سأل أحد المعلمين زميله عن سبب التأخير، فأجابه: «أنه وعلى ما يبدو إن وفد المنطقة الغربية التعليمية لم يصل بعد، وإذا بأحد الأشخاص يجيب مسرعاً «لا يا أخي فنحن هنا منذ ما يزيد على الساعة، وقد وصلنا قبل الجميع»، هذا الشخص كان معلم التربية الرياضية بالمنطقة الغربية وفي السلع تحديداً، ويدعى موسى أحمد ملحم، الذي أتى ومجموعة من الطلاب قاصداً المشاركة في المسابقة التي استهوت الكثيرين لطابعها غير التقليدي، ولجمال روح المنافسة والتحدي فيها كما قال.

تلك المسابقة كانت بطولة صيد الأسماك على مستوى الدولة لطلاب المرحلة الإعدادية، والتي قبلت شواطئ أم القيوين أن تكون مسرحاً لها، بعد أن تمت دعوة عشر مناطق تعليمية للمشاركة فيها، بتمثيل وتنسيق من وزارة التربية والتعليم ومنطقة أم القيوين التعليمية، وبرعاية شاملة من مجموعة شركات الكبيسي، مع توفير كافة متطلبات الأمان والسلامة من سرب حرس السواحل بأم القيوين.

فكرة المسابقة

قبل أن تعلن ساعة الصفر، حرص سلطان بن غافان رئيس قسم الأنشطة بمنطقة أم القيوين التعليمية رئيس اللجنة المنظمة للمسابقة على التأكيد أن فكرة المسابقة ولدت في إدارة البرامج الصحية والرياضية بوزارة التربية والتعليم التي يديرها ناصر آل رحمة، وجرى التنسيق والتشاور مع منطقة أم القيوين التعليمية لتنفيذ آلية ناجحة من التطبيق على أرض الواقع، خصوصاً وأن المسابقة تجرى للمرة الأولى هذا العام.

ابن غافان حاول بمعية سعيد مجحود الذي يعمل في إدارة الجنسية والإقامة ويملك خبرة كافية في الصيد والبحر أن يبقيا الفعالية في إطارها التراثي والتثقيفي والمعرفي خصوصاً وأن أبطال المتسابقين هم من جيل الشباب في مرحلة الحلقة الثانية من تعليمهم، وقبيل الانتقال إلى المراكب قال رئيس اللجنة المنظمة إن سبب إجراء المسابقة في منطقة أم القيوين هو أن الإمارة مشهورة ومنذ القدم بصيد الأسماك، وأنها كانت تحتضن أمهر الصيادين القدماء،

وتتكفل من جهة أخرى بتصدير الفائض من الأسماك إلى خارج الإمارة والدولة، فالمسابقة وجدت انطلاقاً من فكرة منح النشء معلومات قيمة عن الصيد، وإبقائهم على صلة بتراث ومهنة آبائهم وأجدادهم، وذلك على الرغم من أن الصيد سيكون خلالها بطريقة «البلادي» التي تناسب قدرات وأعمار الطلاب وتخلو من التعقيد، إذ توجد أدوات وطرق كثيرة ومتنوعة للصيد.

وقت الانطلاقة

على الرغم من أن وقت الانطلاقة عند آذان الظهر كان غير مناسب لصيد الأسماك بحسب ما أفاد أصحاب الخبرة في هذا المجال، إلا أن جماليات ومفاجآت المسابقة الغريبة والمليئة بالمتعة والتحدي أغفلت هذا الجانب، ولم يبرز حينها، سواء من الطلاب أو من اللجنة المنظمة أو من معلميهم الذين حضروا لمساندة الفرق الطلابية المتنافسة، إلا الإصرار والتحفز للمنافسة والتحدي.

في نقطة قريبة من مياه خور الرأس بأم القيوين كانت البداية، وبدا أعضاء سرب حرس السواحل بقيادة النقيب محمد عبد الله المعلا في حالة طوارئ تامة لتأمين السلامة لرواد البحر غير المحترفين الذين يزيدون على المئة، موزعين بين الطلاب المتسابقين وهم طالبان عن كل منطقة تعليمية، والحكام من موجهي ومعلمي التربية الرياضية، والمشرفين وأعضاء اللجنة المنظمة أو الإعلاميين الذين رافقوا مغامرة الصيد الطلابية، والذين أضيف لهم أعضاء من حرس السواحل كمنقذين رافقوا المغامرين في عرض البحر على بعد ميلين بحريين من الشاطئ.

