ليس مهماً أن يكون عندي علبة ألوان وحقيبة مدرسية ملونة وكراس يحمل شخصية كارتونية مفضلة لدي، بقدر ما يهمني أن يحرص أبواي على منحي القدرة الكاملة في غرس مبادئ التعليم في نفسي، إنني أتهجى أبجديات الألف باء، ولكني لا أعرف لماذا أقولها؟

وما الهدف منها؟ أدرس في فصل دراسي مزحوم بطلبة مثلي، يحتوي على الألوان والصور وأردد خلف المعلمة ألف.. باء ..تاء.. فمن منكم يعلمني كيف أحب معلمتي، وأجلس ساكناً على كرسي، وقبل كل هذا أصحو كل صباح محباً لمدرستي وأصحابي دون أن يبدأ يومي بالبكاء على مفارقتي لألعابي وسريري! إن انتقال الطفل من مرحلة الروضة إلى مرحلة التعليم الأساسي يمثل أزمة لديه، فهذا الانتقال يعني ببساطة انتقاله من مرحلة اكتساب المهارات إلى مرحلة أدائها، وهو ما لا يستطيع الطفل استيعابه بين عشية وضحاها.

في السطور التالية سنلقي الضوء على فجوة هذا الانتقال وعن الجهود التي تبذل لتضييق تلك الفجوة. تقول مرام حداد فرح وهي معلمة في المرحلة التأسيسية: يعاني بعض الأطفال عند انتقالهم من مرحلة الرياض إلى المرحلة الأولى من التعليم التأسيسي من تغير في طبيعة الأجواء الدراسية الجديدة بين المرحلتين، ويعاني بعضهم في الفترة الأولى من الدراسة شيئا من التذمر ورفضا للأجواء الجدّية الجديدة عليهم.

وتكون مهمتي هنا كمعلمة هي الجلوس مع الطالب فترة أطول واستكمال بعض الدروس في أوقات الفراغ المتاحة خارج الدوام الدراسي؛ ليكون أكثر قدرة على المواصلة والمتابعة وأحاول نزع الشعور بالتردد أو بالخوف الذي يشعر به الطفل.

و تضيف: أما إذا كانت المشكلة مستمرة معه في فترة دراسية أطول فإنني أتواصل مع مشرفة المدرسة وولي الأمر، وعن طريق هذه الحلقة المتواصلة نستطيع أن نقدم حلولا لما يعانيه الطالب الجديد.

انعكاسات متفاوتة

وتقول علياء الصاحب مشرفة قسم رياض الأطفال بإحدى المدارس: إن النقلة التي يمر بها الطفل من مرحلة الرياض إلى المرحلة التأسيسية الأولى تتفاوت انعكاساتها من طفل لآخر، فالطفل في عمر الخمس سنوات يكون غير مهيأ لهذه النقلة، أما الطفل في عمر الست سنوات فإنه يندمج و يكون أكثر قدرة على السيطرة عن سواه من الأطفال الذين يلتحقون بالروضة في مرحلة عمرية مبكرة.

وتعتبر هذه المرحلة من حياة الطفل حرجة كونه أكثر التصاقاً بأمه، هذا من ناحية نفسية، من ناحية ثانية فإن قدرته الكتابية تكون ضعيفة في بدايتها؛ لأن أي طفل في هذا العمر، قد يعاني من ضغط على عظام اليد أثناء الكتابة؛.

فالعظام خلال هذه السن تكون لينة وضعيفة، لذا فبعض الدول مثل كندا وأميركا الشمالية تطالب بسن قانون يقضي بأن تكون الفئة العمرية المسموح بها للطفل للالتحاق برياض الأطفال هي من ست إلى سبع سنوات حيث يكون الطفل أكثر قدرة على الاستيعاب والكتابة وأكثر تقبلا لفكرة الابتعاد عن والديه أثناء دوامه المدرسي.

