غزة قد تضاعفت ثلاث عشرة مرة. وعادت سلطات الاحتلال ووجهت ضربة أخرى للحركة نهاية العام 1992 إثر اختطاف الجناح العسكري لجندي صهيوني بهدف تحرير الشيخ أحمد ياسين ، وقد تمثلت الضربة هذه المرة بإبعاد حوالي أربعمائة من قيادات الحركة إلى مرج الزهور، على رأسهم الشهيد عبد العزيز الرنتيسي طوال ما يقرب من عام وانتهت بعودة المبعدين جميعاً، وإن جرى تحويل جزء كبير منهم إلى السجون.
كان الإبعاد محطة نهوض لحركة حماس ومن قبله مسلسل الاعتقالات الذي شكّل فرصة مناسبة لتدريب وتأهيل عدد من الكوادر من خلال الفعل الميداني وليس من خلال التنظير فقط، وهنا يمكن القول إن المحطات المشار إليها قد قدمت خدمات جليلة للحركة من حيث صناعة القادة والرموز الذين كانوا يخرجون من السجون أكثر قوة وعطاءً وأكثر تميزاً واحتراماً في صفوف الجماهير، لا سيما بتميز الحركة داخل السجون بأساليبها ومناهجها التعليمية والتربوية والروحية.
لم يكن ذلك هو كل شيء، فقد حازت الحركة بشهدائها ومعتقليها على ثقة قطاع عريض من الشارع الفلسطيني الذي أخذ يمدها بالمزيد من الشبان في الجامعات والمدارس والمساجد، ومن بين هؤلاء كانت تبرز قيادات جديدة قادرة على حمل الأمانة والمضي بها إلى الأمام.
يمكن القول إن مرحلة أوسلو كانت الأصعب على حماس رغم تراجع منسوب الاعتقالات في صفوفها خلال النصف الثاني من مسيرة الاتفاق، وتحديداً بعد العام 1996، حين تراجع الفعل العسكري لأسباب مختلفة، وبسبب قرار بالتهدئة الذاتية من دون تنكيس لواء المقاومة تماماً.
خلال هذه المرحلة كان كثير من المعتقلين قد خرجوا من السجون وعلى رأسهم قادة الحركة الكبار الذين بدأت فترات حكمهم تنتهي تباعاً، ولينتقل بعضهم من سجون الاحتلال إلى سجون السلطة كما هو حال عبد العزيز الرنتيسي ومحمود الزهار وإبراهيم المقادمة وسواهم. وكان المدد الكبير الذي نالته الحركة طوال المراحل السابقة قد ظهر للعيان خلال انتفاضة الأقصى التي شهدت ما يشبه الإجماع على خيار المقاومة والكفاح المسلح وصولاً إلى العمليات الاستشهادية.
حضور معنوي
وقد شكل الحضور المعنوي لعدد من القادة على رأسهم الشيخ أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي جزءا مهماً من تقدم حركة حماس. ولا شك أن الشهيد عبد العزيز الرنتيسي قد شكل حالة أكثر خصوصية بوصفه اللسان الذي يتبنى المقاومة ويدافع عنها بمنتهى الصلابة ومن دون أدنى تحفظ على الإطلاق.
وقد كانت وسائل الإعلام تطلق عليه لقب صقر الصقور في الحركة، لكن واقع الحال كان يقول إن الرجل كان الأكثر شعبية في أوساط الفلسطينيين والشارع العربي والإسلامي، حتى أن مجلة تايم الأميركية قد اختارته من بين أهم خمس شخصيات مؤثرة في الشرق الأوسط لعام 2002.
من جانب آخر، تم تشكيل المكتب السياسي لحركة حماس عام 1992 برئاسة موسى أبو مرزوق، وتسلم قيادته خالد مشعل عام 1996، اثر اعتقال أبو مرزوق في الولايات المتحدة. ومن مؤسسي حركة حماس، يمكن أن نورد بعض الأسماء البارزة مثل : عبد الفتاح دخان، أحمد بحر، مصطفى قانوع، صلاح شحادة، إسماعيل أبو شنب، إبراهيم المقادمة، إسماعيل هنية، إضافة إلى عبد العزيز الرنتيسي في قطاع غزة ....
وكان هناك تجربة عسكرية سابقة، اعتقل على أثرها الشيخ الشهيد أحمد ياسين بتهمة تخزين السلاح والإعداد للعمل الفدائي. وسقط شهيدان للحركة عام 1986من أبناء قطاع غزة ومن طلاب جامعة بير زيت، هما : الشهيد جواد سلمية، الشهيد صائب أبو ذهب. البيان الأول لحركة حماس صدر ووزع باسمها المعروف بتاريخ 15 ديسمبر 1987. وتأثر انطلاقها بالخروج الفلسطيني المسلح من لبنان ووقوع مجزرة صبرا وشاتيلا، حيث حدث تطور على مستويات التفكير والتنظيم، وتتويجاً لظروف نشأة حماس من خلال البدء في مرحلة الإعداد والتدريب.
وفي سياق الفعل السياسي، والحضور الهائل الذي ميز حركة حماس على امتداد السنوات الماضية، وبعد أن تحولت إلى رقم أساسي في المعادلة الفلسطينية، قررت حركة حماس في العام 2005 المشاركة في الانتخابات التشريعية الفلسطينية، وهو الأمر الذي لم تقم به في الانتخابات التشريعية السابقة عام 1996 حيث كانت تعتبر أن تلك الانتخابات تتم تحت مظلة أوسلو وأنها لن تشارك بها بصفتها معارضة لاتفاقيات أوسلو، وفي 26 /1 /2006، تم الإعلان عن نتائج الانتخابات التي تمخضت عن فوز ساحق لحركة حماس في المجلس التشريعي بواقع 76 مقعدا من أصل 132 مقعدا، مما أعطى حماس أغلبية في المجلس، وعليه تم تكليف الحركة بتشكيل الحكومة الفلسطينية برئاسة إسماعيل هنية، في الوقت الذي لم تهدأ فيه حروب وضغوط الإدارة الأميركية على الحكومة الفلسطينية الشرعية.
وحصارها وتجويع الشعب الفلسطيني، في الوقت الذي أظهرت فيه حركة حماس درجة عالية من البراغماتية التي أطلت بنفسها عبر المواقف المعلنة للقيادات المسئولة فيها، وكلها عوامل لعبت دوراً هاماً في تمرير استحقاق العملية الانتخابية الديمقراطية لانتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني، بسلاسة كاملة من دون التواءات أو اهتزازات، خصوصاً مع تواتر الأصوات الأميركية والإسرائيلية التي بدأت تضج وتصرخ من العقلانية العالية التي دفعت بحركة حماس نحو المشاركة في العملية الديمقراطية الانتخابية.
فالنتائج التي أفرزتها العملية الانتخابية الديمقراطية لاختيار أعضاء المجلس التشريعي، والتي جرت في فلسطين يوم 25 /1/ 2006، كانت في وقعها أشبه بالصاعقة التي هبطت فوق رؤوس المتابعين للشأن الداخلي الفلسطيني، والمتابعين لحال خارطة القوى السياسية الفلسطينية وأوضاعها الذاتية.
فقد كانت النتائج، حادة في انزياحها لصالح قائمة حركة حماس المسماة بقائمة التغيير والإصلاح، ولصالح مرشحيها الذين فازوا في ظل النظام الانتخابي المعتمد (50% قوائم، 50% دوائر). فقد حصدت حركة حماس 76 مقعداً، بينما تراجع حزب السلطة الفلسطينية، والمقصود حركة فتح، إلى الموقع الثاني للمرة الأولى في التاريخ المعاصر لحركة المقاومة الفلسطينية بفارق كبير نسبياً، فقد حصلت حركة فتح على 43 مقعداً فقط من أصل 132 مقعدا، وباتت جميع القوى الفلسطينية من كافة التلاوين القومية واليسارية في خانة «القوى ذات الوزن الخفيف» وتالياً لم تستطع أن تحصد سوى 13 مقعدا، وبعضها لم يتعد نسبة الحسم المقررة.
استقطاب سياسي
إن الانتخابات بنتائجها المترتبة عليها، فاقمت من استفحال ظاهرة الاستقطاب السياسي والبرنامجي والتنظيمي في الساحة الفلسطينية بين الكتلتين السياسيتين الأكبر في ساحة العمل الفلسطيني ممثلتين بحركتي فتح وحماس مع ضياع قوى القطب الثالث الممثلة للتيارين القومي والديمقراطي اليساري، بعد عجزها وفشلها في التوصل إلى قائمة موحدة نظراً لاعتبارات مختلفة يقف على رأسها التراكم السلبي من العلاقات المتردية تاريخياً بين مكونات وأطراف هذا التيار.
وطغيان منطق «النرجسية الذاتية» والأنانية التنظيمية بين أطرافه بعيداً عن الخلاف البرنامجي الذي يتلحف به البعض من القوى اليسارية، كالخلاف والتباين حول أعداد المرشحين وترتيبهم من كل طرف. وعلى هذا الأساس جاء تشتت قوائمها على قوس يمتد إلى نحو تسعة قوائم، وجاءت نتائجها المتواضعة عبر صندوق الاقتراع. ومن المؤكد بأن الفوز الكاسح لحركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية، وضعها أمام مرحلة صعبة لا تحسد عليها، وأمام جملة من الاستحقاقات التي تنتظرها مع إمكانية تشكيلها للحكومة الفلسطينية الجديدة.