بداية الرحلة

بعد أن تأكد المشرفون على المسابقة من ارتداء المتحفزين لدخول البحر ستر النجاة، واكتمال أعداد الطلبة وتوزيعهم على أربعة مراكب بمرافقة الحكام والمشرفين والمنقذين، انطلق الموكب إلى المكان المحدد للصيد، وبدأت نظرات الجميع تجوب البحر ذهاباً وإياباً، وسط دهشة جمالية سلبت من الجميع مجرد التفكير بأعباء المسابقة، وانصرف كل من يجلس في تلك «الطرادات» إلى جهات متشتتة على امتداد المياه التي زينتها من الأعلى أسراب من الطيور أحالت زرقتها إلى سواد قاتم.

الهدوء الذي اعتادته المياه في مثل هذا الوقت من النهار نتيجة لمغادرة أرباب البحر المحترفين بعد رحلة صيد مبكرة وعودتهم إلى الحياة الأخرى في البر، كان له من يبدده ويربك تموجات المياه ولطفها، حيث اخترقت أربعة طرادات تابعة لحرس السواحل ومعها سفينة صغيرة تحمل المشرفين على المسابقة والمعدات اللازمة والمساندة، مياه البحر لتفاجئ الأسماك التي لم تهو بعد إلى قاع البحر وتوقعها في شباك صغيرة تمسكها أنامل غضة لم تعتد قساوة البحر وخشونة التعامل معه.

أحد المراكب الأربعة الذي يقوده سيف محمد من مجموعة حرس السواحل بأم القيوين، حمل ستة طلاب يمثلون ثلاث مناطق تعليمية، وهم أحمد خميس وعمر خليفة من الفجيرة، وحمد سلطان علي وعلي محمد عيسى من رأس الخيمة، ومحمد خميس وعبد الله محمد من مكتب الشارقة التعليمي، ومنقذين اثنين من حرس السواحل وهما سلطان لازم علي وسالم أحمد، وحكم من منطقة دبي التعليمية وهو محمد حلمي مدرس التربية الرياضية بمدرسة الشافعي وكبير مدربي الغوص في الدولة، واثنين من المشرفين من معلمي التربية الرياضية، بالإضافة إلى مندوبي الصحف المحلية.

ظلت المراكب الأربعة ومعها السفينة المرافقة تسير إلى أن استقر منظمو المسابقة على منطقة ما في عرض البحر، وبدأوا يطلقون صفاراتهم إيذاناً بتوقف المراكب، وعلى الفور توقف الجميع، واستفاق الركاب من أحلامهم الجميلة والمتفائلة الممتدة على طول مياه الخليج، وراح الجميع يستعد ليؤدي دوره في المسابقة التي ستتواصل لساعتين من الوقت، وما أن استقر الجميع حتى أطلقت صافرة البداية من المركب الأكبر الذي يحمل ما يزيد على الستين راكباً من المنظمين من وزارة التربية والتعليم ومنطقة أم القيوين التعليمية وعدد من معلمي التربية الرياضية.

صافرة البداية

بمجرد أن سمع المتسابقون صافرة البداية حتى غاصت أدوات الصيد التي يحملونها في عمق البحر باحثة عن سمكة يغريها طعم مزيف على الأرجح أن تموت قبل أن يصل فاها إليه.

مضت أكثر من ثلاث دقائق ولم تخرج إلينا سمكة جائعة، وبدت ملامح الملل على وجوه الطلاب المتسابقين القلقين على أرزاقهم القابعة في ظلمات البحر، وراح المشرفون والمنقذون يتساءلون عن وجود أسماك في ذلك الوقت من النهار، وقبل أن ينتهوا من حديثهم المتفائل نسبياً، تمكن طالب من منطقة رأس الخيمة من إخراج الخيط المنزلق في المياه لتخرج إلى النور أول سمكة من نوع «باراكودا» تزن ما يزيد على الكيلو غرام، ومعها انطلقت الصيحات، وبدأ الجميع بالتصفيق والتشجيع.

كانت السمكة الأولى فاتحة خير على طلاب الشارقة الذين تمكنوا في أقل من ربع ساعة من اصطياد خمس سمكات، فاشتدت المنافسة وبدأت الخيوط تخرج إلى النور مبشرة ماسكيها بالخير، وكعادته لم يبق البحر باسطاً ما فيه من خيرات لطلاب يطمحون إلى الإمساك بأكبر عدد ممكن من الأسماك، ليس طمعاً في مردود مادي بل حلماً بحيازة لقب البطولة في المسابقة الطلابية لصيد الأسماك على مستوى الدولة.

وعلى نغم واحد ظل الموقف يتأرجح، فتارة تلتهب الجموع بالتشجيع والتصفيق لاستقبال سمكة جديدة، وتارة أخرى يعم الهدوء الممزوج بالدعوات وبحركات الأيادي الصغيرة التي تهتز باحثة عن سمكة تائهة ترفع من رصيد البقاء والمنافسة، أما خرير المياه فلم يتوقف أبداً، واستمرت الأمواج البريئة تذهب بالمركب يميناً ويساراً، والجميع يستمتع بمنظر الأسماك المتخبطة في الهواء الطلق مع نسيم البحر اللطيف والمنعش.

الصيد يتوقف

وبينما ظن المتسابقون من الطلاب أنهم لم يأخذوا من الوقت المخصص لهم إلا القليل، دوت صافرة رئيس اللجنة المنظمة للحدث الأول من نوعه على مستوى الدولة والمنطقة، لتعلن نهاية المسابقة التي عاش معها من يعتلون المراكب أكثر من ساعتين دون أن يشعروا بمرور الوقت، وبحكم أعراف المسابقة التي وضعتها اللجنة المنظمة فيتعين على المتنافسين سحب خيوطهم من المياه فوراً، حيث أبطل وجود الحكم على متن المركب محاولات بعض الطلاب التريث بسحب أدواتهم من الماء للإمساك بسمكة أخيرة ربما تكون «هدفاً ذهبياً» لفريق محظوظ.

وعلى الفور اصطفت الطرادات الصغيرة بصعوبة نسبية نتيجة لممانعة المياه وبدأت تقترب بدقة من السفينة المركزية لتلقي كل واحدة ما تحمل من صناديق صغيرة كتبت عليها أسماء المناطق التعليمية العشر وتحمل أنواعاً قليلة من الأسماك، وهي الجد أو الباراكودا واللزاق والهامور.

إحصاء العدد

اللجنة المنظمة بدورها رتبت بعناية الصناديق الصغيرة التي تحمل كمية متواضعة من الأسماك، وأخذت بطريقة متقنة تحصيها وتدون العدد الإجمالي لكل منطقة تعليمية على الورق بوجود الحكام والمشرفين، حيث لم يقف الطلاب حابسي الأنفاس نتيجة لمعرفة المناطق التعليمية الثلاث الأولى قبل أن تعلن اللجنة المنظمة النتيجة الرسمية، وذلك بسبب العدد القليل لكمية السمك الموجودة في كل صندوق، ثم الاتصالات الهاتفية التي تواصلت طيلة الرحلة بين المعلمين المشرفين الموزعين على المراكب الأربعة.

قبل أن تنطلق السفينة حرص المنظمون على إعلان النتيجة النهائية للمسابقة، والتي حصلت فيها منطقة أم القيوين التعليمية التي تحملت عناء التنظيم على المرتبة الأولى بعد أن اصطاد الطالبان اللذان مثلاها 14 سمكة، تلتها منطقة مكتب الشارقة التعليمي بعشر سمكات، فيما جاءت منطقتا دبي وعجمان في المرتبة الثالثة بواقع تسع سمكات لكل منهما،

أما الفجيرة فحازت على ثماني سمكات، و6 سمكات لمنطقة الشارقة، و5 للعين و4 لرأس الخيمة و3 سمكات لمنطقتي أبوظبي والغربية، حيث وصل مجموع السمك التي تمكن الطلاب الصغار من اصطيادها في مدة المسابقة المحددة 71 سمكة، ونال الطالب جاسم محمد من المنطقة الغربية جائزة أضخم سمكة تم اصطيادها والتي بلغ وزنها نحو 2 كيلو غرام

عنان كتانة: