تنقلنا هذه الحلقة من الكتاب إلى أجواء ما بعد النكبة ومرحلة التأسيس للنضال الفلسطيني سياسياً وعسكرياً وتنظيم هذا العمل في إطار عام يوحد الفصائل والمنظمات العاملة على الساحة الفلسطينية في الداخل وفي أماكن وجود الشعب الفلسطيني في الشتات. ويروي لنا كذلك التفاصيل المتعلقة بتأسيس حركة التحرير الوطني الفلسطيني- فتح وبداية انطلاقتها العسكرية في عام 1965 وتأكيدها على مبادئ ثلاثة هي : تحرير فلسطين واعتماد الكفاح المسلح أسلوباً للتحرير والاستقلالية التنظيمية عن أي نظام عربي أو دولي.

ويتحدث المؤلف في هذه الحلقة أيضاً عن قرار تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية بهدف الحفاظ على الهوية الوطنية والقومية للشعب الفلسطيني والتأكيد على وحدة الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده وتمثيله على كافة الصعد والتعبير عن طموحاته وآماله الوطنية.لم يكن تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية بقرار عربي سوى نتاج منطقي للحالة الفلسطينية التي بدأت تعتمل بعد سنوات من النكبة والضياع. فمجموع الوقائع والتطورات التي حفرت أخاديدها في الوسط الفلسطيني، وإرهاصات الكيانية الوطنية، وتلمس ضرورات الحفاظ على الهوية الوطنية والقومية للشعب الفلسطيني أمام عمليات الاقتلاع وتذويب الهوية الوطنية،

دفعت الرئيس الراحل جمال عبد الناصر للسعي من أجل تبني قرار عربي رسمي بتشكيل منظمة التحرير الفلسطينية بقرار من مؤتمر قمة الإسكندرية العربية عام 1964، في الوقت الذي تواصل فيه نمو وتعاظم الإرادة الفلسطينية لفتح الدروب أمام العمل الفدائي المسلح.وهكذا، وبالذات صباح 28 /5 /1964، افتتح القائد الفلسطيني أحمد الشقيري، بحضور الملك الأردني الراحل الحسين بن طلال أعمال المجلس الوطني الفلسطيني الأول في دورة اجتماعاته التي عقدت داخل القاعة الرئيسية في فندق أنتركونتننتال بمدينة القدس بعد تحضيرات واسعة وخطوات تمهيدية بدعم كامل من الرئيس عبد الناصر،

وبحضور أكثر من مئتي عضو يمثلون التجمعات الرئيسية للشعب الفلسطيني في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة فضلاً عن الشتات،وأعلن أحمد الشقيري في نهاية أعمال المؤتمر عن تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية ككيان سياسي يعيد الاعتبار لوحدة الشعب الفلسطيني في كل مكان، ويمثله على كافة الصعد، ويحمل طموحاته وتطلعاته الوطنية.

حجر الأساس

المؤتمر الذي تحول إلى البرلمان الموحد لكل الشعب الفلسطيني، شكل بحضوره الواسع الاجتماع الفلسطيني الأول لممثلي ومندوبي كل تجمعات ومواقع الفلسطينيين بعد أن انهارت وأجهضت عربياً تجربة حكومة عموم فلسطين التي أعلن عن قيامها في كتوبر1948 بقطاع غزة من قبل مفتي فلسطين المرحوم الحاج محمد أمين الحسيني، وأحمد حلمي عبد الباقي، وجمال الحسيني فكان انعقاد الدورة الأولى للمجلس التأسيسي بمثابة حجر الأساس الأول على طريق إعادة بناء وبعث الكيان الوطني الموحد لعموم الشعب الفلسطيني بعد حالة الانهيار والتبديد والاقتلاع القومي أثناء وما بعد نكبة 1948.

وتأسيس جيش التحرير الفلسطيني في كل من سوريا والعراق وقطاع غزة (قوات حطين، قوات القادسية، قوات عين جالوت والجناح الفدائي لجيش التحرير الفلسطيني تحت اسم قوات التحرير الشعبية بأغلبية عناصره القادمة من مخيمات اللاجئين في سوريا وقطاع غزة) وتم رسمياً الاحتفال بتشكيل قوات جيش التحرير الفلسطيني في الفاتح من أيلول 1964.

إن التحول المشار إليه أعلاه بتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية ، وبدايات العمل الفدائي المسلح، دفع نحو توليد سلسلة من العمليات الفدائية، توجت بانطلاق فصائل العمل الفلسطيني المسلح قبل وبعد يونيو1967 في الشتات وامتداداتها داخل الضفة الغربية والقدس ثم داخل المناطق المحتلة عام 1948.

والسيطرة اللاحقة لحركة فتح وفصائل الثورة الفلسطينية المسلحة على قيادة ومقدرات منظمة التحرير عام 1968 في الدورة الرابعة للمجلس الوطني الفلسطيني التي عقدت في القاهرة، بعد استقالة أحمد الشقيري في 24/ 12/ 1967 وتعيين يحيى حمودة خلفا له لفترة انتقالية مؤقتة لم تزد عن الثلاثة أشهر،

وبمساعدة كل من خالد الفاهوم، بهجت أبو غريبة عبد الخالق يغمور، إبراهيم بكر، فاروق الحسيني ، بالرغم من قيامه ـ أي أحمد الشقيري ـ بتشكيل جناح فدائي خاص بالمنظمة إضافة إلى جيش التحرير الفلسطيني تحت اسم ز قوات التحرير الشعبية ز التي انتشرت في أغوار الأردن وشاركت في معركة الكرامة في 21/ 3 / 1968، تحت قيادة العقيد عبد العزيز الوجيه عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية آنذاك، والعقيد بهجت الأمين وفي قطاع غزة بقيادة الشهيدين زياد الحسيني،

وعبد القادر أبو الفحم، إلى حين استقالة السيد يحيى حمودة في الدورة الخامسة للمجلس الوطني الفلسطيني التي عقدت في فبراير1969 وتسمية ياسر عرفات كرئيس للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. وسبق أن كانت النواة المؤسسة لحركة فتح قد عرضت على المرحوم أحمد الشقيري في اجتماع مشترك عقد في ليبيا قبيل انعقاد مؤتمر القمة العربية الذي أفضى لتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية،

وفيه عرض الوفد الفتحاوي على الشقيري إمكانية تقديم موعد الانطلاقة المسلحة لقوات العاصفة حتى تتزامن مع تأسيس المنظمة باعتباره قائدها الأعلى، إلا أنه مع استحسانه للفكرة قال : تعرفون أن والدي من مشايخ الدين، ومن عقيدتي أن أستخير الله .. دعوا الأمر للغد وفي الغد قال الشقيري مثل هذا الأمر صعب، رغم أن الفكرة وجيهة، وأرى أن تكون البداية باستغلال الموقف الذي كنا نسعى إليه بأن يكون لنا اعتراف عربي بنا .

وفي هذا السياق نشأ الحوار الداخلي في حركة فتح بشأن الموقف من منظمة التحرير، وتم اتخاذ القرار بالتعاطي الايجابي معها، ورفض الرأي المنادي بالقطيعة معها. وفي هذا السياق أدرك الشقيري بحسه الثاقب، وخبرته الطويلة، وقدرته على تقدير المواقف، أن مرحلته في قيادة منظمة التحرير قد انتهت، وان الفرصة باتت للفصائل والقوى التي بدأت في ممارسة الكفاح المسلح لتحتل موقع قيادة منظمة التحرير،

وعليه قدم استقالته للمجلس الوطني الفلسطيني في دورته الرابعة، وبدأ التحوّل في مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية لتصبح ( ائتلافاً وطنياً ) يضم جميع الفصائل والقوى والفعاليات والاتحادات الشعبية والنقابية والمهنية. واتخذت في الدورة الرابعة المشار إليها للمجلس الوطني، قرارات سياسية وتنظيمية مهمة تستجيب للمرحلة الجديدة، منها: إحداث تعديلات في بعض بنود النظام الأساسي،

واعتبار المنظمة زتجمعاً للقوى الفلسطينية في جبهة وطنية من أجل ثورة مسلحة لتحرير الأرض، وتعديل اسم الميثاق القومي ليصبح الميثاق الوطني الفلسطيني. وهذه المتغيرات في بنية منظمة التحرير مهّدت لمرحلة ما بعد هزيمة 1967 ودخول ست فصائل فلسطينية وتسلمها قيادة المنظمة وانتخاب ياسر عرفات رئيساً لها من الدورة الخامسة في فبراير 1969، حيث استند ائتلاف منظمة التحرير إلى الصيغة الثلاثية التي كرستها الفصائل الثلاث المذكورة.

مخاض الولادة

وبالمحصلة، لم يكن قيام منظمة التحرير في إطار الرسمية العربية وبترحيب منها ودخول القوى المقاتلة إلى عضوية وقيادة المنظمة وتحويلها إلى ائتلاف للجميع ليأتي دون مقدماته الكفاحية الفلسطينية، ودون إجماع شعبي فلسطيني ملموس استجابة مباشرة وعملية لحالة قائمة ونامية في الوضع الفلسطيني ذاته آنذاك. فكل التطورات والتفاعلات داخل فلسطين في مناطق الضفة والقدس والقطاع، وحتى داخل المناطق المحتلة عام 1948،

وعموم مواقع اللجوء الفلسطيني كانت تؤشر على مجموعة من الحقائق الحسية التي تنذر بالمخاض، والمخاض العسير لولادة الكيان التمثيلي للشعب الفلسطيني بعد سلسلة من التحولات التي أفضت للانتقال من واقع الذوبان الفلسطيني في الإطار القومي العام وتحت سقف الشعارات القومية بدون فعل ملموس إلى الجمع بين (الوطني والقومي) بين (الخصوصية الفلسطينية والقومية) وبما يحفظ الهوية الوطنية لشعب فلسطين ويظهرها أمام العالم بأسره نقيضاً لمشاريع أسرلة الفلسطينيين في مناطق 1948، وتقاسم ما تبقى من الأرض، وتهجير اللاجئين وتوطينهم في المنافي والشتات.

إن نظرة موضوعية، متفحصة، تظهر أمام الملأ، كم العثرات والأخطاء والإرباكات التي وقعت، وكم الإنجازات والتراكمات والنجاحات التي تحققت بعد قيام منظمة التحرير الفلسطينية على صعيد إعادة حضور الشعب الفلسطيني إلى خارطة العالم، خاصة بعد دخول القوى والفصائل الفلسطينية إلى عضوية منظمة التحرير أثناء الدورة الرابعة للمجلس الوطني الفلسطيني التي عقدت في العاصمة الأردنية - عمان في فبراير1968،

وتشكيل ائتلاف منظمة التحرير في الدورة الخامسة للمجلس الوطني العام 1969، وترأس ياسر عرفات اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وتمت تسميته القائد العام لقوات المقاومة الفلسطينية، بينما أصبح الأمين العام لمنظمة طلائع حرب التحرير الشعبية (قوات الصاعقة) اللواء المتقاعد في الجيش الأردني ضافي الجمعاني (أبو موسى) نائباً له في قيادة القوات الفلسطينية.

جيش التحرير الفلسطيني

تم رسمياً الاحتفال بتشكيل قوات جيش التحرير الفلسطيني في الفاتح من سبتمبر 1964 بقوام ثلاثة ألوية عسكرية ـ مشاة - صاعقة في كل من : مصر وقطاع غزة (قوات عين جالوت)، وفي سوريا(قوات حطين)، وفي العراق (قوات القادسية) وبقي المقر العام للجيش في القاهرة إلى العام 1971. وفي الواقع الراهن فان جيش الحرير الفلسطيني يتواجد فوق الأراضي السورية بقوام ثلاثة ألوية مشاة - صاعقة ( قوات حطين، قوات القادسية، قوات أجنادين )،

وكتائب إسناد من مدفعية ودبابات ومهام خاصة، حيث يخضع اللاجئون الفلسطينيون في سوريا وحدهم من بين كل الفلسطينيين في الشتات للتجنيد العام في صفوف جيش التحرير الفلسطيني. وفي الواقع العملي الراهن فان جيش التحرير الفلسطيني يتواجد فوق الأراضي السورية بقوام ثلاثة ألوية مشاة/صاعقة (قوات حطين، قوات القادسية، قوات أجنادين)،

وكتائب إسناد من مدفعية ودبابات ومهام خاصة، إضافة إلى كتيبة مصعب بن عمير التي تم فرزها إلى المخيمات الفلسطينية في لبنان أوائل السبعينيات من القرن الماضي. بينما تواجد فوق الأراضي الأردنية تشكيل رمزي للجيش ومن المتطوعين فقط بعد العام 1971 تحت اسم كتيبة زيد بن حارثة التي تحول اسمها عام 1980 إلى قوات بدر.

وعملياً لعب جيش التحرير دوراً عسكرياً رائداً في مسار المقاومة ومنظمة التحرير في الأردن ولبنان وفي حصار بيروت، خصوصاً في مناطق التماس مع القوى التي كانت في حالة تحالف مع قوات الغزو الإسرائيلي، فضلاً عن مشاركته الفاعلة في حربي 1967و 1973 على جبهتي الجولان وسيناء، حيث خاض معارك عنيفة مع الجيش الإسرائيلي وساهم بعمليات الإنزال الجوي بالحوامات على جبهة الجولان في موقع تل الفرس.

وفي سياق الحديث عن قوات جيش التحرير الفلسطيني في سوريا، لابد من الإشارة إلى أن الفترات الأطول من الخدمة الميدانية لهذه القوات تمت في الأردن ولبنان إلى العام 2000. وتعرض الجيش إلى انشقاقين الأول في بيروت عام 1976 عندما كان تحت قيادة اللواء مصباح البديري، والثاني في طرابلس عام 1983، وانتهى الانشقاقان بالعفو العام وعودة الجميع من الذين غادروا صفوفه من متطوعين ومجندين.

حركة فتح

عاشت حركة فتح مرحلة التأسيس الأولى في أحضان المأساة الفلسطينية في قطاع غزة وباقي مواقع اللجوء والشتات، وبين ازدهار الفكر المقاوم، فكر التحرر من الاستعمار الكولونيالي الصهيوني. وما مثلته تجربة الثورة الجزائرية من قدوة وأمل في انتصار الثورات على المستعمرين. وكان لهذه الروح تأثير كبير على إعطاء انطلاقة حركة فتح زخماً كبيراً وشحنة الأمل الواعد على طريق فلسطين الحرة.

وفي المقدمات التاريخية أيضاً لبروز حركة فتح وجناحها الفدائي المسلح قوات العاصفة ، فان انبثاق الفكرة وصعودها الهائل انطلقا على يد النواة القيادية في اتحاد طلبة فلسطين في القاهرة عام 1951، وهي النواة التي أسسها ياسر عرفات وصديق دربه صلاح خلف (أبو إياد). ومن القاعدة الأمامية التي نهضت بأعمال المقاومة قبل وبعد عدوان عام 1956 انطلاقاً من قطاع غزة ،الذي يتميز بكثافة سكانية فلسطينية لاجئة من مناطق يافا، اللد، الرملة، بئر السبع،

وجنوب فلسطين ، تشكلت نقطة التحول في حدوث ميلاد الفجر الفلسطيني المقاوم، والبوتقة التي أنجبت معظم الرعيل الأول المؤسس لحركة فتح وقوات العاصفة : سليم الزعنون (أبو الأديب) الرئيس الحالي للمجلس الوطني الفلسطيني، الشهيد محمد يوسف النجار (أبو يوسف)،

الشهيد كمال عدوان : قائد القطاع الغربي للعاصفة (قطاع عمليات الأرض المحتلة) إلى حين استشهاده في ابريل 1973، الشهيد خليل الوزير (أبو جهاد) : قائد القطاع الغربي للعاصفة و نائب القائد العام ، رئيس المجلس العسكري الفلسطيني الأعلى حتى لحظة استشهاده في16 /4 /1988، الشهيد صلاح مصباح خلف (أبو إياد) : مسؤول الأمن الموحد لحركة فتح والثورة الفلسطينية،

ممدوح صبري صيدم (أبو صبري)، محمد مسودة (أبو عبيدة)، محمد سعيد المسحال، زهير العلمي، فتحي بلعاوي ... في الوقت الذي لعب فيه اللاجئون الفلسطينيون في الشتات دوراً حيوياً مهماً على صعيد نشاط مختلف الأحزاب العربية بتلاوينها الأيديولوجية ، السياسية، الوطنية والقومية، وفي سياق طغيان المد التحرري القومي، وانتشار القوى الحزبية التي تشكلت في بلاد الشتات الفلسطيني،

الأمر الذي دفع نحو توليد إرهاصات ودفقات متتالية فتحت طريق العمل العسكري والفدائي المقاوم انطلاقا من الحزام المحيط بفلسطين. فقد بقيت الحدود الفلسطينية - العربية طوال العشرية التي تلت النكبة ميداناً مفتوحاً للتواصل بين أبناء فلسطين اللاجئين في الشتات وذويهم وأقاربهم على أرض فلسطين، وميداناً للعمل المقاوم بأشكاله المختلفة بما في ذلك العمل الفدائي المسلح على يد مجموعات وأفراد من أبناء فلسطين ضد العدو الإسرائيلي.

ويشير سليم الزعنون إلى اجتماع سري عقد في حارة الزيتون في قطاع غزة أواخر العام 1956، وفيه اتفق الحاضرون على مبادئ جديدة يمكن القول بأنها انتقلت بالتدريج الزمني لحركة فتح عند إنشائها، وكان من أسس هذا الاتفاق خلع الرداء الحزبي. وتكرس مفهوم اللقاء في اجتماع لمجموعة طلبة فلسطين في القاهرة في أحد المنازل بحي الدقي عام 1957، ودونت أول وثيقة فتحاوية تم توقيعها من قبل 12 شخصاً.

ويمكن رصد التحولات السياسية العملية في الوسط الفلسطيني اللاجئ في الشتات منذ أعوام النكبة حيث تمحور تبني الشعارات القومية والانتقال إلى المزج بين العام والخاص وما بينهما من اشتقاقات سياسية فكرية في الجهد المبذول لإيجاد الأجوبة للقضايا الوطنية والقومية الكبرى التي طرحتها مرحلة ما بعد النكبة مباشرة.

نتائج النكبة

إن النتائج المأساوية لنكبة 1948، وانفراط الوحدة المباشرة للشعب الفلسطيني مع تفكك الهيئة العربية العليا لفلسطين، وبعد أن فشلت تجربة حكومة عموم فلسطين التي أقامها مفتي فلسطين في قطاع غزة بتاريخ 1/ 10 /1948 ، تبددت آخر مرجعية وطنية لشعب فلسطين مع نهاية عام 1948، وما تلاها مع قرارات مؤتمر أريحا بوحدة الضفتين الذي رتبه ودعا إليه الملك عبد الله بتاريخ 1 /12/ 1948،

وفيه أعلن عن ضم القدس الشرقية والضفة الغربية إلى الأردن أو ما سمي بوحدة الضفتين : وكل هذه الإيقاعات التي تسارعت مع انتهاء جولات حرب 1948 مع تباعد القيادات الفلسطينية الظاهرة والتقليدية وتفرقها وتناحرها، تبدد الأمل في إطار مشترك يجمع ويعيد توحيد الشعب الفلسطيني، ويسوغ مطالبه بحكومة تخلف حكومة عموم فلسطين وتتولى تدبير ما بقي من فلسطين الانتدابية. فأسرعت الحكومتين المصرية والأردنية، إلى قبول الغنيمة الفلسطينية،

وعليه حلت الحكومة المصرية حكومة عموم فلسطين ودعا عاهل الأردن إلى مؤتمر أريحا، وكان على الفلسطينيين انتظار 15عاماً إضافية ليبادروا إلى القيام بأمرهم والاستقلال به، بعد أن ألْفوا أنفسهم يتامى أو قصَّراً تتقاطر عليهم الوصايات العربية من الجهات الأربع. هذا على الرغم من السعي الحثيث للمفتي الحاج أمين الحسيني لبناء أطر عسكرية فلسطينية مقاتلة.

إن التطورات المشار إليها، وبدروسها الثمينة، جعلت من الحالة الفلسطينية الممزقة والمشتتة والفاقدة لأي من عناصر القوة، تفتش عن الحلول والخلاص. لذا، تجمعت نذر الثورة والمقاومة داخل كل مواقع الشتات الفلسطيني، في قطاع غزة ولبنان وسوريا والأردن، فضلاً عن القدس والضفة الفلسطينية، وشكلت أوساط اللاجئين الفلسطينيين حالة استقطابية فاعلة.

وعليه، فان ما سمي بمجموعة ز الكويت والخليج الفلسطينية بقيادة الرئيس الراحل ياسر عرفات، كانت قد قطعت مراحل رئيسيه في الإعداد لإطلاق شرارات الثورة الفلسطينية المعاصرة تحت اسم حركة التحرير الوطني الفلسطيني ـ فتح وجناحها العسكري قوات العاصفة .

وعملياً كانت حركة فتح قبل انطلاق الرصاصة الأولى في 1 /1/ 1965 اقرب إلى مجموعة فكرية ـ شبه تنظيمية تتحلق وتتمحور حول مجلة ز فلسطيننا ـ نداء الحياة ز ـ تلك المجلة التي صدر منها 442 عدداً بين بيروت والجزائر، وعلى مساحة 1280 صفحة، في محاولة بلورة رؤية ثورية فلسطينية واضحة ـ فلعبت دوراً ريادياً في فرض الكيانية الفلسطينية على الجميع، إذ تبنت رفع الراية واضحة لإنشاء الكيان الفلسطيني،

وحددت تصورها لهذا الكيان بتأكيدها على ضرورة تشييد صرح حكم وطني فلسطيني ثوري قيادي على الأجزاء غير المحتلة من فلسطين، وذلك تمهيداً لتحرير الأجزاء المحتلة وإقامة حكم وطني ديمقراطي فوق كامل التراب الفلسطيني، والتأكيد بأن تحرير فلسطين هو طريق إلى الوحدة العربية. وعليه فان وعي المجموعة المؤسسة لحركة فتح وجناحها العسكري، لهذا الطرح والدور تعزز مع المعطيات الناجمة عن حرب 1967،

حيث أسهمت في تنمية التوجه نحو الفلسطنة وتصعيده وزيادة مؤيديه، علماً بأن هذا التوجه قد طرح نفسه مبكراً وبوضوح منذ أوائل الستينيات من خلال أفكار أساسية وبرامج عملية أطلقتها أساساً حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) مع بداية إنشائها. وبتأثير مباشر أو غير مباشر من قيادات تاريخية أسهمت في بناء حجارة الأساس الأولى لحركة فتح، نحو فلسطنة النضال الفلسطيني ليكون طليعة للنضال العربي والدعم العالمي من اجل تحرير فلسطين.

والبدايات الفلسطينية الكفاحية التي انطلقت من مخيمات قطاع غزة تحت رعاية الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، تسارعت مفاعيلها مع عدوان أكتوبر1956 الثلاثي على مصر، والاجتياح الإسرائيلي لقطاع غزة، وأثر التطور المتواصل الذي تراكم في قطاع غزة منذ الخمسينات نحو مزيد من البلورة للشخصية الوطنية الفلسطينية ، وساعد من هذا الأمر، تزايد انطلاق العديد من العمليات الفدائية من الأراضي المحيطة بفلسطين من سوريا ولبنان التي تمت بشكل فردي أو مؤطر بحدود معينة تحت قيادة بعض الرموز التاريخية الفلسطينية،

ومنها الرموز التي أسست حركة فتح، فضلاً عن معركة تحويل مجرى نهر الأردن والبحث عن الهوية، والأفق الذي فتحته تحولات الثورة الجزائرية وبداية انتصارها، وكلها شكلت عوامل دفع جعلت من الحالة الفلسطينية تتسارع باحثة عن الدور الفلسطيني الذاتي في المعركة الوطنية والقومية، والعمل لإنجاز إعادة بناء الهوية والكيانية الوطنية الفلسطينية، وزرعت بذور رياح الثورة الفلسطينية المعاصرة قبل وبعد حرب يونيو1967.

وكانت نشأة حركة فتح وجناحها العسكري قوات العاصفة، نتيجة منطقية في ظل الأجواء المشار إليها، وتحديداً على يد مجموعات من الشبان الفلسطينيين الذين عاشوا النكبة في صباهم واكتسبوا بعض الخبرات التنظيمية في اتحادات ورابطات الطلاب الفلسطينيين أو في أحزاب قومية عربية في مصر وسوريا والسعودية والكويت وقطر، وكان بعضهم اكتسب خبرات عسكرية ترجع إلى العمل الفدائي في قطاع غزة في عام 1954.

وعملياً، تم في الكويت اللقاء الأول بين ممثلي هذه المجموعات في أكتوبر عام 1957 بقيادة ياسر عرفات، وهو اللقاء الذي رسم طريق حركة فتح وقوات العاصفة من أجل فلسطين وتجسيد الهوية الوطنية الفلسطينية المستقلة، وتوسعت الامتدادات التنظيمية إلى مصر وغزة والأردن ولبنان وسوريا والضفة الغربية والسعودية وقطر إضافة للكويت كما أشرنا، وقد بدأ التوسع في الاتصالات سراً، ولم تكن هناك شروط للعضوية سوى التوجه لفلسطين،

وخلع الرداء الحزبي من خلال عدم الالتزام بتنظيم حزبي، وفي الأشهر التالية للقاء الكويت تم الاتفاق على تسمية التنظيم بحركة التحرير الوطني الفلسطيني - فتح، وتم التأكيد على ثلاثة مبادئ في أدبيات الحركة هي : تحرير فلسطين والكفاح المسلح هو أسلوب التحرير، وكذلك الاستقلالية التنظيمية عن أي نظام عربي أو دولي، ولم يحدث بعد ذلك أي تغيير جذري على هذه المبادئ الثلاثة، واهتمت حركة فتح بإغناء تجربتها من خلال الممارسة العملية،

واعتبرت أن حمل السلاح ليس هو الأساس ويجب أن يكون في حالة طهارة ونقاء.وعلى هذا الأساس وأمام حالة الفشل الفلسطيني في الوصول إلى حالة عربية ناهضة ودافعة في إحداث التقدم على صعيد تحقيق إنجازات ملموسة لصالح القضية الفلسطينية نما تيار الخصوصية الفلسطينية من إطارات عريضة في الوسط الفلسطيني.