راحت وسائل الإعلام العالمية، التي تنطلق من منظور يميني، وأخرى تنطلق من المنظور نفسه لكن ليس بالحدة نفسها، كانت قد انتقدت في الماضي دانييل أورتيغا الذي فاز قبل أيام ليعود مرة أخرى لرئاسة نيكاراغوا على مواقفه اليسارية، تتبنى نبرة غريبة في انتقاد خطابه انطلاقا من أنه خطاب نظيف زيادة عن اللازم ولا غبار عليه. وبالإضافة إلى ذلك فإنها تصر على الشكاوى المتعلقة بالفساد والاستغلال الجنسي من دون أن تنسى، بالطبع، صداقته مع فيديل كاسترو وهوغو شافيز، كما أنها تتحدث في الوقت نفسه عن أن حكومتي الولايات المتحدة ـ حكومة ريغان وحكومة بوش الحالية ـ فعلتا حتى المستحيل ضده. انطلاقا من هذا الطرح، يفهم أن الولايات المتحدة قد قدمت معروفا كبيرا للإنسانية وللنيكاراغويين معا.

تبعا لهذا الأسلوب في المعالجة، الذي اعتمدته كذلك وسائل إعلام وصحافيون تقدميون، فإن الشعب النيكاراغوي أخطأ وكان يتعين عليه أن يعطي صوته لليمين. ولكان الجميع قد أعرب عن أسفه حيال أن الفائز اليميني ما كان ليقوم بأي تغييرات لا ديمقراطية ولا تدميرية لكنه كان ليدخل البهجة إلى قلوب البعض جراء هزيمة أورتيغا. فاليمين دائما أفضل من الشعوبي. لكن بما أن أورتيغا هو الذي فاز، فإنه ليس هناك أي مسوغ للاحتفال ولا حتى لأنه حقق انتصارا على التيار اليميني، لأنهم كانوا سيفضلون أن يكسب اليمين. لكن الشعب النيكاراغوي خرج للاحتفال لأن أورتيغا فاز ولأنه فاز على اليمين. بمعنى آخر، إن خطاب وسائل الإعلام هو خطاب مجحف ويقف في الصف الأميركي، حيث يقولون: «هذه المرة فاز أورتيغا، كما هتلر، عن طريق صناديق الاقتراع وليس عن طريق القوة».

من المؤكد أن أورتيغا ليس قديسا، لكنه قطعا ليس شيطانا كما يصورونه. ومن المؤكد أكثر أن اليمين وحكومة بوش لا يحاربونه بسبب مظاهره السلبية وإنما بسبب مظاهره الإيجابية. لا بل على العكس، إذ أن الأخيرة هي التي يدعمها الذين أعطوه أصواتهم.

وكان المرء يقول إن بلدا مثل نيكاراغوا، وصل بصورة متأخرة إلى شاطئ الديمقراطية إثر ديكتاتورية مديدة حكمت خلالها سلالة سوموزا وإثر مرحلة تمرد حرب عصابات طويلة، كان من المفترض أن يكون لديه سياسة فظة وفاسدة وقليلة الشفافية. لكن الواقع يشير إلى أنها كذلك في جانب منها وأنها ليست كذلك في الجانب الآخر.

وهي أكثر تعقيدا من ذلك، لأن الجبهة الساندينية للتحرر الوطني كانت المنظمة التي تعتمد أسلوب حرب العصابات الأكثر ديمقراطية من بين المنظمات التي انتشرت حتى سبعينات القرن الماضي. فعندما تسلمت السلطة سلمت بقواعد اللعبة الديمقراطية ولم تنشئ دكتاتورية البروليتاريا ولم يشهد البلد عمليات قمع مفرطة، لا بل إن الذي حدث هو عكس ذلك تماما، فلقد تم إطلاق كل العسكريين السوموزيين بسرعة كبيرة وأحزاب المعارضة ووسائل الإعلام تمتعت بحرية الحركة والتصرف في ظل انتخابات ديمقراطية.

لم يملك ريغان الحجة لمحاربتهم، مما دفعه وزبانيته إلى القيام بذلك انطلاقا من موقع السرية وقاموا طوال عشر سنوات بتغذية حرب بائسة عن طريق تمويل جماعة «الكونترا»، المكونة بغالبيتها من عسكريين سوموزيين سابقين. لقد كانت حربا مصطنعة بكل ما في الكلمة من معنى قتل خلالها حوالي 50 ألف من النيكاراغويين، أي أكثر ممن قتلوا أثناء النضال ضد سوموزا، مع أن ريغان كان يدرك تماما أنه ما كان بوسعه أن يكسب المعركة عسكريا لأن الساندنيين كانوا يحظون بدعم السكان.

لكنه أجبر حكومة الجبهة الساندينية للتحرر الوطني على حرف وجهة الجزء الأكبر من مواردها إلى الجهاز العسكري الذي وصل إلى حد أنه أصبح أكبر جهاز في أميركا اللاتينية. وبالفعل، فلقد كان هذا الاستنزاف مؤثرا وكان الناس تعبين من الحرب وفي عام 1990 وعلى الرغم من أن كثيرين كانوا لا يزالون ساندنيين،إلا أنهم صوتوا لصالح فيوليتا تشامورو، لأن ذلك مثل الطريقة الوحيدة لمواجهة الأميركيين.

أرصدة جماعة «الكونترا» كانت تأتي من بيع المخدرات الكولومبية والأسلحة. والهيكلية السرية التي أدارت عمليات التهريب تلك كان مكلف بها أوليفر نورث الذي كان مسؤولا أمام مجلس الأمن القومي الأميركي. لكن خلف نورث كان يقف المحافظون الجدد، ديك تشيني وديفيد أدينغتون وجون نيغروبونتي وجون بولتون. يشغل تشيني الآن منصب نائب الرئيس وأدينغنون مدير ديوانه ونيغروبونتي مسؤول الاستخبارات القومية العامة وبولتون سفير الولايات المتحدة في الأمم المتحدة. ولقد أدين نورث ببيع أسلحة لإيران لتمويل الكونترا، لكن بوش الأب سامحه وأصبح الآن كاتب عامود متخصص بالشؤون الدولية في وسائل الإعلام.

لقد شنت فرقة بوش هذه حملة كاملة ضد أورتيغا، فلقد دعا السفير الأميركي في نيكاراغوا إلى سفارته أحزاب اليمين ليطلب إليها أن تتحد وأخذت هذه الأحزاب معها ماريو فارغاس لوسا كي يدير الحوار وحتى نورث نفسه ظهر طالبا أن يتم الاقتراع لصالح اليمين وقدم مذكرة كريهة يحذر فيها مما كان يمكن أن تفعله واشنطن في حال فوز أورتيغا. ولقد مثل حضوره تهديدا بحرب أخرى. وكان ذلك أوقح تدخل في الشؤون الداخلية لبلد آخر ترتكبه حكومة بوش في أميركا اللاتينية. مهما قالوا عن أورتيغا، فالحقيقة هي أن صوت النيكاراغويين الديمقراطيين كان لهم بالمرصاد ووقف ضد كل ما ذهبوا إليه.

عن «باخينا 12» ـ الأرجنتين