وكما يقولون في المثل الشعبي الفلسطيني «أول الرقص حنجلة» فالفوز الانتخابي له استحقاقاته، ولن يكون هذا الاستحقاق دون ثمن مقبول، وأول الأثمان المطروحة يتمثل في ضرورة إحلال منطق المشاركة السياسية والبرنامجية الواسعة على أساس توسيع مساحة التقاطع المشترك، مع الأخذ يعين الاعتبار جملة الوقائع التي أفرزتها السنوات الماضية من عمر السلطة الفلسطينية والتزاماتها الدولية المترتبة عليها، وإلا فان سيف المقاطعة الدولية سيغلق الفضاء المفتوح أمام الحركة السياسية والدبلوماسية الفلسطينية الرسمية.
وفي هذا الإطار، أصبح من المنطقي على حركة حماس، التوجه المتسارع في سياق سعيها للدخول إلى البيت الفلسطيني الائتلافي من أوسع أبوابه، عبر القبول بمبدأ «المشاركة» والتحالف تحت سقف القواسم المشتركة بعيداً عن نزعة الاحتواء، استناداً إلى المحاصصة المشروعة التي تمت عبر صندوق الاقتراع في الانتخابات البرلمانية في سياق إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية كإطار جبهوي موحد يضم كل أطياف الحركة الوطنية بما في ذلك قوى التيار الإسلامي الفلسطيني (حركتا حماس والجهاد). إضافة إلى التقدم ببرنامج سياسي مسؤول بعيداً عن التهور أو التطرف، يتكيف مع المعطيات القائمة، مازجاً بين السياسي والأيديولوجي وفقاً لطبيعة كل مرحلة. كما في التوجه المتسارع لتوسيع دائرة علاقاتها العربية والدولية، ومواصلة محاولتها المشروعة للبدء في حوار شامل مع الإدارة الأميركية، والغرب بشكل عام، انطلاقاً من تطور مواقفها في التعاطي السياسي مع مراكز القرار المؤثرة في العالم، ومحاولتها «مسح» الادعاءات الغربية التي وسمت سياسة وممارسات حركة حماس باعتبارها تنظيماً «إرهابيا».
وبالمحصلة، في الظرف الراهن، للمرة الأولى في التاريخ العربي المعاصر، يجلس ممثلو الجناح الإسلامي السياسي الفلسطيني في الموقع القيادي تحت قبة البرلمان باعتبارهم الكتلة الأولى من حيث عدد الأعضاء المنتخبين، بعد أن فازت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وتصدرت الموقع القيادي الفلسطيني في الداخل بعد سنوات طويلة من حصر القيادة المباشرة بقوى وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وتحديداً حركة فتح.
فالصعود الديمقراطي للجناح السياسي الإسلامي في فلسطين، وارتقاء حماس إلى الموقع القيادي المتنفذ، وضع حركة الإسلام السياسي العربية أمام اختبار «النجاح من عدمه» وهو بالطبع اختبار قاس وليس بالأمر اليسير، في ظل تجارب عديدة لقوى ومشارب أيديولوجية عربية مختلفة تم وأدها في مهدها من قبل النظام الرسمي العربي بغالبيته، ولم تستطع أن تنطلق قاطرتها نحو اشتقاق تجربة جديدة ومغايرة للواقع القائم.
وبكل وضوح وشفافية، فان تيار الإسلام السياسي في فلسطين على محك القيادة المسئولة لأول مرة بعد مشوار طويل قطعته الحركة الإسلامية في فلسطين والبلدان العربية وهي جالسة على مقاعد المعارضة دون أن تحترق أصابعها بنيران السلطة باستحقاقاتها ومثالبها في عالم يموج في بيئة المتغيرات والتحولات.
وانطلاقاً من هذا المعطى، فان حركة حماس مطالبة بضرورة استيعاب تجربة الإسلام السياسي العريقة في المنطقة، وأخذ الوقائع بعين الاعتبار، وإلا فان مصير حركة العمل السياسي الفلسطيني، بما فيها حركة الإسلام السياسي ستكون مغلقةً، وستصطدم بالجدار الدولي.
امتحان النجاح
إن الإسلام السياسي في فلسطين أمام تجربة هي الأولى في الحالة العربية بشكل عام، ويتوقف على حركته وإمكانية عبوره طريق النجاح النسبي مصير حركة الإسلام السياسي المعتدل في المنطقة العربية بأسرها لسنوات قادمة، وفي هذا المقام فان المزج النسبي والمزاوجة بين الأيديولوجي والسياسي ضرورة لا غنى عنها أمام امتحان النجاح لحركة حماس في الساحة الفلسطينية، وكل التباشير والمؤشرات تدل على النضج المتقدم في وعي التجربة من قبل قيادات حركة حماس، حيث الخطاب العاقل، والدعوة الدائمة لتوسيع دائرة الائتلاف الوطني في الساحة الفلسطينية، والتعاطي الواقعي مع البيئة الدولية في أزمنة التحول المتسارع.
