لاشك أن مرحلة المراهقة تعد فترة انتقالية حرجة بالنسبة للشاب والفتاة على حد سواء، حيث لا تخلو من التطورات والتعقيدات النفسية والجسدية المتسارعة، لذلك يجتهد الكثيرون من أولياء الأمور لعقد صداقة مع أبنائهم البالغين عملا بالأقوال والأمثال الشعبية المأثورة في هذا الصدد،
وبالرغم من ذلك يصر بعض المراهقين على البوح بأسرارهم ومكنون خلجاتهم للأصدقاء دون الأهل، أو الالتزام بالكتمان كخيار أنسب توخيا لنتائج قد تكون عكسية، تضرهم بدلا من التخفيف عنهم . محمد أسامة قال إنه لا يتردد في البوح لأصدقائه المقربين بأدق التفاصيل التي تزعجه وتعكر صفوه يوما بيوم، لأن (الفضفضة) بمجريات الأمور مهما بدت بسيطة أو عظيمة تزيل عبئا ثقيلا عن كاهل المرء، وبالنسبة لمحمد فان كتمان أسراره يسبب له ضيقا شديدا بحيث يشكي لأقرانه من إحساسه بالضجر والملل، خصوصا في فترات العطلات المدرسية كما ينزعج اذا لم يسجل الدرجة التي يتوقعها في امتحان إحدى المواد خصوصا اذا ما اجتهد في الاستذكار.
وأضاف أنه لم يندم يوما على سر أفشاه لأحد أصدقائه لأنهم فعلا أهل للثقة والمستودع المثالي للبوح بالأسرار، فهم في مثل سنه ويمرون بنفس المشاكل تقريبا، الى جانب أنهم يطرحون أمامه خيارات عديدة للخروج من مأزق ما دون أن يترتب على ذلك أيه نتائج سلبية . - المال والجنس : طارق وليد شاطره الرأي في أن الدارسة والملل من بين الأمور التي لا يفتأ يعاني منها تماما كبقية أقرانه، بالإضافة الى الأمور التي تتصل بالجنس والمشاكل العاطفية، اذ لا يعقل أن تتم مناقشة موضوعات حساسة مثل هذه مع الأب او الأم، لأن ردة فعلهما بالتأكيد ستكون (عاصفة) وانفعالية ومبينة على أساس متين من الممنوع والمنهي عنه، وقد لا يرغبان أصلا في فتح أحاديث ذات صلة لا بصورة مباشرة ولا غيرها، لأن التركيبة الشرقية تحول دون التعاطي في هذه النوعية المحرم الخوض فيها اجتماعيا.
لذلك لابد من استشارة الأصدقاء، والإفادة من خبراتهم في المجال. وأشار الى أن تواضع مصروفه اليومي الذي يتسلمه من أهله يشكل أحد المنغصات التي يعاني منها، بحيث يضطر لأن يعتذر في كثير من الأحيان لأصدقائه عن مشاركتهم في بعض النزهات خلال العطلة الأسبوعية لحضور فيلم في السينما مثلا، أو تناول وجبة سريعة في مطعم اعتادوا على ارتياده سويا أو مجاملة أحدهم في مناسبة تعنيه، مردفا أن قلة ماله تتسبب في إحراجه على الدوام، وبالرغم من ذلك لم يسمح لنفسه أن يطلع أحدهم على الأمر، ويرى أنه من بين الأسرار التي يجب أن تظل طي الكتمان بعيدا عن أحاديثه مع الأصدقاء، لأنها تتصل بالأوضاع المادية لعائلته التي يجب الا يتطرق اليها .
أمي صديقتي
أكدت مروة هاشم أنها تعتبر أمها أعز صديقاتها، وتبوح لها بكل ما يضايقها سواء في دراستها بالكلية أو حال حدث خلاف مع إحدى الزميلات، والسبب وراء ذلك اعتقادها الراسخ بأن والدتها أدرى الناس بمصلحتها.
ولن تشير عليها في أي حال من الأحوال بما يلحق الضرر بها، بل على العكس من ذلك تماما، وقد أثبتت التجارب السابقة صدق ذلك، فقد أشارت والدة مروة عليها بسلك فعل معين في أحد المواقف وفعلا اتضح لها مدى صواب رأي أمها ورجاحة عقلها في سرعة ومرونة التصرف في المواقف المختلفة، لاسيما وأن فارق العمر بينهما لا يعد كبيرا مقارنة بمعظم الزميلات، الأمر الذي يعزز التقارب الفكري والثقافي بينهما.
لا حدود للصراحة
أما منال إسحاق فقد صرحت بأنها تتبادل وصديقة طفولتها كافة ما يستجد على حياتهما من أخبار وحوادث وشؤون، وبشكل يومي تقريبا، لأنها ترى أن الصداقة التي تربطهما قوية جدا، وقائمة في الوقت نفسه على الصراحة والثقة والمحبة المتبادلة من جهة، ولأن الإنسان بطبيعته اجتماعي ويميل للتواصل مع الآخرين من حوله من جهة أخرى، ولفتت أنها لا تؤيد الانزواء على الذات بدلا من مواجهة الأزمات والتحديات.
ويشكل مشاورة بعض أهل الثقة والرأي السديد من الصديقات من بين صور هذه المواجهة، وما على المرء الا أن يحدد من يستحق ثقته الأمر الذي لا يتضح لك الا من خلال التجارب والمواقف المتباينة، وذلك حتى لا يوقع نفسه في مأزق ويبوح بأسراره وأموره الشخصية للشخص الخطأ الذي قد يستغل بدوره تلك المعلومات ويؤذيه بها، وأوضحت باسمة أنه لم تواجهها حتى الآن أي صعوبة في التواصل مع صديقتها كلما ألحت عليها الحاجة للبوح، لدرجة أنها تتصل بها هاتفيا لتستشيرها في حال سفر الصديقة خارج الدولة .
الكتمان طريق السلامة
معاذ خالد غرد خارج السرب حينما قال إنه يفضل أن يحتفظ بكثير من أخباره وأحواله الشخصية والعائلية لنفسه، ولا يحبذ أن يشرك الزملاء والأصدقاء في الكثير منها، لأنك ببساطة اذا ما بحت بسرك لأحدهم فقدت السيطرة تلقائيا على مدى انتشاره، بمعنى أن الرفيق الذي ائتمنته على سرك قد يضيق ذرعا بكتمانه ويبوح به بدوره الى عدد أكبر من أصدقائه أو أقاربه وهكذا دواليك، الذين من جانبهم يمنحون الحق لأنفسهم في إصدار الأحكام على غيرهم من خلال ما يتنامى الى مسامعهم.
تطرق محمد سمير خلال حديثه الى أن السر اذا تعدى العبد وربه لم يعد سرا على الإطلاق، وصحيح أنه من الجميل أن يحظى الإنسان بصداقة يستطيع معها أن يبوح ببعض خبايا الأمور التي لا يحبذ أن يطلع عليها الجميع، ولكن من الصعب في الوقت ذاته أن تعثر على هذا الصديق الصدوق الذي تثق بأنه لن يفشي أسرارك لأحد في يوم ما حتى اذا اختلفتما وافترقتما لسبب أو لآخر، وكم من التجارب السابقة من حولنا برهنت صحة ذلك، وما على المرء الا أن يتبع حدسه.
أنا وعمتي
ترتبط نورة يوسف بعلاقة وطيدة مع عمتها واسعة الدراية والخبرة كما وصفتها، وقالت إنها تعرض جميع المشكلات التي تواجهها والأسرار التي تعجز عن كبتها لعمتها، التي لا تتأخر في تقديم النصح ووجهة نظر موضوعية دون أن تشعرها بالحرج أو بوجود فارق من نوع ما يحول دون انسيابية الحديث بينهما، مضيفة أنه ليس بالضرورة أن تتبع نورة كل ما يشار اليها من آراء ومقترحات على الرغم من أنها تحترمها وتقدرها جميعا ولكن تحرص على تطبيق ما يتماشى معها مع قناعاتها وميولها الشخصية.
وأردفت أن الحديث الى أحد الأقارب كالأم أو الأخت أو الخالة أفضل بكثير من إفشاء الأسرار الى الغرباء الذين مهما كانت العلاقة التي تجمعك بهم متينة، فانك قد تختلف معهم في يوم ما ويسعون للانتقام من مخزون أسرارك التي ائتمنتهم عليه.
اتفقت معها زميلتها خديجة النعيمي مبينة أن الكثير من الأصدقاء يلجأون في بعض الأحيان الى استغلال مواطن الضعف في الشخص خصوصا اذا ما كان بمثابة الكتاب المفتوح أمامهم، عدا عن قسم آخر منهم قد يقوم بنشر خصوصياتك دون وعي بسريتها أي (يفضحك بحسن نية)، أما في حال كان الشخص الذي تبوح اليه فردا من أفراد العائلة فان كل ما يسيء إليك يضره بالضرورة، الأمر الذي يدفعه للتفكير أكثر من مرة قبل أن يقدم على خطوة إفشاء السر.
سلاح ذو حدين
من جانبها قالت الدكتورة ميرال سليمان أن البوح بالأسرار يعد سلاحا ذا حدين، ففي بعض الأحيان يكون البوح ضرورة وفي أحايين أخرى يصبح نقمة، وذلك بحسب الموقف والشخص المباح له، لأن الكبت يولد الانفجار وقد تتراكم الضغوط على البعض وتلحق بهم الأمراض النفسية نتيجة لذلك وهنالك أشخاص يجدون في بوح أسرارهم للمقربين متنفسا مثاليا لضغوط الحياة اليومية والمتصلة بالأسرة والعمل والدراسة والحالة الصحية،
أما أن يتحول البوح الى نقمة ففي حالات عديدة من بينها الا يتم مراعاة سرية الأخبار من جانب الطرف المتلقي، الى جانب أنه من الخطأ أن يدمن المرء على إفشاء أسراره وعليه أن يميز بين ما يصح أن يقال والأمور التي عليه أن يكون كتوما بشأنها.
بوح ولكن
أبدت فاطمة سيف ندمها الشديد على بوحها لصديقتها المقربة بأحد أخطر أسرارها، مما أدخلها في دوامة من العذاب اليومي مع ذويها ومجتمعها ككل منذ سنتين وحتى يومنا الحاضر، تعود تفاصيلها الى بداية تعرفها الى شاب يكبرها بثلاث سنوات، ولكنه يختلف عنها في بعض الجوانب،
وبدافع حاجتها الى المشورة في هذا الشأن فتحت قلبها لأعز صديقاتها وكانت مخطوبة مما شجعها أكثر على مفاتحتها في هذا الشأن، دون أن تتوقع منها أن تفشي بسرها لخطيبها الذي يرتبط بشقيقها بعلاقة صداقة، وأخبره ليضع حدا لهذه (المهزلة) كما أطلق عليها، ولم يتردد شقيق فاطمة في الاعتداء عليها بالضرب المبرح وإخبار والديها اللذين يعاقبانها بالصمت والتجاهل فيما خسرت احترام أشقائها الصغار لها.
لولوة ثاني:



