تتزايد ظاهرة كتابة الرسائل من الطالبات إلى المعلمات بشكل كبير، لاسيما بين طالبات المرحلة الإعدادية، فيما أرجع اختصاصيون وتربويون الأسباب إلى مرحلة المراهقة، تلك الفترة الانتقالية التي تكون فيها الفتاة غريبة عن نفسها، متأرجحة في مشاعرها، تحتاج في هذه السن إلى من يكتنفها ويحتويها بالرعاية والتوجيه.

تقول عزيزة نوفل 15 سنة: غالباً ما أكتب لمعلمتي عن أشياء لا أستطيع قولها، وأحياناً أكتب عندما تكون حالتي النفسية سيئة من مشكلات قد تحدث هنا في المدرسة، أو في البيت، وليس لي هدف سوى الحصول على بعض النصائح والحلول لأتخلص من تلك المشكلة.

وتقول هدى حامد (معلمة) «ارتبطت بي طالبة بعلاقة قوية، وكانت تكتب الرسائل لي، وتعبر عن نفسها شفهياً، ولم تنقطع صلتها بي حتى بعد انتقالها إلى المرحلة الثانوية، لكنني اكتشفت لاحقاً أن تعلقها بي كان هروباً مما تعانيه في المنزل،هي تحتاج إلى من يرعاها ويحتضن مشاعرها».

وأضافت رسائل الطالبات تترجم ما تشعر به الطالبة تجاه معلمتها، فهي إما أن تعبر بكلمات بريئة، ويمكن أن تكون تعبيراً عن رأي الطالبة في معلمتها، من حيث الشخصية والقدرة على الشرح والمعاملة الطيبة.

هديل عسيري 14 سنة تقول:أحب أن أكتب لمعلمتي إعجاباً بها أو بتدريسها، وأحياناً بشخصيتها وطريقة معاملتها لنا، أرسل لها رغبة في أن يكون ثمة رابط بيني وبينها، وغالباً ما أضمن الرسالة بعض الرسوم المعبرة مثل القلوب.

حالة خاصة

وتقول نورة سعيد الشهري معلمة: «الرسائل للمعلمات في مدارس البنات، لا تخضع إلى مرحلة دراسية محددة، أو فئة عمرية معينة، وليس من الضرورة أن تكون الطالبة التي تكتب الرسائل تعاني من حالة خاصة، ولكننا نبحث في الحالات التي تكون مختلفة نوعاً ما، فبعض الطالبات مثلاً يسرفن في الكلام إلى درجة يخرجن فيها عن حدود اللياقة، أو يعبرن عن مشاعرهن بطريقة أقرب إلى الانحراف السلوكي، مثل هذه الحالات تكون مدعاة إلى الوقوف والدراسة والبحث».

وأضافت «يتفاوت الأمر لدى المعلمات في مدى تقبّل تلك الرسائل أو صاحباتها، مثلا كتابة الطالبة لمعلمتها في المرحلة الإعدادية خصوصاً ليست ظاهرة مقلقة في شكلها الأولي، إلا إذا تعدت المعتاد والمتوقع من الفتاة في هذه السن»، مشيرة إلى أن التطور العاطفي لدى الفتاة في الصفين الثاني والثالث الإعداديين يسبق مثيله لدى الأولاد في الفترة نفسها، فالأولاد يسبقون في التطور الاجتماعي، ويكونون منفتحين أكثر لأهمية الصداقات،

أما الفتاة فتكون منشغلة بالأحاسيس والعواطف، وقد يكون ذلك من أسباب التفوق الدراسي لدى الطالبات عنه لدى الطلاب، لأن الطالب في هذه الفترة مشغول بالانتماء إلى الآخرين والصداقات، بينما تكون الفتاة مقيمة في المنزل، وقد تمثل المعلمة النموذج الذي تود البنت أن تكونه والذي تقتدي به، وكثيرات من المعلمات يتفهمن طبيعة هذه السن، وغالبا لا تتمخض عن هذه العلاقة الوقتية مشكلات، وفي الغالب، تضمحل هذه الرسائل في المرحلة الثانوية، إذ تكون الفتاة حينها تخطت هذه المرحلة العاطفية».