وتتابع حول الحلول الواجب اتباعها لتهيئة الطفل خلال تنقله بين المرحلتين: لابد من النزول بقدر الإمكان لمستوى الطفل، وتأهيله بما يلائم القدرات العمرية والذهنية، فالطفل دائماً بحاجة إلى أن يبدع ويبتكر بشكل مستمر، ولكي يتم ذلك لا بد من التأهيل المسبق عن طريق الممارسة واكتساب المهارات، لذا فالتعامل مع الطفل في مرحلة الروضة يحتاج إلى ذكاء وخبرة، وتضيف :

يتحمل أولياء الأمور جانبا من المسؤولية، فبعض المشاكل التي يعاني منها الطالب أساسها من داخل أسرته، وأرى أن الكثير من أولياء الأمور بحاجة إلى دورات في كيفية التعامل مع أطفالهم، فالجهل في ذلك يخلق مستقبلاً غارقًا في المشاكل مما يؤثر سلبا في نفسية الطفل، وأرى أنه من المهم أن يصطحب أولياء الأمور أبناءهم الجدد مع بداية كل عام دراسي للتعرف إلى شكل المدرسة و طبيعة الصفوف الدراسية، فيكون الطفل بذلك قد أخذ انطباعا مسبقًا عن المكان، فلا يشعر بالخوف من اليوم الأول.

وتؤكد أخيرا على أهمية أن يحتفظ المعلم بهدوئه وصبره في التعامل مع الأطفال، فهم بحاجة إلى تعامل خاص يجعلهم يقبلون على المدرسة، كما أنه من الضروري أن تمتد جسور التواصل والحوار بين إدارة المدرسة وأولياء الأمور.

الطفل خامة سهلة التشكيل

ترى شيرين يحيى معلمة اللغة الإنجليزية لرياض الأطفال أنه لا بد من بذل أقصى الجهود لكسب ود الأطفال خلال مرحلة الروضة، لأن هذه المرحلة هي أول تجربة يبتعد فيها عن أمه وبيته، وتقول: يكون الطفل في هذه السن أشبه بخامة سهلة التشكيل والتطويع، لذا يجب استغلال هذه النقطة لصقل نفسيته وتهيئته ليتقبل انتقاله بين المراحل الدراسية المختلفة، وفي غياب الأم التي تمثل عالمه، فإننا نحاول الأخذ بيده و تمهيده لأجواء نمنحه فيها القدرة على المواصلة.

ولا مشكلة إن لم يتقبل في البداية وتمرد كما يحدث لدى بعض الأطفال، فالطفل سرعان ما يتعود على الأجواء المحيطة به ويستسلم إذا علم أنه لا خيار أمامه، وتلعب الرحلات الترفيهية والتعليمية دورها في جعل الطفل راضيا، كما أن للحصص الفنية نصيبا في تشكيل حب الإبداع والابتكار لدى الطفل.

علاقة الثقة

تعتبر كريستينا مدرسة لغة إنجليزية للصف الأول الابتدائي أن انتقال الطفل بين مرحلة الرياض والصف الأول لا يمثل مشكلة كبيرة، فمتى استطاع الطفل أن يتقبل هذا التغير ويتوافق معه فهو قادر على المواصلة، وترى أن المشكلة الحقيقية تكمن في أولئك الأطفال الذين لم يواظب أولياء أمورهم على منحهم التعليم في مرحلة رياض الأطفال بسنتيها الأولى و الثانية.

حيث يحرم الطفل بذلك من اكتساب المهارات اللغوية والسلوكية المطلوبة التي تؤهله للانتقال إلى المرحلة الأولى من التعليم الأساسي. وتضيف: من المهم أن يقوم المعلم أو المعلمة ببناء علاقة ثقة بينه وبين الطفل ليتمكنا من التواصل بشكل ودي أثناء فترة العطاء التعليمي.

الروضة إفادة للطفل

ويؤكد أولياء الأمور على أهمية مرحلة الرياض، وضرورة التحاق الطفل بها وعن ذلك تقول إيمان أحمد مدرسة وولية أمر طالب في الصف الأول التأسيسي: لم يتوقف ابني عن البكاء عندما أدخلته إلى الروضة لأول مرة، كما كان يرفض الذهاب إليها، وظل على هذه الحال لمدة أسبوع، بعدها تغيرت حالته فقد أحب الروضة وأحب أصدقاءه واندمج معهم، ومن خلال ملاحظتي له.

وجدت إلى جانب تقدمه في اكتساب المهارات اللغوية والحسابية، أن الروضة ساعدته في صقل شخصيته، فابني تحول من طفل خجول إلى طفل جريء واثق من نفسه، ومن قدراته، ولديه حياة اجتماعية خاصة به من خلال تعامله مع أصدقائه ومعلمته في الروضة، ابني الآن في الصف الأول التأسيسي، وكل معلماته يمتدحن شطارته، وأؤكد أنه اكتسب هذه الشطارة من خلال الروضة التي هيأته لمرحلة الأول الابتدائي، وتختتم حديثها قائلة:

الروضة تريح الطفل عندما يلتحق بالصف الأول لأنها تكون قد مهدت لهذه المرحلة، وتريح أولياء الأمور لأنهم لن يحملوا عبء متابعة أبنائهم من الصفر.

قدرات عقلية

تقول هيلي مدرسة وولية أمر: مرحلة الرياض مهمة للطفل، والأم تعاني إذا لم يدخل ابنها إلى الروضة خاصة إذا كانت امرأة عاملة، لأنها ستتحمل جهد متابعته في كل خطوة في حين أنه ليس لديها الوقت الكافي ، لذا من المهم أن يلتحق الطفل بالروضة، وحينها سيوفر على الأم جهد تعليم ابنها كيف يمسك بالقلم، وكيف يكون قادرا على أداء المهارات التعليمية المختلفة عندما يدخل إلى الصف الأول، هذا من جانب.

ومن جانب آخر فعلى ربة البيت أن تحرص على أن يذهب ابنها إلى الروضة، حتى وإن كانت تملك الوقت لمتابعة ابنها دراسيا، لأنه من حق الطفل أن يكون لديه أصدقاء يلعب ويدرس معهم، ويمارس شخصيته من خلال تعامله معهم ومع معلماته، وهذا لا يتحقق داخل البيت، وإنما في الروضة التي تمثل مجتمعا حقيقيا وكبيرا للطفل، وتتابع:

بالنسبة لابنتي فهي من خلال الروضة تعلمت كيف تتعامل مع الأولاد الذين في مثل سنها، أصبحت أكثر حركية وجرأة، وكونت صداقات جيدة، هذا إلى جانب تفوقها في المهارات اللغوية والحسابية.

ترى منال علي «أم يوسف» وهو طالب في الصف الأول أن للأطفال قدرات عقلية تتفاوت فيما بينهم، وأن الروضة تساعد بشكل وبآخر في تنمية تلك القدرات إلى جانب اكتساب المهارات اللغوية، وفي حال أن كان الطفل متأخرا من الناحية الدراسية، فإن اندماجه مع الأطفال الذين في مثل سنه سيساعده اجتماعيا ونفسيا، وتقول:

أعرف طفلاً لم يذهب إلى الروضة، وانتقل من البيت مباشرة إلى الصف الأول التأسيسي، كان خائفا من الأولاد في الصف، كان انطوائيا وفوق هذا كان يبكي باستمرار من شدة خوفه لأن أجواء المدرسة جديدة عليه ولم يعتدها من قبل، كان يجلس في مكانه ويحتضن حقيبته بقوة، ولا يريد تركها أبدا، أما يوسف ابني فلأنه فهم معنى الأصدقاء ومعنى الدراسة، ومعنى النظام والالتزام، ومن هي المعلمة من خلال التحاقه بالروضة وتعلمه فيها، فلم يعان أبدا من انتقاله إلى الصف الأول.

صفاء الشامسي ـ هدى عمار ـ صنعاء علي: