تتحدث هذه الحلقة من الكتاب عن ظروف نشأة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين كفرع من حركة القوميين العرب وكيف انفصلت مكونة ائتلافاً من مجموعة من التنظيمات التي سعت إلى إعلان الكفاح المسلح وسيلة لتحرير فلسطين.

وتبرز كذلك أهم العمليات العسكرية التي نفذتها وبخاصة عمليات خطف الطائرات في السبعينيات والتي استهدفت لفت انتباه العالم للقضية الفلسطينية التي كانت تجد التجاهل على صعيد المنظمات الدولية في حينه.

ويتناول المؤلف كذلك بداية تأسيس قوات التحرير الشعبية التي تمت بمبادرة من أحمد الشقيري لكي تكون فصيلاً فدائياً مقاتلاً يتبع منظمة التحرير ويعمل ضمن وحدات جيش التحرير الفلسطيني.

ثم ينتقل إلى الحديث عن تنظيم طلائع حرب التحرير الشعبية الذي عرف باسم (قوات الصاعقة) والذي تشكل بقرار من حزب البعث في سوريا عام 1966، وكان له دور كبير في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي من خلال تنفيذ عدد من العمليات الفدائية انطلاقاً من الأراضي السورية واللبنانية.

تأسست قوات التحرير الشعبية كفصيل فدائي مقاتل تابع لمنظمة التحرير الفلسطينية في إطار وحدات جيش التحرير الفلسطيني في فبراير 1968 بمبادرة من قبل رئيس اللجنة التنفيذية المرحوم أحمد الشقيري في الدورة الرابعة للمجلس الوطني الفلسطيني.

وبرزت كقوة عسكرية فاعلة، وركزت عملياتها الفدائية على طول الشريط الممتد في غور الأردن وجبهة الجولان بقيادة كل من العقيد عبد العزيز الوجيه والعقيد بهجت الأمين، وفي قطاع غزة بقيادة الشهيدين النقيب زياد الحسيني والنقيب عبد القادر أبو الفحم.

وانفرط عقدها بعد الخروج الفلسطيني المسلح من الأردن عام 1971، بينما استمرت فعالياتها في قطاع غزة حتى العام 1974 الذي شهد استشهاد قائدها زياد الحسيني واعتقال عبد القادر أبو الفحم من قبل قوات الاحتلال، ووقع من منتسبيها 32 شهيداً في معركة الكرامة، بينما وقع من قوات العاصفة 97 شهيداً، ومن الجبهة الشعبية خمس شهداء، عدا شهداء الجيش الأردني.

الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين

في سياق الانعطافات المتتابعة في فروع حركة القوميين العرب في الأقطار العربية التي تواجدت فيها، وبروز البدايات العملية للمقاومة الفلسطينية على يد قوى أو أطر أو مجموعات بعضها منافس للحركة، تم عقد مؤتمر أبريل 1963 في بيروت، والتأسيس لانطلاقة الجناح العسكري الفلسطيني من رحم الحركة بمشاركة بعض المجموعات الفلسطينية.

في الوقت الذي تسارعت فيه مفاعيل الدخول القوي لتنظيم إقليم فلسطين في حركة القوميين العرب بعد حرب 1967 ونتائجها الكارثية، فأعلن الدكتور جورج حبش قيام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في 7/12/1967، عبر بيانها التأسيسي الموجه للشعب الفلسطيني والأمة العربية، والداعي «لإعلان الكفاح المسلح .

والاستمرار فيه بالرغم من كل الصعاب»، وإلى اعتماد «لغة العنف الثوري ضد الاحتلال»، مركزاً على أهمية العمل في الداخل الفلسطيني، وعلى تكريس شعار «نموت ولا نهاجر»، ومؤكداً على ضرورة مصارحة الجماهير، فطرحت الجبهة الشعبية شعار «كل الحقيقة للجماهير».

وفي الخلفية التاريخية، كانت قيادة حركة القوميين العرب قد اتخذت قرارها عام 1960 بتكوين جهاز فلسطيني خاص عرف باسم «إقليم فلسطين»، حيث تم الأمر عام 1964 من خلال فرز كادرات هذا الإقليم من الفلسطينيين المنتمين للحركة من مختلف مناطق وجودهم، وتم بعد ذلك عقد مؤتمر لإقليم فلسطين في منطقة غور الجفتلك.

وكان من أبرز حضوره كل من الشهيدين الدكتور وديع حداد، وأبو علي مصطفى، وتم البدء العملي باتخاذ خطوات الإعداد للعمل الفدائي المسلح، ونفذت أولى العمليات الفدائية للجناح العسكري الفلسطيني لحركة القوميين العرب شمال فلسطين في الجليل الأعلى 21/10/1966.

وسقط فيها أربعة شهداء : خالد الحاج أبو عيشة، محمد حسين اليماني، رفيق محمد عساف، سعيد العبد سعيد. وشكلت الحركة في مخيمات لبنان نوى عسكرية فدائية مقاتلة من كوادر وإطارات الحركة واللاجئين المقيمين في سوريا ولبنان، كما تشكلت وحدات شباب الثأر بقيادة الشهيد الدكتور وديع حداد (أبوهاني).

وهكذا كانت الجبهة الشعبية يوم انطلاقتها المسلحة تتشكل من ائتلاف القوى التالية:

1. حركة القوميين للعرب وجناحها العسكري : الجبهة القومية لتحرير فلسطين «منظمة شباب الثأر» بقيادة الشهيد الدكتور وديع حداد، وأحمد اليماني، وعبد الكريم حمد.

2. مجموعة الضباط الأحرار (ناصريين) بقيادة النقيب في الجيش الأردني الشهيد أحمد زعرور، وشكلت هذه المجموعة بعد خروجها من ائتلاف الجبهة الشعبية في أغسطس 1970 منظمة فلسطين العربية وانضمت بعد ذلك إلى حركة فتح.

3. تنظيم جبهة التحرير الفلسطينية ( فرقة الشهيد عبد القادر الحسيني، فرقة الشهيد عز الدين القسام، فرقة الشهيد عبد اللطيف شرورو ) ـ بقيادة أحمد جبريل وهو التنظيم الذي حمل اسم (الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة) بعد خروجه من ائتلاف الجبهة الشعبية عام 1968.

4. مجموعة أبطال العودة - بقيادة كل من: الشهيد فايز جابر (أبو نافذ)، وصبحي التميمي (أبو جبريل). وتشكلت منظمة أبطال العودة بمساندة ودعم مالي وعسكري من قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بزعامة أحمد الشقيري وجيش التحرير الفلسطيني بقيادة قائد الجيش اللواء وجيه المدني.

وتشكلت قيادة موحدة لائتلاف الجبهة الشعبية من: جورج حبش، وديع حداد، محمد كتمتو، فايز قدورة، أحمد جبريل، فضل شرورو، علي بشناق، صبحي التميمي، وفايز جابر.

وعقدت الجبهة الشعبية مؤتمرها الأول في أغسطس 1968 قبل وقوع الانشقاق داخلها، وعقدت مؤتمرها الثاني في فبراير 1969، وصدر عنه الوثيقة المعنونة بـ «الاستراتيجية السياسية والتنظيمية» التي شكلت محطة هامة في تحول الجبهة الشعبية إلى حزب ماركسي لينيني. وانعقد المؤتمر الثالث في مارس 1972، وقد أقر وثيقة «مهمات المرحلة» والنظام الداخلي الجديد، وفيه التأكيد على المبادئ الأساسية :

المركزية الديمقراطية، القيادة الجماعية، وحدة الحزب، النقد والنقد الداخلي، وجماهيرية التنظيم، والتأكيد بأن «كل عضو سياسي في الجبهة مقاتل، وكل مقاتل سياسي» .

وفي ابريل 1981 عقدت الجبهة الشعبية مؤتمرها العام الرابع تحت شعار «استكمال عملية التحول إلى حزب ماركسي لينيني، والجبهة الوطنية المتحدة، وتصعيد العمل المسلح، وحماية وجود الثورة وتعزيز مواقعها » وعقدت الجبهة الشعبية مؤتمرها العام الخامس عام 1991 حيث أشارت أعمال المؤتمر ووثائقه إلى المرتكزات السياسية للجبهة من خلال :

أهمية الفكر وسلامة الخط السياسي ودوره في الانتصار، والتطرق إلى الوظيفة الامبريالية للكيان الصهيوني، حيث رفعت الجبهة شعار «لا تعايش مع الصهيونية»، كما تطرقت وثائق المؤتمر إلى موقع الرجعية العربية في دائرة الصراع معتبرة بأن التناقض معها «تناقضاً رئيسياً لا ثانوياً».

وأكدت الوثائق بأن «البرجوازية العربية عاجزة عن انجاز مهمة تحرير فلسطين، من خلال نمو مصالحها وهي قي سدة الحكم إلى موقع التلاقي المتدرج مع الامبريالية». وفي سياق أخر تطرقت وثائق المؤتمر إلى العمال والفلاحين باعتبارهم مادة الثورة الطبقية الأساسية، وضرورة الربط الجدلي بين الوطني والقومي.

وعقدت الجبهة الشعبية مؤتمرها العام السادس في مخيم اليرموك بدمشق عام 2000، وفيه قدم الدكتور جورج حبش استقالته فاتحاً المجال للجيل الجديد من الدماء الشابة في مختلف هيئات الجبهة الشعبية، مع استمراره في موقعه المعنوي كمؤسس للجبهة الشعبية.

ومن الناحية السياسية، يمكن القول بأن الجبهة الشعبية لعبت دوراً كبيراً في مسار الثورة الفلسطينية المعاصرة، واتخذت مواقف متشددة في اللحظات التي رأت فيها بأن القضية الفلسطينية أصبحت على ميزان المساومة خصوصاً بعد حرب أكتوبر 1973، فساهمت بتشكيل وقيادة «جبهة القوى الفلسطينية الرافضة للحلول الاستسلامية».

وفي هذا السياق تبوأت الجبهة الشعبية الموقع الثاني في ترتيب القوى الفلسطينية من حيث الحضور والفعل والتأثير، حيث لعبت شخصية الدكتور جورج حبش، والكاريزما العالية التي تمتع ويتمتع بها في الشارع الفلسطيني، فضلاً عن مناقبه العالية، دوراً هاماً في تقديم الصورة الايجابية والحضور المتميز للجبهة الشعبية وإعطائها طابعها النقي، بغض النظر عن الاشتقاقات السياسية التي ارتأتها الجبهة الشعبية في مراحل مختلفة، وما اعتبرته من قصورات هنا وهناك، أو سوء تقدير.

ومع هذا فان الانشقاقات التي تتالت في صفوف الجبهة الشعبية أضعفت من حضورها نسبياً، وخفضت من حظوظ تنافسها المشروع مع حركة فتح لريادة الموقع الأول في منظمة التحرير الفلسطينية، ولا يخفى على أحد بأن غالبية الانشقاقات التي وقعت في صفوف الجبهة الشعبية كانت بفعل تدبير خارجي.

ومع الحضور الشعبي الكبير والهالة التي صنعتها الجبهة الشعبية من خلال دورها في الوسط الفلسطيني، إلا أن قصورات عديدة اعترت مسارها، فكثيراً ما يتساءل الناس عن أسباب هذه الفجوة الواسعة بين حجم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وامتدادها الجماهيري من جهة، وبين حضورها السياسي والثقافي والاجتماعي وتأثيرها المباشر في صياغة وتحديد مسارات العمل السياسي الفلسطيني على مدى ما يقارب الأربعين عاما الماضية من جهة أخرى.

هذه المساهمة التي جعلت الجبهة الشعبية الفصيل الثاني في منظمة التحرير الفلسطينية رغم الفرق الهائل في الرصيد العددي والإمكانيات المالية بينها وبين الفصيل الأول (فتح).

ومن الصحيح القول بأنه لا تتوافر للجبهة الشعبية ما هو متوافر لدى القوة الرئيسية في الساحة الفلسطينية من منابع مالية تستطيع الاعتماد عليها في تنفيذ برامجها وأفكارها، ولا في توفير المؤسسات المؤثرة والقادرة على تقديم بعض الخدمات الضرورية لأفراد المجتمع بمختلف قطاعاته وشرائحه خصوصا المحرومين منها.

كما أن الجبهة لا تتوافر لديها المنابر، إلا أنها تتحمل مسؤولية في أسلوب وطريقة أدائها، وتقصيرها في حصد نتائج فعلها الكفاحي وربما يعود الأمر إلى المبالغة في الطهرانية، وإلى الصلابة في التعبير عن تيار الالتزام والتمسك بالثوابت والحقوق الوطنية.

وعدم السماح للمغريات والضغوط بابتزازها ومساومتها على مبادئها وثوابتها، مما يجعلها (مطلوبة) على الدوام، وتصوب نحوها نيران الاجتثاث والمحاصرة والتحجيم، ومحرومة من المغانم والحصص والامتيازات التي كان بإمكانها الاستمتاع بها لو رضخت للابتزازات وتجاوبت مع الإغراءات.

ومن هذا المنطلق، فان الجبهة الشعبية في تجربتها التاريخية في حركة الكفاح التحرري الفلسطيني كانت تزرع البذار ولا تحصد منه إلا النذر اليسير. إن المسؤولية التاريخية تلح على الجبهة الشعبية، الخروج فوراً وبلا تلكؤ إلى حيز الحوار مع الشمس الحارقة.

في الجانب العسكري، يسجل للجبهة الشعبية دورها الرائد في الدفاع عن الثورة والشعب الفلسطيني في الأردن ولبنان، وفي النهوض الكبير لقوى المقاومة في فلسطين وساحة الصراع انطلاقاً من الحزام المحيط بفلسطين. ففي لبنان كان لتنظيم الجبهة الشعبية دوراً رئيسياً في الدفاع عن المخيمات خصوصاً في مخيم تل الزعتر بقيادة عضو اللجنة المركزية الشهيد أبو أمل، وإبان اجتياحات 1978، 1982، وفي التصدي للاحتلال أعوام 1983، 1984، 1985 ودحره من بيروت والجبل وصيدا.

ومن الناحية التوثيقية، نفذت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بائتلافها المكون لها بعد إعلان تأسيسها أول عملية نوعية تمثلت بالهجوم الأرضي على مطار اللد، وهي العملية العسكرية الفدائية الواسعة لمقاتلي الثورة الفلسطينية من الجبهة الشعبية في 11 /12 /1967، ونفذها مقاتلو ائتلاف الجبهة الشعبية بعد إتمامهم الدورات العسكرية الخاصة في سوريا «معسكر عين السخنة ( دوما )».

بقيادة محمد جابر شتا (أبو جابر)، واستشهد فيها من أبناء مخيم اليرموك كامل ناصر وصائب سويد، وإبراهيم النجار من مخيم الأمعري. وبرز دور الجناح العسكري للجبهة الشعبية في الداخل الفلسطيني، حيث زجت الجبهة بمئات الكوادر العسكرية نحو الداخل، خصوصاً في قطاع غزة، حيث قاد الشهيد محمود الأسود (جيفارا غزة) عشرات العمليات الفدائية ضد قوات الاحتلال.

عمليات نوعية

استطاعت الجبهة الشعبية، القيام ببعض العمليات النوعية من أجل لفت انتباه العالم لقضية فلسطين التي كادت أن تنسى، فقد نفذت الجبهة أول عملية خطف لطائرة صهيونية يوم 23/7/1968 كانت متجهة من روما إلى تل أبيب، فقد أجبرت على الهبوط في الجزائر، واضطرت إسرائيل للإفراج عن 37 أسيراً فلسطينياً مقابل إطلاق الطائرة.

ونفذت أيضاً عملية فندق الامبسادور في 22/6/ 1968 من خلال تفجير حقيبة، وعملية السوق ( السوبر سول) وسط القدس الغربية عام 1969.

كما نفذت الجبهة الشعبية عملية نسف سينما حين وسط تل أبيب عام 1974. ووجهت الجبهة الشعبية ضربات عسكرية للمصالح الأميركية كعملية تفجير خط أنابيب النفط المار من الجولان السوري المحتل، ونسف ناقلة النفط الإسرائيلية كورال سي في مضيق باب المندب عام 1971.

وتوجت جملة من العمليات الخارجية، بعملية اختطاف الطائرات الأربع إلى مطار المفرق (مطار الثورة) في الأردن ونسفها بعد إجلاء الرهائن من داخلها، فضلاً عن عملية مطار اللد في 13/5/1972التي نفذها ثلاثةع من أعضاء الجيش الأحمر الياباني المنضوين في إطار الجبهة الشعبية وعلى رأسهم كوزو أكوموتو، واغتيال الوزير الإسرائيلي الصهيوني المتطرف رحبعام زئيفي رئيس حركة «موليدت» في 17/11/2001.

وخلاصة القول، شكلت الجبهة الشعبية رافداً نوعياً متميزاً في مسيرة الكفاح الوطني الفلسطيني، وقوة حفاظ على وحدة الصف الفلسطيني وحماية للوحدة الوطنية.

وذلك في مختلف المنعطفات التي مرت بها حركة المقاومة الفلسطينية ومنظمة التحرير، خصوصاً بعد الانشقاق الذي ضرب جسم المنظمة بعد العام 1982، فلعبت الجبهة الشعبية دوراً رائداً ومتميزاً في العمل لرأب الصدع الداخلي في البيت الفلسطيني، وفي التوصل إلى اتفاق (عدن ـ الجزائر) عام 1984.

ومن ثم الإعداد للدورة التوحيدية الثامنة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني التي عقدت في الجزائر عام 1987، وهي الدورة التي أسدلت الستار على الانقسام الفلسطيني الداخلي، وأعادت إحياء الوحدة الوطنية، مما هيأ التربة المناسبة لانطلاق المارد الفلسطيني في الانتفاضة الكبرى في 7/12/1987.

إن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وبفعل تراكم تأثيرها منذ لحظات تأسيسها، أضحت تشكيلاً رئيسياً في صفوف الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، وفي إطار منظمة التحرير الفلسطينية. حيث تناوب على تمثيلها في اللجنة التنفيذية كل من تيسير قبعة، أحمد اليماني، الشهيد أبو علي مصطفى، عبد الرحيم ملوح.

طلائع حرب التحرير الشعبية ( قوات الصاعقة)

وفقاً لقرارات المؤتمر القومي التاسع لحزب البعث في سوريا عام 1966 ودعوته لتبني حرب التحرير الشعبية في الصراع مع العدو الإسرائيلي، تأسست منظمة الطلائع أثناء حرب يونيو1967 كفصيل فدائي مسلح تابع للتنظيم الفلسطيني لحزب البعث العربي الاشتراكي في سوريا «تجسيداً للإستراتيجية التي أقرها المؤتمر القومي التاسع للحزب المنعقد في سبتمبر 1966»، والتي تنهج طريق حرب الشعب.

وبدأت مرحلة التأسيس منذ 10/12/1966 بعد عام واحد فقط من انطلاقة الرصاصات الأولى للثورة الفلسطينية بقيادة حركة فتح، وتشكيل منظمة فدائية خاصة بحزب البعث العربي الاشتراكي. وبتاريخ 15/4/1967 وجه تعميم من شعبة فلسطين لحزب البعث يدعو لالتحاق البعثيين الفلسطينيين بدورة تدريبية لتشكيل منظمة فدائية بدءاً من صباح 1/5/1967 تسمى منظمة الطلائع وشعارها «الجمجمة».

وأصبحت المنظمة تحمل اسم «طلائع حرب التحرير الشعبية» الذي أطلقه عليها الوزير السوري، عضو القيادة القطرية للحزب مروان حبش، بينما أسماها الشهيد صلاح خلف (أبو إياد) «منظمة الصاعقة» مما حدا بالبعض للاحتجاج لأن اسم الصاعقة تمت استعارته من اسم منظمة البالماخ الصهيونية، فكان جواب الشهيد صلاح خلف بأن العاصفة تحمل أيضاً اسم الوحدات الخاصة النازية.

وبتاريخ 1/5/1967 تم بدء الدورة العسكرية الفدائية في معسكر القوات الخاصة السورية ـ الوحدات الخاصة في منطقة حرستا / القابون الواقعة إلى الشرق من مدينة دمشق بإشراف اللواء محمد إبراهيم العلي (أبو ندى).

والرائد رئيف علواني، وتم تدريب العناصر كتدريب المغاوير والمظليين، وتبع ذلك افتتاح معسكر «معضمية الشام» قرب مطار المزة العسكري كمدرسة عسكرية لمنظمة الصاعقة بقيادة الملازم أول أحمد العلي.

وبعدها انتقلت الصاعقة لافتتاح الدورات العسكرية في جنوب لبنان وجرش والأغوار حيث عملت على نقل الذخائر والعتاد إلى جنوب لبنان بطرق سرية عبر جبل الشيخ وطرقه الوعرة على البغال. وبتاريخ 1/6/1967 تعرضت الدورات الفدائية ومعسكر القابون لغارات الطيران الإسرائيلي.

وبتاريخ 6/6/1967 تحركت عناصر الدورة نحو مدينة القنيطرة. وبتاريخ 8/6/1967 صدر البلاغ العسكري الأول بعد العملية الفدائية الأولى التي نفذتها المنظمة ضد مواقع عسكرية إسرائيلية في القطاع الأوسط من جبهة هضبة الجولان، التي تبعتها في نفس اليوم عملية ثانية انطلاقاً من جنوب لبنان.

وتم تعيين قيادة عسكرية وسياسية للمنظمة تحت إشراف رئيس مكتب الحرس القومي في قيادة حزب البعث وعضو القيادة القطرية حديثة مراد، وحدد مقر الدائرة العسكرية في منطقة بساتين المزة بدمشق خلف مستشفى الرازي، والدائرة السياسية في منطقة ساحة العباسيين.

ومنذ 15/2/1968 أصبحت القيادة القطرية للتنظيم الفلسطيني وفي عدادها التنظيم الأردني للحزب فضلاً عن حزب البعث في لبنان مسؤولة عن منظمة الصاعقة مسؤولية كاملة. وباتت تحمل بعد فبراير1968 اسم منظمة الصاعقة (طلائع حرب التحرير الشعبية) بعد أن انضمت إليها مجموعتان فلسطينيتان صغيرتان :

جبهة ثوار فلسطين بقيادة محمد أبو سخيلة، وجبهة التحرير الشعبية الفلسطينية بقيادة العقيد طاهر دبلان إضافة إلى مجموعة «منظمة الجليل الأعلى» الفدائية بقيادة داود أبو الشكر وذلك أثناء انعقاد مؤتمر القاهرة للفصائل الفلسطينية في التاريخ المذكور، وأصبحت الصاعقة بقيادة :

