أجرت صحيفة «إيه بي سي» الإسبانية مؤخرا حوارا مع الرئيس السوري بشار الأسد في قصر الشعب الذي يطل على مدينة دمشق من أعلى نقطة في رابية مجاورة والمحاط بحديقة غناء يختلط ترابها بتراب تم إحضاره من مرتفعات الجولان المحتلة تكريما للأرض السورية.

وهذا هو المقر الرسمي الذي يحاول الرئيس السوري بشار الأسد، انطلاقا منه، تنفيذ عدد من الإصلاحات التي بدأت مسيرتها منذ ست سنوات بهدف الانطلاق بالبلاد إلى آفاق جديدة. سنوات ست تعيّن على المشكلات الداخلية البقاء خلالها في الدرجة الثانية في مواجهة تصاعد التوتر في المنطقة. الدكتور الأسد يتكلم عن السلام والتفاوض، لكنه لا يخفي إمكانية أن يقرر الشعب السوري تبني نموذج المقاومة اللبناني من أجل تحرير مرتفعات الجولان المحتلة من قبل إسرائيل منذ عام 1967. ويبدو الزعيم الشاب متفائلا ويأمل أن يشارك الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «في أقرب وقت ممكن» في مفاوضات جديدة يمكن لإسبانيا أن تكون فيها حجر الزاوية.

وفيما يلي نص الحوار:

ـ مضى على احتلال مرتفعات الجولان 40 عاماً تقريباً، هل مازلتم تثقون باستعادة هذه الأراضي عن طريق السلام؟

ـ يتعين علينا الاستمرار بالتفاؤل حتى لو كان ذلك في ظل بصيص نور واحد فقط يطل من النافذة. في هذه اللحظة لا يوجد سلام مطلق ولا حرب مفتوحة، الأمر الذي يجعلني لا أستبعد أيا من هاتين الإمكانيتين في المستقبل القريب. صحيح أن رغبتي تكمن في استعادة الأراضي المحتلة عن طريق المفاوضات، لكن هذا الطريق لم يقدم لنا أي شيء حتى هذه اللحظة ولقد مرت ثلاثة أجيال والأراضي السورية تعيش تحت الاحتلال الإسرائيلي.

ـ تمكن حزب الله من جعل إسرائيل تتقهقر في الحرب الأخيرة، هل يمكن أن تظهر في سوريا حركة مقاومة تسير على خطى النموذج اللبناني؟

ـ الحديث عن مقاومة ليس قرارا حكوميا. عندما يدرك الشعب أن الكلمات التي تدور حول السلام زائفة، أعتقد أنه يملك الحق المشروع في الدفاع عن نفسه، وإذا أراد الشعب السوري المقاومة عن طريق السلاح فإن الحكومة السورية لن تمنعه. أنا أريد أن أكون إيجابيا، لكن ليس بوسعي ذلك في الوقت الذي لم يعد هناك شيء في المنطقة يشير إلى أننا نسير في درب السلام.

القوى العظمى لا تظهر موقفا واضحا، وعلى الرغم من أن هناك محاولات أوروبية للحفاظ على السلام، إلا أن هذه المحاولات لا يمكن أن تثمر من دون مشاركة الولايات المتحدة، التي يتعين عليها الانضمام إلى تلك المحاولات في أسرع وقت ممكن.

ـ هل أنتم مستعدون لدفع الثمن الباهظ الذي دفعه جاركم لقاء «النصر الإلهي»؟

ـ عندما تنطلق عملية نضالية للمقاومة فإنه ليس هناك وقت لطرح أسئلة من هذا النوع. أنا أقوم بقراءة مزدوجة لما تفترضه حرب ما بالنسبة للبلاد، فنحن ندرك من جانب، وهذا هو الجانب السلبي من المسألة، أن العنف يولد المزيد من العنف، لكن للأمر قراءة إيجابية أيضا لأنني أعتقد أن هذه المقاومة يمكن أن تكون نافعة لفتح أبواب الحوار. وأنا أبقى مع هذا الخيار الثاني، رغم أني أدرك بشكل واضح للغاية أن الحوار هو في الواقع الذي يجعلك تدفع ثمنا أقل وبدون دم ودمار.

ـ هل سوريا قادرة حقا على مجابهة جيش الدولة العبرية؟

ـ إذا كان عدوك قويا بقدر ما هي عليه إسرائيل والولايات المتحدة فهل بمقدورك أن تدافع عن بلادك؟ الإجابة هي لا، لكن ما حدث في لبنان والعراق هو مثال على قدر كبير من الأهمية. فالنصر السريع في العراق انتهى إلى فشل عسكري وسياسي ذريع. ولا أعتقد أن ذلك سيتكرر في سوريا.

أما في لبنان، فلقد تبين أنه باستخدام القوة لا يستطيع المرء الحصول على كل شيء. وأنا أكرر إننا نريد العودة إلى الجلوس للتحدث عن السلام، لكننا نعد أنفسنا أيضا للنضال ومن أجل ذلك نحن نفعل ما هو لازم من أجل صد أي عدوان محتمل. ونحن لا نرى آفاقاً للسلام مع القيادة الإسرائيلية الحالية ولذلك نحن مستعدون للحرب. فلقد مضى علينا 15 عاماً من دون إحراز أي تقدم في ما يتعلق بقضية مرتفعات الجولان ولقد دفعنا ثمنا باهظا زيادة عن اللازم.

ـ أي نوع من الحوار تقترحونه من أجل عدم الوصول إلى العنف؟

ـ نحن نرغب بالعودة وبأسرع وقت ممكن للجلوس على الطاولة مثلما فعلنا في مؤتمر مدريد في عام 1991 واستئناف المحادثات من حيث توقفت. لكن للتمكن من الحوار لا بد من وجود وسيط ومحاور مناسب. ذلك الوسيط يمكن أن يكون إسبانيا، التي هي حليفنا الرئيسي في هذه اللحظات في البحث عن حلول، أو إيطاليا. ذلك أن كلاً من ثاباتيرو وبرودي يراهنان بشكل مفتوح على طريق الاستقرار، لكن الحكومة الإسرائيلية ضعيفة، ولذلك فإن القرار حول ما إذا كانوا يريدون السلام أم لا يُتخذ في واشنطن.

ـ كيف يبدو لكم نموذج الشرق الأوسط الذي تحاول الولايات المتحدة إقامته؟

ـ إنه لخطأ جسيم، لأن هذه اللحظة هي لحظة الانفتاح والحوار بين الحضارات. والخطة الأميركية لن تنجح أبدا والتناقضات بينها وبين الملامح الثقافية المحلية ستستمر بتوليد الانفجارات. ومن دون سلام في المنطقة، فإن المتشددين سيتزايدون. وإذا كانت هناك رغبة لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، فإن السلام يمكن أن يحل بالمنطقة في غضون أقل من عام واحد، لكنهما لا تريدان.

ـ حرب في لبنان، حرب في العراق، أزمة نووية في إيران... كيف يؤثر هذا التوتر لدى جيرانكم على المسيرة الداخلية للبلاد؟

ـ عندما وصلت إلى موقع المسؤولية هذا كانت الأولوية هي تحسين الوضع الاقتصادي للبلاد، لكن بسب حالة عدم الاستقرار في المنطقة والاعتداءات التي تعرضنا لها من جانب فئات متشددة اضطررنا إلى أن نعير الأمن أقصى اهتمامنا، الأمر الذي يجعل الإصلاحات تسير خطوة.. خطوة. ويتعين على الغرب أن يتعلم من حربنا ضد الإرهاب والتعاون مع سوريا في هذا المجال، أما عكس ذلك فسيعني أنه سيستمر في المعاناة من العواقب.

ترجمة: باسل أبو حمدة

عن «إيه بي سي» ـ إسبانيا