حاجة اجتماعية

وتعتبر العديد من التربويات في منطقة العين رسائل الطالبات تعبيرا عن حاجة اجتماعية، تقول منى شايع مديرة: رسائل الطالبات لمعلماتهن تكون في مرحلة المراهقة، وهذه الانفعالات انفعالات طبيعية تجاه المعلمة في هذه السن، وأنا لا يمكن أن أقيم هذه الرسائل، أو أن أعتبرها انحرافا، أو نفاقا، ولكنها رسائل تعبر عن احتياج الطالبة للدعم من قبل الأسرة والمدرسة»،

مشيرة إلى أن إرسال الطالبة لمعلمتها برسالة تعبر عن حبها لها، وأنها تعتبرها قدوتها أمر طبيعي في هذه السن التي تبحث فيها الطالبة عمن يحتويها.

وأضافت «لا بد وأن يكون هناك تكاتف بين المدرسة والمنزل ودراسة بيئة الطالبة، وفي حال كانت الرسائل خارجة عن المألوف يتم التعديل دون أي إساءة للطالبة، ودراسة حالة الطالبة لا بد وأن تتم بدعم من المرشدة الطلابية في المدرسة، ومعرفة ظروف الطالبة وأسباب المشكلة وعلاجها».

وعن أسباب هذه الحالة تقول منى «الأسباب قد ترجع إلى أسباب دينية، أو ترجع إلى نقص في الوعي الديني، أو نتيجة لعدم الإشباع العاطفي»، مشيرة إلى ضرورة توجيه سلوك الطالبة، وشغل أوقاتها في الأنشطة والبرامج التربوية والاجتماعية المفيدة.

وتقول مساعدة إدارة الإشراف التربوي بالعين نورة مفرح «رسائل الطالبات للمعلمات رسائل استغاثة تطلب فيها الطالبة التوجيه والمعاملة الحسنة والتوجيه، وأنا لا أعتبر هذه الرسائل انحرافا، فهي عاطفة حقيقية تربط الطالبة بالمعلمة في مرحلة المراهقة، ولا يمكن اعتبار هذه الرسائل انحرافا ولا شذوذا، إنها مشاعر صادقة تعبر عن تأثر الطالبة بمعلمتها، وخاصة في المرحلة المتوسطة».

وطالبت مفرح المعلمات بالاستفادة من هذه العلاقة الإنسانية في توجيه سلوك الطالبة نحو حب المادة، وتعديل سلوكها في المدرسة وخارجها، وأن توجه هذا الحب لصالح الطالبة ودعم مواهبها، وصقل إبداعاتها في الأنشطة، ومشاركة الطالبة في أنشطة متميزة.

وأضافت أن الطالبة عندما تحب المعلمة يمكن أن تحب المادة، وتبدع فيها، وعلى المعلمة أن تعرف كيفية التصرف إزاء هذه الرسائل، وأن توجهها بطريقة سليمة، بحيث تنعكس إيجابا على سلوك الطالبة في المادة العلمية، وأن تحقق لها الإشباع النفسي والذاتي والاجتماعي.

وأشارت نورة إلى أنه في حالة وجود مشكلة فإن لائحة السلوك المدرسي لا يتم تطبيقها إلا بعد معرفة ظروف الطالبة المحيطة، مشددة على أنه لا يتم إقرار عقوبة للطالبة في أي ظاهرة سلوكية غير صحية، إلا بعد دراسة ظروف الطالبة، واستدعاء ولية أمر الطالبة ودراسة الحالة، ومحاولة استيعاب مشكلة الطالبة وظروفها، وأن لا يتم التشهير بالطالبة، ومحاولة حل المشكلة بطريقة ودية.

علاقة إنسانية

وعن علاقة المعلمة بالطالبة قالت: «العلاقة بين المعلمة والطالبة لا يجب أن تبدأ وتنتهي عند حدود بوابة الفصل، بل لا بد من وجود علاقة إنسانية بينهما، بحيث تقوم المعلمة بمسؤوليتها في استيعاب الطالبة، وأن تحتويها، وأن تكون حريصة عليها».