لطف غنطوس، عمر خليفة، عبد الله الحوراني، أميل صبيح، يوسف البرجي، هاجم الهنداوي، ضافي الجمعاني (أبو موسى)، حسن الخطيب، محمد رباح، أمين سعد (الأخضر العربي)، علي أبو الهوى، سليمان أبو منديل، يوسف قطناني (أبو الوليد) ، من الناحية العملية بمثابة الجناح العسكري الفدائي للتنظيم الفلسطيني الموحد في حزب البعث العربي الاشتراكي، وانضوت بعد فترة وجيزة من تأسيسها في إطار منظمة التحرير الفلسطينية وكافة مؤسساتها (اللجنة التنفيذية، المجلس المركزي، المجلس الوطني..).

وتناوب على قيادة منظمة الصاعقة : عضو القيادة القومية للحزب (اللواء في الجيش الأردني ضافي الجمعاني أبوموسى)، ثم عضوي القيادة القطرية (الفلسطينية/الأردنية) :

(يوسف البرجي وهاجم الهنداوي)، حيث بقي يوسف البرجي، ياسر عمرو مندوبي الصاعقة في اللجنة التنفيذية للمنظمة إلى حين الخروج الفلسطيني المسلح من الأردن، ثم محمود المعايطة (أبو شاهر) عضو القيادة القومية للحزب، ثم (زهيرمحسن)، ثم (عصام القاضي) عضوي القيادة القومية للحزب، وحل مكان عصام القاضي بعد وفاته في يوليو 2006 سامي قنديل.

أما على صعيد التمثيل في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ففي بداية تأسيس ائتلاف منظمة التحرير الفلسطينية حظيت حركة فتح بعضوية أربعة مقاعد في اللجنة التنفيذية للمنظمة، والصاعقة بمقعدين.

ومقعد واحد لكل فصيل من قوى الائتلاف فضلاً عن المستقلين. ومن بين أعضاء الصاعقة في اللجنة التنفيذية بأزمنة متعاقبة كان كل من: أحمد الشهابي، المرحوم يوسف البرجي، ياسر عمرو، إبراهيم البرغوثي، الشهيد زهير محسن، سامي عطاري، محمد خليفة.

ومن ناحية التاريخ الفلسطيني المعاصر لحركة المقاومة الفلسطينية، شكلت منظمة الصاعقة قوة رئيسية داخل السيبة الفلسطينية الثلاثية التي تشكلت من حركة فتح والجبهة الشعبية إضافة لمنظمة الصاعقة، ولعبت دوراً كبيراً على الصعيدين العسكري والسياسي خصوصاً في المرحلتين الأردنية واللبنانية من نهوض حركة المقاومة الفلسطينية. وقد استمدت الصاعقة زخماً كبيراً من دورها وتأثيرها بحكم علاقتها مع سوريا.

ولابد من القول بأن حجم الفعاليات الفدائية منذ العام 1968 وإلى العام 1973 تركز ثقلها على كاهل حركة فتح والصاعقة والجبهة الشعبية، ثم قوات التحرير الشعبية التابعة لجيش التحرير الفلسطيني.

وبعد ذلك تأتي باقي القوى والفصائل التي كانت أدوارها متواضعة. وحسب الشهيد زهير محسن فان منظمة الصاعقة قدمت حتى 8/6/1977 ألف شهيد ونفذت سبعمئة وخمسة وثمانين عملية عسكرية فدائية انطلاقاً من الأغوار والجولان وجنوب لبنان.

وفي حرب أكتوبر 1973 وتحديداً في اليوم التاسع منها شاركت كتيبة خالد بن الوليد من منظمة الصاعقة مع القوات الخاصة السورية بتنفيذ مهمة صعبة وجريئة تمت في أسوأ الظروف من خلال عملية الإنزال لمقاتلي كتيبة خالد بن الوليد بثماني حوامات فوق مواقع القيادة العملياتية الإسرائيلية في وسط هضبة الجولان في بلدة كفر نفاخ في القطاع الأوسط من الجبهة وبحماية تشكيل قتالي من الطائرات المقاتلة السورية، وتمكنت أربع من الحوامات من الهبوط حيث خاض مقاتلوها قتالاً شرساً فاستشهد 38 فدائياً من الصاعقة على رأسهم قائد عملية الإنزال.

ومن أبرز المعارك التي خاضتها قوات الصاعقة مع العدو الإسرائيلي كانت معركة مارون الراس وبنت جبيل على الحد الفاصل بين فلسطين المحتلة والجنوب اللبناني، بعد أن عادت الصاعقة للتواجد العسكري والتنظيمي اثر انفضاض الخلاف السوري ـ الفتحاوي في لبنان، حيث استطاعت وحدة فدائية من قوات الصاعقة تدمير عدة آليات للجيش الإسرائيلي في معركة مارون الراس ـ جنوب لبنان، وجلب آلية سليمة إلى مدينة صور اللبنانية وعرضتها أمام الجمهور.

وفي بلدة بيادر العدس في البقاع الأوسط من جبهة جنوب لبنان سجلت منظمة الصاعقة انجازاً مهماً يوم 11/6/1982 أثناء الغزو الإسرائيلي حيث وقعت سرية دبابات إسرائيلية في كمين محكم نصبته مجموعة فدائية من الصاعقة، وتم تدمير خمسة دبابات إسرائيلية والاستيلاء على خمس دبابات سليمة من دبابات الميركافا وباتون الأميركية الصنع ومقتل أطقمها.

وتحول الضعف إلى صفوف الجسم العسكري للصاعقة بعد استشهاد زهير محسن، وتسارع مع تحولها إلى مجرد منظمة عسكرية متواضعة الحضور على خلفية تراجع العمل الفدائي الفلسطيني من الخارج نحو فلسطين.

وبالنسبة للشهيد زهير محسن مسؤول الدائرة العسكرية في منظمة التحرير الفلسطينية وعضو القيادة القومية ومكتب الأمن القومي في سوريا، فقد استشهد اغتيالاً في العاصمة الفرنسية أوائل 24 يوليو عام 1979 بعد عودته من منروفيا عاصمة ليبيريا، حيث ترأس وفد فلسطين إلى مؤتمر الوحدة الإفريقية التي عقدت هناك.

وأشار ياسر عرفات بعد تشكيله لجنة تحقيق ضمت كلا من العميد عطا الله عطا الله «أبو الزعيم» وماجد محسن والعقيد محمد دغمان و«أبو السعود» إلى ضلوع طرف فلسطيني ومخابرات دولة عربية في اغتيال زعيم «الصاعقة» الذي شيع في دمشق إلى «مقبرة الشهداء» في مخيم اليرموك وكان الرئيسان ياسر عرفات وحافظ الأسد في مقدمة المشيعين.

وبعد سنوات قليلة تم التوصل إلى كامل المعلومات المتعلقة بالجهة التي نفذت عملية الاغتيال، ومعرفة الشخص الذي قام بإطلاق الرصاصة الوحيدة على الشهيد زهير محسن. أخيراً يسجل لمنظمة الصاعقة اتباع تقنية وأسلوب تفجير العبوات الناسفة بدوريات الاحتلال وقواته عن بعد منذ العام 1969.

حيث نجحت منظمة الصاعقة في تفجير عبوة ناسفة كبيرة عن بعد بحوامة إسرائيلية في العام المشار إليه لحظة هبوطها في القطاع الأوسط من جبهة الجولان في مهمة إنزال المؤن لقوات العدو، حيث انفجرت العبوة تحت تأثير موجة لاسلكية أرسلتها الطائرة ذاتها وتطابقت في ترددها مع التردد اللازم لتفجير العبوة قبل أن يتم إرسال إشارة جهاز التفجير الموجود بيد المجموعة الفدائية.