يظل العراق في جوانبه الخارجية قضية حية ومتفجرة بين الحين والآخر في كل من الولايات المتحدة وبريطانيا على نحو ما برهن الجدل المحتدم الذي دار مؤخراً حول تصريحات رئيس الأركان البريطاني جنرال ريتشارد دانات بشأن الانسحاب البريطاني من العراق،
ولكن الفوضى المتفاقمة داخل العراق تجتذب قدراً متناقصاً من الاهتمام وشأن البحارة الذين مضى على فقدهم وقت طويل في البحر فإن مصير المواطنين العراقيين العاديين يصبح بعد ثلاث سنوات من غزو بلادهم شيئاً بعيداً عن اهتمام أولئك الذين تسببوا بهذه الكارثة. وفي الولايات المتحدة يعتبر العراق الآن في المقام الأول قضية انتخابية أكثر منها قضية تتعلق ببناء أمة أو قضية إنسانية أو قضية تتصل بمكافحة الإرهاب. ومع انطلاق الجهود الجمهورية للحفاظ على السيطرة على الكونغرس في الانتخابات، فإن مهمة جورج بوش لإقرار الحرية في الشرق الأوسط قد أصبحت مسألة لا تحظى بالأولوية وربما تتعلق بالأرقام.
لقد نحّى البيت الأبيض سريعاً تقرير مجلة لانسيت الضار سياسياً الذي يفيد أن 650ألف عراقي قد لقوا مصرعهم منذ عام 2003 ، ولكن الحقيقة القائلة إن شهر أكتوبر قد برهن على أنه أكثر الشهور قسوة بالنسبة للجنود الأميركيين حيث يبلغ المتوسط العام للقتلى في صفوفهم 5,3 قتلى يومياً ـ هذه الحقيقة تعد بمثابة ذخيرة مميتة يستعين بها الديمقراطيون.
وعلى جبهات ذات صلة بالعراق فإن كلا من المحافظين الأميركيين والإصلاحيين العرب يشعرون بالقلق من أن إدارة بوش التي تضررت كثيراً من التجربة العراقية تعود الآن إلى التفكير القديم الذي يقوم على الاحتواء والردع والحفاظ على الوضع القائم في الشرق الأوسط.
وفي بريطانيا كما في الولايات المتحدة فإن العراق يعد الآن أداة في متناول اليد في النقاش الذي يدور حول انتشار الأسلحة النووية. ويتعرض رئيس الوزراء البريطاني للانتقاد القاسي لرؤيته للأسلحة النووية في بغداد بينما كانت هذه الأسلحة موجودة طوال الوقت في كوريا الشمالية وهكذا فإن خصومه يتساءلون: هل يمكن الوثوق به فيما يتعلق بإيران؟
تعكس هذه المناورات السياسية الاستراتيجية حالة ذهنية متغيرة، فعلى الرغم من أن القوات لا تزال هناك إلاّ أن جانباً كبيراً من الرأي العام الأوروبي والأميركي يبدو الآن أنه يشعر بأنه قد دخل مرحلة ما بعد العراق. ويذهب البعض إلى القول إن العالم قد انتقل الآن إلى قضايا أخرى. وفي وقت قريب نسبياً سيغادر كل من بوش وبلير منصبه وقد تقلص اهتمام أجهزة الإعلام ويرجع ذلك في جانب منه إلى الأخطار الواضحة التي يتعرض لها الإعلاميون ولكنه يرجع كذلك إلى أن التقارير المتعلقة بالعراق أصبحت تكرر نفسها.
ولكن داخل العراق تبدو الصورة مختلفة للغاية بالنسبة لأولئك الذين يهتمون بالنظر إليها. فمع سفك الدماء يومياً على أسس طائفية، تصل الفوضى التي تحدثها المليشيات وانعدام الكفاءة السياسية إلى مستويات غير مسبوقة ويبدو أن المرحلة الأسوأ لم تأت بعد.
وقد جاءت إشارة دالة مؤخراً عندما رفضت الأغلبية البرلمانية الشيعية المعارضة السنية وقامت بتمرير مشروع قانون يسمح بتقسيم العراق إلى أقاليم فيدرالية قائمة بذاتها. ولم تبق إلا خطوة صغيرة من هناك للوصول إلى تفكك العراق. وهناك نذير سوء آخر يتمثل في التأجيل الذي تم مؤخراً إلى أجل غير مسمى لمؤتمر المصالحة الوطنية الذي طال انتظاره والذي يعد مبادرة محورية بالنسبة لجهود رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي لتحقيق انطلاقة جديدة. وبصورة متزامنة تقريباً مع ذلك، أعلن عدد من التشكيلات السنية المتحالفة عن قيام دولة إسلامية في العراق.
ويُجمع صانعو السياسات على أن المنهاج الأميركي المتبع في العراق لا بد من تغييره ويدور الجدال حول كيف يتم هذا التغيير وليس من أجل أي هدف. والبؤرة التي تركز عليها مجموعة دراسة الوضع في العراق، التي يتولى رئاستها جيمس بيكر وزير الخارجية الأميركي الأسبق، والتي تبحث هذه القضية الآن بتكليف من الرئيس بوش، ليست كيفية جعل العراق نجاحاً متألقاً، وإنما كيفية منعه من أن يصبح فشلاً دائماً يهدد بالخطر المصالح الأميركية وتشمل الخيارات المطروحة للمناقشة طلب المساعدة من إيران وسوريا واحتواء الموقف عبر انسحاب على مراحل بالنسبة للدول الصديقة.
وقد صرح دينيس روس المفاوض في إدارة الرئيس كلينتون حول الوضع في الشرق الأوسط لصحيفة «واشنطن بوست» بقوله: «إن نقطة البدء هي الإقرار بأن العراق ليس بسبيله إلى أن يصبح بلداً ديمقراطياً موحداً يشكل نموذجاً تحتذى به المنطقة وأضاف أنه أياً كان ما حدث فإن الولايات المتحدة ينبغي أن تضع جدولاً زمنياً للانسحاب من العراق وهذا يشبه إلى حد كبير اطروحات جنرال دانات ذات الطموحات منخفضة السقف».
وفي تقرير أعده أنطوني كوردسمان لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، يتبنى منهاجاً آخر حول مسؤوليات واشنطن ومصالحها الذاتية في العراق. فهو يناقش نطاقاً عريضاً من الإجراءات بما في ذلك مبادرات عسكرية واقتصادية دولية لتسهيل المصالحة العراقية وهو يحذر من أنه يتعين اعتماد علاجات جديدة سريعاً.
وهو يقول:«إن العراق في حالة من الحرب الأهلية الخطيرة والجهود الحالية المبذولة إلى الوصول إلى حل سياسي وسط وتحسين الوضع الأمني تكسب الوقت فقط في أفضل الأحوال وهناك مخاطرة حقيقية بأن العراق سوف يتحول إلى صراع مدني كبير خلال الشهور المقبلة والولايات المتحدة لا يمكنها أن تبقى في مسارها الراهن وتعتمد على الاستراتيجية والأعمال الحالية فلا بد لها من خيارات جديدة».
عن «غارديان»
بقلم: سيمون تسدال