وانتقدت غياب بعض المعلمات وتجاهلهن لمصلحة الطالبات، وسوء معاملتهن، وتسلط العديد منهن، في حين لا بد أن تكون المعلمة موجهة لسلوك الطالبة، وأن تكون قدوة صالحة، مبينة أنه من الواجب على المعلمة النزول لمستوى الطالبة، وألا تتجاهل تأثيرات العولمة والفضائيات على سلوكها، وأن تعمل على التوجيه بالحكمة والموعظة الحسنة.

وترى مها العلي معلمة بالمرحلة الثانوية أن ظاهرة رسائل الطالبات للمعلمات ناتجة عن عدم وجود من يستمع للطالبات في مرحلة المراهقة، وعدم قيام الأسرة بدورها على أكمل وجه من استيعاب الطالبة في هذه المرحلة.

واعتبرت أن حب الطالبة لمعلمتها ظاهرة طبيعية، وقالت إن رسائل الطالبة هي تعبير عن هذا الحب، وإنه لا يجب أن يساء فهم هذه الرسائل، واعتبرت إساءة فهم الرسائل المقدمة من الطالبات قلة وعي من المعلمة، مبينة أنها تلقت العديد من الرسائل، وحاولت توجيه سلوك الطالبات نحو عمل الخير والإبداع في الأنشطة المتنوعة، وتحسين سلوك الطالبة، حيث يجب استغلال هذه الحالة لصالح الطالبة.

وعن أمثلة للرسائل التي وجهت إليها قالت مفرح «هناك رسائل تعبر عن الحب، وقصائد شعرية، وكلمات مثل «أنت أجمل معلمة وأشيك معلمة، ولكني أتمكن في هذه الحالات بحمد الله من استيعاب طالباتي دون مشكلات، وتوجيههن إلى الأسلوب الأمثل».

ويقول دكتور علم النفس الاجتماعي بجامعة الإمارات أحمد عبدالعزيز النجار :«رسائل الطالبات للمعلمات شيء طبيعي يعبر عن حالة اجتماعية للطالبة، والتي تعبر عن انفعالاتها في هذه المرحلة العمرية، وهى طريقة تواصلية للتعبير عن الذات والمشاعر، ولا يمكن اعتبار هذه الرسائل دليلا على اضطرابات عاطفة أو انحرافات أخلاقية، فمن الظلم الحكم عليها بهذه الطريقة، فهذه الرسائل تعبير عن نقص في العاطفة من قبل الأم والأسرة والبيئة المحيطة بالطالبة».

وأضاف «من الضروري توجيه الطالبة التوجيه السليم والمناسب، والاهتمام بدعم الطالبة من خلال المرشدة الطلابية، والتعرف على بيئة الطالبة وتطلعاتها ومشاعرها، ودعم ثقتها بنفسها وتوجيه عواطفها نحو السلوك السليم».

وتقول الاختصاصية الاجتماعية النفسية لطفية أحمد سلمان يجب علينا جميعا ـ مربين وأولياء أمور ـ أن نعلم أن الطالب والطالبة في هذه السن يمران بتغيرات عدة، خصوصاً فيما يتعلق بالنمو الانفعالي، إذ يكونان مرهفي الحس والشعور وسريعي التأثر،

وهذه الانفعالات غالبا ما تكون متضاربة لم تبلغ مرحلة الاستقرار والاتزان، إضافة إلى وجود نوع من التمرد والعصيان، وهذا التمرد لدى المراهقين يتزايد في هذه الفترة، لأن قدرات الطالب أو الطالبة في هذه السن لا تعينهما على السيطرة والتحكم في انفعالاتهما النفسية.

وأشارت سلمان إلى أن هذا الأمر طبيعي تماماً، ولكن كلما كان هناك اهتمام من قبل الأسرة والمربين للأبناء، كلما تم تقديم التوجيه والتربية بأسلوب مناسب لطبيعة التغيرات الجسمية والنفسية والاجتماعية، وكلما انخفضت نسبة التمرد والعصيان، كلما هدأت الانفعالات النفسية

هند الشامسي: