تتناول هذه الحلقة من الكتاب مجموعة من التنظيمات الفلسطينية التي نشأت قبيل النكسة وبعدها، وتبرز الأساليب النضالية التي تبنتها وبالأخص أسلوب الكفاح المسلح الذي كانت تتبناه الغالبية العظمى من تلك التنظيمات، وتسمي بعضاً من أشهر تلك العمليات.
ويلفت نظرنا في مادة هذه الحلقة أمران هما: أولاً، نلاحظ أن التنظيمات الفلسطينية التي نشأت في مراحل المقاومة الفلسطينية المبكرة كانت مرتبطة بصورة أو بأخرى بالأنظمة العربية بحيث لم تكن تتمتع باستقلالية القرار وكان عملها مرهوناً بسياسة الدولة المحتضنة والداعمة. الأمر الثاني هو أن بعض التنظيمات الفلسطينية لجأ إلى تنفيذ عمليات عسكرية كان لها تأثير سلبي ربما على القضية الفلسطينية وجلبت لها الانتقادات الواسعة حتى من داخل الصف الفلسطيني كعملية خطف السفينة الإيطالية إكيلي لاورو. ونعرض هنا لمجموعة من التنظيمات والحركات الفلسطينية التي قدمت وما زالت تقدم من أجل أنبل وأعدل قضية في العالم: الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ( القيادة العامة) الجبهة الشعبية / القيادة العامة من أقدم قوى العمل الوطني الفلسطيني إلى جانب حركة فتح والجبهة الشعبية،
وتعتبر الحليف التاريخي لسوريا منذ إطلاقها للرصاصات الأولى في سماء فلسطين. وهي تنظيم فلسطيني تشكلت نواته الأولى في سوريا، وفي مخيم اليرموك على وجه التحديد، على يد مجموعة من الضباط الفلسطينيين في الجيش العربي السوري عام 1959 تحت مسمى جبهة التحرير الفلسطينية وطرحت شعارها المتمثل بتحرير فلسطين بأسلوب الحرب الشعبية أو حرب العصابات، ولم تطرح الجبهة في حينه نظرية فكرية متكاملة، فكان برنامجها يقوم على الدعوة لتحالف كافة طبقات الشعب في معركة التحرر الوطني، واعتبرت أن الشعب الفلسطيني هو المسؤول الأول عن قضيته ومن خلفه الشعوب العربية، ودعت إلى رفض أنصاف الحلول للقضية الفلسطينية. وفي طرحها لأهمية العمل المسلح بدأت الجبهة في التمهيد والإعداد لسنوات متتالية وصولا إلى العام 1964، حين شقت طريقها عبر تشكيل مجموعات فدائية ضاربة، تحت قيادة موحدة،
والمجموعات العسكرية برزت كقوة فدائية مسلحة في ساحة العمليات وتحت مسميات ثلاثة: المجموعة الأولى فرقة الشهيد عبد القادر الحسيني، ومركزها الضفة الغربية من كافة جهاتها. والمجموعة الثانية فرقة الشهيد عبد اللطيف شرورو، وكان مركزها، سوريا ونطاق عملها، الحدود المتاخمة لجنوب لبنان وشمال فلسطين. والمجموعة الثالثة فرقة الشهيد عز الدين القسام، وكان مركزها سوريا ونطاق عملها سهل الحولة وطبريا وقرى الجليل الأعلى. وقامت هذه المجموعات بعمليات كبيرة ومتميزة، منها نسف قطار القدس / بتير منتصف العام 1966، ونسف سكة الحديد في نفس المكان، ومهاجمة مستعمرة ديشوم في الجليل الأعلى، ونسف خزان للمياه ومحطة للكهرباء، وفقدت الجبهة في هذه العمليات شهيدها الأول خالد الأمين.
ونفذت الجبهة عام 1967 عملية نسف باص للخبراء العسكريين الإسرائيليين وقتل معظم أفراده، ونسف سينما رويال في حيفا حيث وقع الأسير الأول للجبهة بيد قوات الاحتلال سمير درويش، والذي تم تحريره بعملية النورس عام 1979، واستشهد أثناء اجتياح لبنان عام 1982.
وبعد حرب يونيو 1967، ساهمت الجبهة في تكوين ائتلاف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقيادة الدكتور جورج حبش، وبالمسؤولية العسكرية لأحمد جبريل في 11/12/1967، لكن التحالف لم يدم لأسباب لها علاقة بما كان يجري داخل الجبهة الشعبية وامتدادها في حركة القوميين العرب، واشتداد الخلافات الفكرية بين مكونات حركة القوميين العرب وامتداداتها في الجبهة الشعبية، فخرجت مجموعة جبهة التحرير الفلسطينية بقيادة احمد جبريل من الائتلاف نهاية العام 1968، وحملت لاحقا اسم (الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة) بعد خروجها من إطار الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
عقدت الجبهة مؤتمرها العام الأول نهاية العام 1968، بالتحالف مع مجموعة الشهيد احمد زعرور قبل خروجه وتشكيله منظمة فلسطين العربية، واقر المؤتمر الميثاق الخاص بالجبهة. وعقدت الجبهة مؤتمرها العام الثاني عام 1969، وخصص لدراسة الأوضاع التنظيمية وخرج بتقييم عام تبنى من خلاله النظرية الفكرية والاشتراكية العلمية.
وعقدت الجبهة مؤتمرها العام الثالث في ابريل 1971، حيث اقر المؤتمر برنامجا سياسيا وتنظيميا منطلقا من النظرية الاشتراكية العلمية. وعقدت الجبهة مؤتمرها العام الرابع في 20/3/1973، حيث برزت داخل أعمال المؤتمر التكتلات وبوادر الانشقاق اللاحق الذي قاده محمد عباس (أبو العباس)،
وتفاقم التكتل المشار إليه في ظل التباينات التي اتسعت مع دخول القوات السورية إلى لبنان والخلاف بشأن تقييم الدور السوري في ملف الوضع اللبناني وانعكاساته الفلسطينية، وتوج الافتراق بقيام الثلاثي الجديد في المكتب السياسي واللجنة المركزية : الشهيد محمد عباس (أبو العباس)، المرحوم طلعت يعقوب، عبد الفتاح غانم بمهاجمة مقر الأمانة العامة للجبهة في بيروت في 7/10/1976 ومحاصرة الأمين العام احمد جبريل،
ومهاجمة مقر قيادة الجبهة في طرابلس حيث قتل (12) عنصراً من أعضاء الجبهة وعلى رأسهم عضو اللجنة المركزية حمد محمد احمد حامد (أبو حميد)، وأبو إسماعيل حديد. وعقدت الجبهة مؤتمرها العام الخامس عام 1986، حيث تم التركيز على تقييم مرحلة ما بعد اجتياح 1982، والانشقاق الذي ضرب صفوف حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية، إضافة إلى مرحلة حرب الاقتتال الفلسطيني في بعلبك وطرابلس 1983 ومعارك المخيمات مع حركة أمل، بينما عقدت مؤتمرها العام الأخير صيف العام 2005، وانتخبت لجنة مركزية موسعة بغالبية جديدة من الشباب الصاعد.
اتسمت مسيرة الجبهة سياسيا بتبنيها الخط الراديكالي، وابتعادها عن العمل السياسي المباشر لصالح التركيز على العمل العسكري، فقد أنشأت القواعد الارتكازية الحصينة، ولعبت دورا مشهودا في معارك 1970 -1971 في الأردن، وقدمت خيرة كوادرها كما كانت الجبهة الشعبية / القيادة العامة، احد ابرز تنظيمات جبهة الرفض الفلسطينية عام 1974،
ولعبت دورا كبيرا في الربط العملي بين مواقف جبهة الرفض وسلوكها الفدائي العسكري، حيث نفذت أولى العمليات الاستشهادية في التاريخ المعاصر لحركة المقاومة الفلسطينية، وهي عملية الخالصة (كريات شمونة) عام 1974، وعملية أم العقارب (كفار شامير) الخ وبرز دورها الكبير في صد الاجتياحات الإسرائيلية عام 1978وعام 1982.
وفي معارك تحرير الجبل وإقليم الخروب والشحار الغربي وإقليم التفاح وتحرير بيروت عام 1983-1984، وصولا إلى اتخاذها مواقف سياسية حادة في ظل الانشقاق الذي ضرب منظمة التحرير الفلسطينية عام 1982. وبالمحصلة، ركزت الجبهة في مسارها الطويل على العمل المقاوم وأبدعت في جوانب واسعة منه، حيث تميزت من بين الفصائل الفلسطينية في انتهاج خط المقاومة والعمل الفدائي.
كما سجلت انجازها للعمليات النوعية في الخالصة (كريات شمونة) وأم العقارب (كفار شامير) عام 1974، وعملية الطائرة الشراعية عام 1987، إضافة إلى اسر أعداد من جنود الاحتلال، وإتمام عمليات تبادل الأسرى (عملية النورس عام 1978، وعملية الجليل عام 1985)،
إضافة لدورها المتميز في الدفاع عن المخيمات والتجمعات والمواقع الوطنية اللبنانية الفلسطينية زمن الحرب الأهلية، وقيامها بانجاز عملية تحرير قلب بيروت من القوى الانعزالية، وتحرير منطقة الفنادق، حيث قدمت الجبهة خيرة كوادرها(بحدود 200 شهيد) وفق مصادر الجبهة،
وفي ميدان التصدي لقوات الغزو الإسرائيلي عام 1982، ومعارك حصار بيروت، فضلا عن معارك الجبل ضد القوى اليمينية وتحرير بيروت في فبراير 1984. والجبهة عضو في منظمة التحرير الفلسطينية منذ خروجها من ائتلاف الجبهة الشعبية عام 1968، وأصبحت ممثلة في اللجنة التنفيذية للمنظمة منذ العام 1974 بشخص طلال ناجي.
جبهة التحرير العربية
ولدّت حالة التنافس بين جناحي البعث في سوريا والعراق الدوافع الإضافية لتأسيس التنظيم الفدائي الفلسطيني المنضوي تحت الجناح الآخر من حزب البعث العربي الاشتراكي الجناح الذي كان يعرف باسم «تيار القيادة القومية»، فتم تأسيس جبهة التحرير العربية في7/4/1969 كجناح فدائي للتنظيم الفلسطيني لحزب البعث في العراق،
وأعلن عن قيامها رسميا في أغسطس 1969 عندما تم تخريج دفعة من (300) مقاتل من أعضائها بعد أن خضعوا لدورات تدريبية مكثفة على يد الجيش العراقي، ومن حينها انتشرت قواتها في أغوار الأردن، ومن ثم على جبهة جنوب لبنان، وحملت أسماء : قوات الشهيد محمد جابر نبهان، قوات الشهيد كمال ناصر، قوات أبو ذر الغفاري،
وانضوت في إطار منظمة التحرير الفلسطينية وجميع مؤسساتها، وتناوب على أمانة سرها أعضاء في القيادة القومية لحزب البعث في العراق، هم بالترتيب : اللبناني الدكتور زيد حيدر، المرحوم احمد المرعشلي، الشهيد الدكتور عبد الوهاب الكيالي، الشهيد المهندس عبد الرحيم احمد، ركاد سالم.
ونشط في صفوفها القيادية على الساحة اللبنانية، العديد من الرموز البعثية التي كانت في عداد أنصار «تيار القيادة القومية» مثل : معن بشور، بشارة مرهج، عبد المجيد الرافعي، الشهيد موسى شعيب، محمد طي، نقولا الفرزلي وقد غادر معظمهم حزب البعث في سنوات لاحقة، مع استمرار نشاطهم في إطار المنتدى القومي العربي في بيروت.
واقتصر نشاطها الفاعل لأشهر معدودة بين اللاجئين الفلسطينيين في سوريا حيث انحاز لها وعمل في صفوفها العديد من القيادات البعثية في أوساط اللاجئين الفلسطينيين في سوريا ثم حظر نشاطها بشكل كامل مع القطيعة التي تكرست بين طرفي البعث أواخر العام 1969.
ونفذت جبهة التحرير العربية ثلاث عمليات ناجحة في منطقة الجليل شمال فلسطين المحتلة : عملية كفار يوفال في 5/6/1975 التي نفذها ثلاثة فدائيين استشهدوا بقيادة الشهيد نعيم الحاج سعيد من مخيم اليرموك. وعملية كفار جلعادي في 10/11/1975 والتي نفذها أيضا ثلاثة فدائيين استشهدوا بقيادة الشهيد عبد الرحمن امزغار من المغرب العربي.
وعملية مسكاف عام في 7/4/1980. والجبهة عضو في منظمة التحرير الفلسطينية منذ تأسيسها، حيث تناوب على تمثيلها في اللجنة التنفيذية للمنظمة كل من : المرحوم احمد المرعشلي، الشهيد الدكتور عبد الوهاب الكيالي، الشهيد المهندس عبد الرحيم احمد، محمود إسماعيل (أبو إسماعيل).
وبعد حرب الخليج الثانية ودخول السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة خرج من الجبهة عضو قيادتها جميل شحادة الذي شكل بدوره الجبهة العربية الفلسطينية. وفي ظل الانتفاضة الثانية اعتقل الأمين العام للجبهة ركاد سالم من قبل سلطات الاحتلال، ومازال حتى الآن نزيل السجون الإسرائيلية.
جبهة التحرير الفلسطينية
تأسست في مارس العام 1976 اثر تحول (أفقي ـ عمودي) وقع داخل صفوف (الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة) بقيادة محمد عباس (أبو العباس)، طلعت يعقوب (أبو يعقوب) في الساحتين اللبنانية والسورية. وذلك على خلفية التباينات التي وقعت في صفوف الجبهة الشعبية / القيادة العامة في سياق البحث عن الهوية الفكرية للتنظيم، ويعود السبب المباشر أيضا إلى الموقف من دخول القوات السورية إلى لبنان عام 1976. وعقدت مؤتمرها الأول عام 1979 وانتخبت لجنتها المركزية.
ومارست الجبهة العمل الفدائي المسلح، وبرز من عملياتها العسكرية عملية نهاريا بقيادة عميد الأسرى سمير القنطار عام 1978، وعملية المناطيد عام 1980، وعملية الساحل قرب شواطئ تل أبيب عام 1990 إلا أنها مارست أيضا أعمالا انتقدها فيها غالبية القوى الفلسطينية مثل عملية اختطاف السفينة الايطالية اكيلي لاورو عام 1985.
تعرضت الجبهة إلى انشقاق مثلث عام 1984 حولها إلى ثلاث كتل متفاوتة في حجمها وحضورها بين محمد عباس (أبو العباس)، والإطار الشرعي بقيادة الشهيد طلعت يعقوب، يوسف المقدح (أبو نضال الأشقر)، ...، ومجموعة صغيرة منشقة بإمرة عبد الفتاح غانم، لم تلبث أن تلاشت لاحقا.
والجبهة عضو في منظمة التحرير الفلسطينية منذ العام 1979، حيث تناوب على تمثيلها في اللجنة ـ التنفيذية المرحوم محمد عباس (أبو العباس) وعلي اسحق. وبعد وفاة أبو العباس عام 2003 أصبحت الأمانة العامة لمجموعة أبو العباس تحت قيادة عمر شبلي (أبو احمد حلب)، وتيار الشرعية التنظيمية بقيادة يوسف المقدح (أبو نضال الأشقر).
جبهة النضال الشعبي الفلسطيني
تعتبر جبهة النضال الشعبي الفلسطيني واحدة من أقدم القوى السياسية والعسكرية الفدائية التي تشكلت في سياق النهوض الوطني الفلسطيني الكبير في الثورة المعاصرة، فقد تأسست في مدينة القدس بعد احتلالها الكامل، على يد رعيل من المناضلين الفلسطينيين من التيارات القومية العربية،
خصوصا بعض قادة حركة القوميين العرب في القدس والضفة الغربية والأردن ومن أعضاء قياديين سابقين في حزب البعث العربي الاشتراكي انضموا إليها بعد وقت قصير من انطلاقتها كالمناضل بهجت أبو غربية وصدر بيان تأسيسها الأول في مدينة القدس في يوليو 1967، حيث دعت إلى المقاومة الشعبية العارمة في وجه الاحتلال واعتماد كل الأساليب الممكنة على ضوء الإمكانيات المتوافرة وحرضت على القيام بالإضرابات والمظاهرات ومقاطعة العدو، في الوقت الذي كانت فيه الجبهة تعمل على تدريب أعضائها على المقاومة المسلحة، وتحث الخطى باتجاه مباشرة العمل المسلح.
وبحكم انتماء غالبية مؤسسيها في الداخل الفلسطيني إلى حركة القوميين العرب، جرى التواصل مع قيادات الحركة في الأردن، وتحديدا مع : الدكتور سمير غوشة، خالد عبد المجيد، العميد الركن أبو جمال عسكر، والشهيد الرائد فايز محمود حمدان الذي استشهد في غارات القصف الإسرائيلي التي استهدفت مواقع حركة فتح في مناطق السلط الأردنية في أغسطس 1968، علما بان الرائد فايز حمدان كان قائدا في قوات العاصفة التابعة لحركة فتح بحكم رتبته العسكرية وعلاقته مع حركة فتح، وعدم وجود قوات عسكرية لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني آنذاك، سوى وجود معسكرات تدريب في الساحة الأردنية.
في العام 1968انتمى بهجت أبو غربية (أبو سامي) عضو القيادة القومية في حزب البعث العربي الاشتراكي إلى جبهة النضال الشعبي الفلسطيني، بعد أن كان قد غادر صفوف حزب البعث عام 1963، اثر تشكل المحاور والاستقطاب داخل الحزب، وعمل بحكم موقعه في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية منذ تأسيسها،
وبحكم علاقته مع رئيسها المرحوم احمد الشقيري على إنهاء علاقة جبهة النضال بحركة فتح، بعد أن أوقفت الدعم عنها، وحاولت دمجها وضمها إلى صفوفها، وعليه أصبح بهجت أبو غربية العنوان الأول لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني، وعضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وعضو اللجنة المركزية لحركة المقاومة الفلسطينية وهي اللجنة التي تشكلت كقيادة ميدانية لحركة المقاومة في الأردن في أعقاب الجولة الأولى من الصدام المسلح التي جرت مع النظام الأردني عام 1968.
وبعد انضمامه لجبهة النضال، صاغ بهجت أبو غربية منطلقات جبهة النضال الشعبي الفلسطيني تحت عنوان الميثاق، الذي حدد رؤية الجبهة السياسية باعتبارها تنظيماً قومي الجذور والنشأة.
وبمقدار ما وجدت جبهة النضال من حضور وفرته لها قياداتها التاريخية خصوصا بهجت أبو غربية باعتباره من مؤسسي منظمة التحرير الفلسطينية، فإنها واجهت بالمقابل مصاعب فلسطينية داخلية من نوع آخر، منها محاولة حركة فتح احتوائها داخل مؤسسات الحركة وحل صيغتها، فوقعت في لبنان اشتباكات مسلحة بين جبهة النضال وحركة فتح منذ العام 1969، فعمل بهجت أبو غربية على حل الإشكالات مع حركة فتح، حتى اتخذت منظمة التحرير بمبادرة من حركة فتح، قرارا بتجميد عمل جبهة النضال الشعبي الفلسطيني على الساحة اللبنانية، لكنه بقي حبرا على ورق.
نفذت جبهة النضال الشعبي الفلسطيني العملية الفدائية الأولى يوم 24/12/1967 وذلك بنسف الإرسال الإذاعي والتلفزيوني الإسرائيلي في مدينة بيت لحم، وصدر البيان العسكري الأول لها باسم منظمة النضال الشعبي الفلسطيني. ثم توالت عملياتها الفدائية حتى شملت مناطق فلسطين المحتلة عام 1948، تطبيقا لمبادئها وإستراتيجيتها في الكفاح المسلح وحرب التحرير الشعبية.
وأقامت علاقة تنسيق عالية مع قوات التحرير الشعبية التابعة لجيش التحرير الفلسطيني بقيادة العقيد عبد العزيز الوجيه، والعقيد بهجت الأمين، والعقيد سمير الخطيب. وأصبحت تقوم بعملياتها العسكرية تحت عنوان فرقة النضال الشعبي التابعة لقوات التحرير الشعبية، وعلى هذا الأساس تزودت الجبهة بالعتاد العسكري من جيش التحرير الفلسطيني.
وتمكنت من توسيع دائرة علاقاتها مع سوريا التي زودتها بالعتاد، وساعدتها على افتتاح أول قاعدة عسكرية لها في غوطة دمشق (بلدة جسرين) ومكنتها من نشر مجموعاتها الفدائية على امتداد هضبة الجولان، بينما حصلت على الدعم المالي من حزب البعث في العراق.
وبحكم علاقاتها الجيدة مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، تمكنت الجبهة من إيفاد دفعتين من فدائييها إلى مصر، حيث أنجزت إحداها دورة عسكرية خاصة في معسكر حلمية الزيتون، بينما أنجزت دورة صاعقة ثانية تحت إشراف وتدريب الجيش المصري لأربعين عضواً من أعضاء الجبهة في معسكر أنشاص في مصر. وبعد العام 1975 توطدت العلاقة الخاصة بين الجبهة وكل من ليبيا والعراق، فحصلت على دعم مالي وتسليحي متميز ومعها فصائل قوى الرفض الفلسطينية.
وفي إطار علاقاتها الدولية، بدأت جبهة النضال بفتح دائرة الاتصالات مع الدول الاشتراكية منذ العام 1975، الأمر الذي سهل أمامها سبل الحصول على منح التدريب العسكري والمنح الدراسية. وأغلقت مقرات ومواقع الجبهة في سوريا عام 1974 بعد انضمام جبهة النضال لتحالف قوى الرفض، والشكوك السورية بشان علاقات جبهة الرفض مع النظام العراقي،
وقيام الجبهة من خلال هويات لأعضائها بتسهيل حركة كوادر الجبهة الشعبية في سوريا إبان الحظر السوري على نشاط الجبهة الشعبية في الساحة السورية. وعادت جبهة النضال إلى دائرة افتتاح مقراتها ومعسكراتها والعمل العلني في سوريا عام 1978.
تميزت علاقة جبهة النضال الشعبي الفلسطيني مع قيادة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وعملت مجموعات منها على حماية الرادار المصري في منطقة الشوبك الأردنية قرب مدينة الكرك، وهو الرادار الذي كان يؤمن تغطية للطيران المصري أثناء عملياته فوق شمال شرق سيناء وجنوب فلسطين،
حيث شكلت الجبهة الشعبية بقيادة الشهيد أبو طلعت العجرمي، وجبهة النضال بقيادة أبو جمال عسكر، طوقا من الحماية الأرضية المحيطة بالرادار تحسبا من انزالات إسرائيلية متوقعة. وعبر علاقة التنسيق بين الجبهة والطرف المصري ممثلا بـ إبراهيم دخاخنة (سامي) السفير المصري في عمان، وضابط الارتباط المصري مع القوى الفلسطينية الحليفة لمصر عبد الناصر،
لعبت جبهة النضال دورا فاعلا في تنفيذ عملية تدمير السفينة الإسرائيلية إيلات عام 1969 عندما عملت بقيادة أبو جمال عسكر، على توفير عمليات الاستطلاع الدائم عبر مجموعات تابعة لها، وفي تأمين الإقامة لمجموعة الضفادع البشرية المصرية في إحدى قواعدها جنوب الأردن، وفي المرحلة التالية بإيصال أعضاء المجموعة حتى شاطئ الازدلاف في خليج العقبة، بقيادة الفدائي احمد أبو لبن من جبهة النضال.
حزب الشعب الفلسطيني (الشيوعي سابقا)
يعتبر هذا الحزب امتدادا لعصبة التحرر الوطني في فلسطين قبل النكبة التي كانت بمثابة الحزب الشيوعي الموحد بين العرب واليهود. حيث تشكلت العصبة في مدينة يافا بدعم من الكومنترن في موسكو عام 1919 بقيادة عربية فلسطينية ويهودية. وبعد عام النكبة، وتحديدا عام 1951، انقسمت العصبة إلى حزبين هما الحزب الشيوعي الإسرائيلي بعضويته العربية واليهودية والحزب الشيوعي الأردني.
وفي تطور لاحق انقسم الحزب الشيوعي الإسرائيلي إلى حزبين (راكاح) بقيادة مائير فلنر، و(ماكي) ذي اللون الصهيوني بقيادة شموئيل ميكونيس. وبقي راكاح حزبا موحدا للعرب واليهود داخل الدولة العبرية وبأكثرية عربية، بينما اندثر الجناح الآخر(ماكي) بعد فترة من الزمن اثر وفاة ميكونيس، وعرف من القيادات العربية الفلسطينية لـ (راكاح) :
توفيق زياد، توفيق طوبي، إميل حبيبي، إميل توما، أنطوان شلحت، محمد بركة، عصام مخول، علي عاشور وكان من أعضائه الذين غادروا صفوفه بأوقات مختلفة : الشاعر محمود درويش، المفكر عزمي بشارة، الشاعر سميح القاسم، الفنان التشكيلي عبد عابدي وفي الوقت الراهن فان غالبية عضوية الحزب تتشكل من العرب، بينما انضوى فلسطينيو الضفة الغربية والقدس الشرقية وفي الأردن تحت راية الحزب الشيوعي الأردني بقيادة نجيب نصار وفائق وراد.
وتم الإعلان عن إعادة بناء الحزب الشيوعي الفلسطيني (حزب الشعب الفلسطيني حاليا) في 11/2/1982 وانفصال الأخير عن الحزب الشيوعي الأردني بالنسبة للفلسطينيين خارج الأردن. وكانت الأحزاب الشيوعية في المشرق العربي تنظر للعمل الفدائي الفلسطيني باعتباره ظاهرة مغامرة ومراهقة بالمعنى السياسي، (اتجاه السلافتة :
نسبة لفهمي السلفيتي الذي شدد على اعتبار العمل الفدائي ظاهرة مغامرة) إلى ان ضغطت قواعد هذه الأحزاب ودفعتها التشققات التي بدأت تظهر في صفوفها على خلفية الموقف من العمل الفدائي والقضية الفلسطينية نهاية العام 1970 لإعلان تشكيل «قوات الأنصار» من الشيوعيين الفلسطينيين والعرب في الأحزاب الشيوعية العربية الثلاثة: الأردني، السوري والعراقي. إلا أن هذه التجربة ما لبثت أن توقفت بعد الخروج الفلسطيني المسلح من الأراضي الأردنية.
فعاد والتحق عدد من أفراد قوات الأنصار بصفوف الجبهة الشعبية. وعليه فان الحزب لم يمارس العمل المسلح على الإطلاق، وتم قبول عضويته في منظمة التحرير الفلسطينية في دورة المجلس الوطني السادسة عشرة التي عقدت في الجزائر عام 1983
حيث مثل الحزب سليمان النجاب في اللجنة التنفيذية للمنظمة، بينما احتل بشير البرغوثي أمانته العامة في الضفة الغربية، وفي الوقت الحالي يرأس بسام الصالحي الأمانة العامة للحزب، وحنا عميره مندوبا للحزب في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية،
وفي العام 1984 اختمر الانقسام الجديد في صفوف الحزب الشيوعي الفلسطيني بين الداخل والشتات، وتأسس على خلفية الانقسام المذكور الحزب الشيوعي الفلسطيني الثوري بقيادة القائد التاريخي في الحزب عربي عواد عضو المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، والمبعد من الأراضي الفلسطينية منذ العام 1973.
حزب الاتحاد الديمقراطي الفلسطيني (فدا)
نشأ حزب (فدا) على خلفية الانشقاق تنظيمي وسياسي وقع عام 1988، وأعلن الحزب عن نفسه في العام 1990، بقيادة ياسر عبد ربه، صالح رأفت، ممدوح نوفل، عصام عبد اللطيف، جميل هلال، غازي الخليلي، غازي سلامة، سهام البرغوثي، زهيرة كمال وآخرون. وانضم فور الإعلان عن تأسيسه إلى منظمة التحرير الفلسطينية، وإلى عضوية اللجنة التنفيذية للمنظمة بشخص ياسر عبد ربه. وفي المؤتمر الأخير للحزب تم انتخاب صالح رأفت كأمين عام، بينما غادر ياسر عبد ربه صفوف الحزب كما أكدت مصادر فلسطينية مختلفة.
تأليف: علي بدوان