إن فتح النوافذ أمام الإسلام السياسي في فلسطين، وتحديداً أمام حركة حماس، يتطلب منها الانتقال من موقع البعيد عن الإطار التمثيلي الأوسع للشعب الفلسطيني، والمقصود منظمة التحرير الفلسطينية لصالح الاندماج تحت مظلتها الائتلافية باعتبارها المرجعية الشاملة لكل الفلسطينيين في الداخل والشتات، والطرف المسئول عنه في نهاية المطاف. فالسلطة الوطنية الفلسطينية جزء من منظمة التحرير الفلسطينية، وتحت قيادتها. فانضواء حركة حماس داخل أطر ومؤسسات منظمة التحرير سيعطيها دفقاً جديداً مؤثراً، يغذي من تجربتها في ظل ارتقاءها مواقع المسؤولية في السلطة الوطنية الفلسطينية. ويوفر للإسلام السياسي الفلسطيني سبل النجاح في إطار قاعدة «اللعبة الديمقراطية» التي توافق عليها الفلسطينيون.
حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين
كانت نشأة حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، ثمرة حوار فكري وتدافع سياسي شهدته الحركة الإسلامية أواخر السبعينيات من القرن الماضي، وقادته مجموعة من الشباب الفلسطيني أثناء وجودهم للدراسة الجامعية في جامعة الزقازيق المصرية، وكان على رأسهم الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي، الشيخ عبد العزيز عودة، الدكتور رمضان عبد الله شلح، الدكتور محمد الهندي،نافذ عزام، الشيخ عبد الله الشامي ...
وتقدمت حركة الجهاد الإسلامي، كفكرة وكمشروع في أوائل الثمانينيات، وبعد عودة الدكتور الشهيد فتحي الشقاقي وعدد من أصدقائه إلى فلسطين، حيث تم بناء القاعدة التنظيمية لحركة الجهاد الإسلامي، وبدأ التنظيم يعمل لخوض غمار التعبئة الشعبية والسياسية في الشارع الفلسطيني بجانب العمل المسلح بدعم مباشر من الشهيد خليل الوزير قائد القطاع الغربي في حركة فتح، وعليه نفذت الحركة أولى عملياتها الفدائية في منطقة الشجاعية في قطاع غزة عام 1983.
ومن ثم اشتقت طريق المواجهة العسكرية الشاملة، فبرزت على الساحة الفلسطينية في الداخل كقوة مؤثرة على الأرض بغض النظر عن التقييم العام لمسار العمل العسكري في سياق الانتفاضة. وتعتبر حركة الجهاد الإسلامي بكل المقاييس قوة فلسطينية رئيسية في اللحظة الراهنة في الداخل الفلسطيني خصوصاً في قطاع غزة، حيث دعا الشهيد الشقاقي إلى رد الاعتبار لفريضة الجهاد الغائبة واستحضارها في الصراع مع الاحتلال. وقد وقعت أولى «العمليات الاستشهادية» لحركة الجهاد الإسلامي وجناحها المسلح، بعد مؤتمر مدريد وبداية التسوية المأزومة يوم 16 /4/ 1993 عندما قام الشهيد طاهر النابلسي، من حركة الجهاد الإسلامي / نابلس بتفجير نفسه في سيارة مفخخة بين حافلتين إسرائيليتين لقوات الاحتلال في غور الأردن. وهذه العملية دفعت الأطراف الإسرائيلية للتدقيق فهل هي عملية عابرة ، أم نمط جديد بدأ يشقّ طريقه عند الفلسطينيين ..؟
خاصة وأن عملية فدائية ثانية من نفس النمط تبعت الأولى مباشرة ونفذها الاستشهادي ساهر تمام من حركة حماس قرب مستعمرة محولا في بيسان، وعملية لاحقة تمت في حافلة وسط مدينة العفولة عام 1994 على يد كتائب الشهيد عز الدين القسام / الجناح العسكري لحركة حماس، ونفذ الشهيد نبيل فرج العرعير من سرايا القدس ومن قطاع غزة، أول عملية استشهادية في الانتفاضة الثانية،
وذلك بتاريخ 26 /10/ 2000 بواسطة دراجة هوائية، ونفذ أول فلسطيني من مناطق 1948، الشهيد محمد صلاح حبيشي 50 عاماً من قرية أبو سنان / قضاء عكا، عملية استشهادية في 9/9/2001، كما نفذ بريطاني هو عاصف محمد حنيف عملية استشهادية في مقهى بتل أبيب بتاريخ 30 /4/ 2003، وعثر على جثة شريكه عمر خان شريف وهو بريطاني أيضا بعد أسبوع في البحر.