يروي مقال نشرته مؤخرا صحيفة «واشنطن بوست» كيف فوجئ باحثو أرشيف الأمن القومي في جامعة جورج واشنطن لدى اكتشافهم أن إحصاءات 1971 حول أبعاد وأحجام الترسانة النووية الأميركية كانت قد شطبت من الوثائق التي كانوا قد حصلوا عليها.
هذه الواقعة كانت مدهشة لأن البيانات كانت قد نشرت مرات عديدة في الماضي حتى أن بعض التفاصيل الإضافية كانت قد أبلغت مباشرة للسوفييت في محادثات عديدة حول مراقبة الأسلحة. ومع ذلك، فإن بيروقراطيي وزارتي الدفاع والطاقة، وعلى ضوء المعايير المتبعة منذ ما بعد 11 سبتمبر، اعتبروا تلك المعلومات التاريخية خطرا داهما في عالم الإرهابيين والدول الشريرة.
ولقد تحول إلى أمر اعتيادي القول إن «كل شيء تغير» بعد 11 سبتمبر، لكن بالنسبة لمفكرين أميركيين كبيرين ـ عالم الاجتماع ادوارد شيلز ودانييل باتريك موينيهان، السيناتور السابق عن نيويورك ـ فإن التطورات الجديدة قد تشكل عودة أبدية إلى الأمر نفسه.
فكلاهما أشار إلى أن الولايات المتحدة كانت في الماضي تأخذ التهديدات الخارجية الحقيقية وتضخم إلى حد كبير الخطر الذي كانت تمثله، ناسجة نظريات تآمرية. وكانت هذه تبرر إنشاء دولة قائمة على السرية والأسرار تقوض الحريات الأميركية وحرية تبادل المعلومات.
وقام شيلز، وهو أحد مؤسسي نظرية الحداثة وكان لسنين طويلة أستاذا في جامعة شيكاغو، بتأليف كتاب «عذاب السرية: خلفية وعواقب سياسات الأمن الأميركية»، وذلك في عام 1956 وبعد حقبة مكارثي على الفور. أقر شيلز بحقيقة التهديد السوفييتي ووجود مؤامرات ضد نمط الحياة الأميركي، لكنه أكد كذلك على أن الديمقراطية الأميركية تقوم على مبدأ علنية الشؤون العامة.
ذلك الانفتاح وخصوصا على الفكرة المرعبة الخاصة بالتهديد الخارجي والتخريب الداخلي أفضى إلى خصوصية أضعف من تلك التي يتمتع بها الأوروبيون وذلك على قاعدة «إيلاء المزيد من الاهتمام للعناصر الاجتماعية» إلى أن وصل الأمر بالأميركيين إلى البحث عن هويتهم في الرموز القومية الكبيرة، ما أدى إلى وطنية مفرطة وتوجه لرؤية الأمور باللونين الأبيض والأسود.
في الفترات الأولى من الحرب الباردة، تمثل رد الحكومة على هذه المخاوف في منح السلطة التنفيذية مستوى عاليا من صلاحية التصرف في الشؤون الأمنية. وتمثل أوضح مظهر من مظاهر هذا التوجه في تطوير نظام تقويم قدم على حين غرة كمية كبيرة من المعلومات حول الشأن العام ونظام لمراقبة النزاهة خدش، حسب شيلز، «النسيج الرقيق الذي يوحد مجتمعنا».
ولم يمر على شيلز تلميذ متحمس ونشط أكثر من موينيهان، الذي كتب مقدمة طبعة عام 1996 من كتاب (عذاب السرية). فلقد استغل موينيهان موقعه في لجنة الاستخبارات التابعة لمجلس الشيوخ لشن هجوم عنيف ضد ميل الحكومة إلى السرية وضد ميل مواطنيها للتسامح مع القيود التي تفرض على حرياتهم باسم الأمن. وفي كتابه «السرية: التجربة الأميركية»، أعلن أن «السرية تسمح للسلطة التنفيذية الضعيفة دستوريا بالقفز على التشريع في ميدان أخذ القرارات التي لن تدعمها السلطة التشريعية عندما تبدو الأمور سيئة».
وأشار موينيهان إلى أن عمليات اعتراض الاتصالات السوفييتية المسجلة بنهاية عقد الأربعينات والتي تمت كجزء من مشروع «فينونا» ورفع غطاء السرية عنها مؤخرا بعد أن وضعت الحرب الباردة أوزارها، أظهرت، بلا شك ، أنه كانت هناك شبكة كبيرة للجاسوسية السوفييتية في الولايات المتحدة. فلقد أظهرت عمليات التصنت هذه أن يوليوس روسنبيرغ كان مذنبا بالتجسس لصالح العثمانيين، وأن الاتهامات بأن ألجير هيس كان عميلا سوفييتيا، التي قدمها وايتكير شيمبرز، كانت صحيحة.
وكان من الطبيعي أن يتحول دفاع هيس إلى قضية شهيرة بين المثقفين الليبراليين في خمسينات القرن الماضي. ومع ذلك، فإن المسؤولين الأمنيين في الحكومة كان بحوزتهم، طوال الوقت، أدلة قاطعة على جاسوسيته وعلى المدى الحقيقي للمؤامرة السوفييتية. لكنهم لم يكشفوا عما كانوا يعرفونه ولا حتى للرئيس ترومان.
ويقول موينيهان إن ذلك الإغفال سمح للمخيلة العامة أن تتمم المعرفة الحقيقية بأوهام وتخيلات مدمرة أسست بدورها لجيل مناهض للشيوعيين. وحالة التبلور هذه لا نزال نعيش في ظلها حتى اليوم. إن إقامة بيروقراطية للأمن القومي معزولة عن عين المجتمع ولدت كذلك تأثيرات مؤذية أخرى.
والافتراضات حول الحصن الاقتصادي لم يصار إلى تحليلها على قاعدة ما كانوا على علم به حول وضع البلد الذي كان يسافر إليه الكثيرون منهم عمليا. ولقد قاد هذا إلى تضخيم دائم للتقديرات المتعلقة بالتهديد السوفييتي وإلى عدم التبشير بأكبر حدث في نهاية القرن العشرين، سقوط الشيوعية. مع أن جميع البيروقراطيات تحاول توسيع نطاق مهمتها وكما كان منتظرا فإن انتهاء الحرب الباردة لم يؤد إلى تقليص عدد الأسرار الرسمية وإنما إلى زيادة هائلة فيها.
وإن إعادة قراءة هذه الكتب على ضوء هجمات الحادي عشر من سبتمبر والحرب في العراق والجهود الحالية لإدارة بوش من اجل توسيع صلاحيات السلطة التنفيذية تجعلنا نفهم أن وضعنا الحالي ليس فيه أي جديد. وعلى الرغم من أن عملية القتل العبثية التي أودت بحياة 3000 من الأميركيين على الأرض الأميركية لا سوابق لها ، إلى أنه لا يزال قائما واقع التهديد الحقيقي كما كان متصورا بنهاية الأربعينات وأن هذا التهديد بات أكثر حدة من التهديد الذي يمثله «التشدد الإسلامي».
الشيوعيون كانوا يسيطرون على دولة قومية مترامية الأطراف- الاتحاد السوفييتي- وغزوا نصف أوروبا. وفي عام 1949 وصلوا إلى السلطة في البلد الأكثر سكانا في العالم. كما أن السلطة المذهلة القادرة على تدمير الأسلحة النووية كانت حديثة العهد وخبراء ذلك العصر تكهنوا بثقة أن الكثير من الدول كانت ستقتنيها على الفور
وأن الحروب المستقبلية ستكون حروبا نووية وعاش الأميركيون ليس في ظل خطر تدمير مدينة واحدة فحسب وإنما تدمير المجتمع كله. وكان للعدو عملاء كان بوسعهم اختراق أفضل مؤسسات البلاد، الأمر الذي لا يصبو إليه اليوم سوى قلة من الإسلاميين المتشددين.
إن جميع التهديدات الجديدة قد حملت بين طياتها شكوكا كبيرة، ذلك أنه وكما يحصل الآن كان هناك توجه معلن لافتراض الأسوأ ولأن تعطي الحكومة لنفسها سلطة تقديرية هائلة لحماية الشعب الأميركي. كما أن إدارة بوش تؤكد دائما أنها تحتاج لأن تكون محمية من مناقشة الكونغرس لها والنظرة الفاحصة لوسائل الإعلام.
مثال على ذلك هو الرقابة غير المصرح بها على المكالمات الهاتفية الواردة للولايات المتحدة والصادرة عنها من قبل وكالة الأمن القومي. وبدل اللجوء إلى الكونغرس ومحاولة التفاوض على تعديلات للقانون الذي يضبط تلك النشاطات، فإن الحكومة تدعي لنفسها تلك السلطة بشكل بسيط.
وفيما يتعلق بموضوعات أخرى، مثل اعتقال سجناء في غوانتانامو وأساليب التحقيق المستخدمة هناك وفي الشرق الأوسط، فإنه ليس أفضل من الاستشهاد بموينيهان عندما يتحدث عن تجربة سابقة ويقول: «كلما كانت تنمو المخاوف من المؤامرات الشيوعية والتخريب الألماني، كان سلوك الحكومة الأميركية هو الذي ينتهك ما هو قانوني».
ومع ذلك ، فإننا لا نعرف على وجه الدقة في هذا السياق مدى التهديد الذي نواجهه من جانب «الإرهابيين المتشددين» ولا شك أن عدم المعرفة هذه واسعة بما يكفي لتبرير تغييرات كثيرة في أسلوب حياتنا، سواء في البلاد أم في الخارج. لكن للحكومة الأميركية مساراً تواجه فيه مشكلات مماثلة لمشكلات الماضي، مساراً يوحي بأنه يتعين على جميع المؤسسات الأميركية- الكونغرس ووسائل الإعلام- أن تلتزم بمهمة مراقبة السلوك الرسمي، بدل سلوك طريق سهلة للانصياع إلى السلطة التنفيذية.
فرانسيس فوكوياما
ترجمة: باسل أبو حمدة عن «كلارين» ـ الأرجنتين