تتناول هذه الحلقة، وهي الأخيرة في عرض هذا الكتاب، أحداث 11 سبتمبر وما تلاها من تغيرات على الساحة الدولية، فتشير إلى أن تلك الأحداث لم تأت من فراغ، وإنما كانت متوقعة في ضوء أجواء التوتر التي كانت سائدة آنذاك، وان ما سهّل وقوعها هو حالة التراخي الأمني داخل أميركا وتغليب مصالح الاقتصاد والتجارة على أمن المواطن وسلامته.
ومثلما يرى المؤلف أن 11 سبتمبر كان متوقعاً، فإنه يعتقد أن الحرب على العراق كانت معدة مسبقاً من قبل الإدارة الأميركية، وتنتظر الذريعة للتنفيذ.ويشير في هذه الحلقة إلى معضلة ما يسمى ب«الحرب على الإرهاب» التي باتت تخلط بين مفاهيم متعددة وتستخدم لتحقيق أهداف ومآرب أخرى، كما فعلت إسرائيل في مواجهتها مع الفلسطينيين من حيث محاولات تشويه المقاومة الفلسطينية.
هناك ما قبل 11 سبتمبر 2001 وما بعده، لكن هذا لا يعني أن العالم قد تغيّر فجأة بعد التفجيرات التي استهدفت في ذلك اليوم برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك ووزارة الدفاع في واشنطن، فالذي تغيّر هو طريقة تفسير الماضي والتفكير حيال المستقبل.ولا يمكن الزعم أن مثل ذلك الحدث الكبير لم يكن «متوقعاً» كما يشير مؤلف هذا الكتاب فنقاشات الخبراء كانت قد تحدّثت عن إمكانية وقوع تفجيرات كبرى في أجواء التوتر السائدة.
ولا يمكن أيضاً القول ذات يوم إذا جرى استخدام أسلحة تدمير شامل أن ذلك لم يكن «متوقعاً». المشكلة هي أن «المجتمعات الإنسانية لا تنظر إلى الكوارث بجدّية إلا بعد وقوعها وإذا وقعت فإنها تميل إلى نسيانها». لا شك أن الذين قاموا بعمليات التفجير قد استفادوا من واقع الإجراءات التي كانت مطبقة في الولايات المتحدة، حيث كان باستطاعة أي شخص أن يتقدم لمدرسة تعليم الطيران من دون أن يبرز هويته
وأن يدفع أجور الدروس التي يتلقاها نقداً مع تدقيق القول إنه ليس بحاجة لتعلم آليات الإقلاع والهبوط، وهذا كله من دون أن يثير أية تساؤلات وكانت هناك أيضا حالة من تراخي إجراءات الأمن في المطارات في سبيل البحث عن مكاسب اقتصادية أكبر ومع النسيان الكامل للمبدأ القائل أن الاقتصاد هو في خدمة الإنسان وليس العكس.
وكانت أجهزة الاستخبارات الأميركية، خاصة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ومكتب التحقيقات الفيدرالي، قد فشلت في الكشف عن مخطط تفجيرات 11 سبتمبر وإحباطها قبل وقوعها، ذلك انها كانت غارقة في النزاعات البيروقراطية التقليدية. وعلى قاعدة ذلك الفشل برز سؤال كبير هو: كيف يمكن لدولة قوية مثل الولايات المتحدة الأميركية تكرس مبالغ طائلة للمحافظة على أمنها، ان تكون فجأة هدفا لمثل تلك التفجيرات؟
كانت الصدمة كبيرة وقد خلقت التفافا عاما حول ضرورة تعزيز إجراءات الحماية في «الجميع عرضة للتهديد» وبالتالي حول ضرورة «محاربة الإرهاب» لكن هذا لا يمنع واقع ان بعض الأصوات قد ارتفعت في أميركا نفسها، ومن بينها صوت «جورج سوروس» أحد أهم الشخصيات الأميركية للقول أن «الحرب ضد الإرهاب» قد تنسف أسس وحدة البلاد نفسها.
وعلى الصعيد الدولي أيضا وبعد فترة قصيرة من التأييد المعنوي الشامل لأميركا «في محنتها» ظهرت التباينات في الموقف بين واشنطن وحلفائها الجدد، والسابقين هكذا واعتباراً من شهر ديسمبر 2001 اعترض البرلمان الأوروبي على أي تعاون قضائي إضافي مع الولايات المتحدة.
هجوم ضد الإسلام
يشير المؤلف إلى أن الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش قد أعطى خلال الساعات التي أعقبت التفجيرات الانطباع بأنه يشن هجوما ضد الإسلام عبر تبنيه لمقولة «صدام الحضارات» التي صاغها المفكر الأميركي «صموئيل هنتنغتون» متحدثا بنفس الوقت عن «حرب الخير ضد الشر» لكنه أدرك سريعا خطورة «الفخ» الذي يقع فيه فاختار صيغة «الحرب ضد الإرهاب» وهذا تعبير غامض بحد ذاته إذ ليس هناك أي تعريف يتفق عليه الجميع حول الإرهاب،
بل وفي كثير من الحالات من الصعب ان لم يكن من المستحيل، رسم الحدود بين الإرهاب والمقاومة ولم يتأخر الإسرائيليون عن السير في الطريق الذي فتحه رئيس الولايات المتحدة الأميركية إذ شبهوا الفلسطينيين بالذين قاموا بتفجيرات 11 سبتمبر 2001.
وكانت بداية الحملة العسكرية الأميركية ضد نظام طالبان في افغانستان ابتداء من يوم 7 أكتوبر 2001 وقد أعادت نتائجها المعروفة الروح المعنوية للشعب الأميركي قليلا وكانت مفيدة لصورة أميركا في العالم، هذا رغم أن الانتصار الأميركي لم يكن سوى جزئيا، فالبلاد، كما يصفها المؤلف لا تزال خاضعة إلى حد بعيد لمنافسات أسياد الحرب ونفوذ طالبان لم يختف.
لقد قامت الولايات المتحدة بحربها في افغانستان باعتبارها «عملا وقائيا» وأعطت لنفسها الحق في التدخل بقرار متفرد تتخذه، من دون موافقة المجموعة الدولية التي يجسدها مجلس الأمن الدولي، هكذا توجهت الأنظار كلها نحو العراق باعتباره أن الهدف التالي بعد افغانستان،
لاسيما وأن جورج دبليو بوش بدا منذ انتخابه، مصمما على الإطاحة بنظام صدام حسين في إطار منظور «اقليمي» لمنطقة الشرق الأوسط تعزز أكثر بعد تفجيرات 11 سبتمبر يقول مؤلف هذا الكتاب: «ان الأميركيين رأوا في إقامة نظام مؤيد لهم في بغداد تعزيزاً لأمن إسرائيل وزيادة كبيرة في هامش مناورتهم حيال إيران كان على الولايات المتحدة ان تقوم إذن بتحضير عملية عسكرية تطيح خلال وقت قصير بنظام صدام حسين من دون ان تؤدي إلى تفجر البلاد وتؤمن قيام حكومة عراقية فعالة.
لم يكن حلفاء أميركا يبدون أي تعاطف مع صدام حسين ونظامه، لكن أغلبيتهم لم تقتنع بالحجج التي قدمتها واشنطن لضرورة شن الحرب ضد العراق بسبب «تواطئها» المزعوم مع القاعدة وأنها على وشك التزود بالسلاح النووي. ويرى مؤلف الكتاب في منظورة أشمل أن تفجيرات 11 سبتمبر أدت بعد وقوعها مباشرة، إلى عملية «إعادة توازن جديد» داخل المنظومة الدولية.
وكان حجر الأساس فيها «تعزيز الدول» مع ما يبدو ذلك «متناقضا» في إطار عولمة يتم الحديث فيها عن إزالة مفاهيم الحدود والسيادة الوطنية لكنه تناقض «ظاهري» فقط فالمقصود هو كبح عولمة «النزعات الضيقة». وكانت روسيا مثال بليغ على «تعزيز أسس الدولة» آنذاك، إذ بعد ان وطد فلاديمير بوتين سلطة الحكومة المركزية في مواجهة مختلف مكونات «الفدرالية الروسية» وطبقة الأثرياء الجدد وابتعد مسافة عن عائلة يلتسين وزمرتها،
اختار إقامة تحالف وثيق مع الولايات المتحدة، وهو تحالف تبدت خطوطه العريضة في قبول روسيا بتوسيع حدود الحلف الاطلسي إلى بلدان البلطيق وبمبدأ إيجاد منظومة دفاعية مضادة للصواريخ موجهة ضد «التهديدات الجديدة مقابل إطلاق يد روسيا في الشيشان»، وفي مثل هذا السياق لم يعترض الكرملين على نشر قوات أميركية في القوقاز وآسيا الوسطى، الأمر الذي كان من الصعب تصور قبوله سابقاً.
حسابات بوتين
كانت حسابات بوتين وفريقه قد قامت على أساس أن نشر تلك القوات الأميركية يمكن أن يخفف قليلاً من وطأة المجهود الدفاعي الروسي في وقت تعاني فيه البلاد من وضع اقتصادي صعب جداً. لكن كان لـ «المسموح به» حدوده، ولا شك أنه لا يروق لموسكو أن تشهد نشاطاً أميركيا متزايداً في الجمهوريات السوفييتية (السابقة) المعنية ويرى مؤلف هذا الكتاب أن موسكو تراهن على عدم ذهابها بعيداً في السير بالركب الأميركي بالاعتماد على كابحين أساسيين هما نهج قادة البلدان المعنية من جهة، وحذر جيرانها الآخرين، خاصة الصين وإيران، إنها حسابات دقيقة سيظهر مدى صحتها على محك الواقع مع مرور الزمن.
وفيما يخص الحلف الأطلسي يرى القادة الروس، أو يتظاهرون أنهم يرون، أن هذه المنظمة قد فقدت سبب وجودها ذاته إذ اختفى التهديد بإمكانية قيام نزاع تقليدي على المسرح الأوروبي، ولذلك يعتقدون «مخلصين أو غير مخلصين» أن التوسيع الجديد للحلف الأطلسي خاصة إلى بلدان البلطيق، سوف يكون مصدراً للمشاكل أكثر مما هو مصدر للحلول.
ويقولون، على غرار الأوروبيين أنفسهم، إن الحلف الأطلسي لم يعد يلعب سوى دور هامشي في المقاربة الجيوستراتيجية الأميركية الجديدة، لكنه يبقى على الصعيد السياسي المنتدى الرئيسي لمناقشة مسألة الأمن عبر الأطلسي، ويحرص الروس في هذا الإطار على إعادة تقييم العلاقات بين الحلف الأطلسي وروسيا وكان من نتيجة هذا إنشاء مجلس الحلف الأطلسي ـ روسيا الجديد في شهر مايو 2002 والاتفاق بنفس الوقت على تدمير ثلثي الترسانتين النوويتين للقوتين العظميين في زمن الحرب الباردة.
ومع الخيار الروسي للتحالف مع الولايات المتحدة بعد تفجيرات 11 سبتمبر بدا أن «الحرب الباردة قد انتهت بالفعل» وأن توازنا دولياً جديداً يقوم .. وقرر الأميركيون والأوروبيون آنذاك الاعتراف بدخول روسيا إلى اقتصاد السوق مما فتح لها طريق الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية وأصبحت روسيا أيضا عضواً كامل الحقوق، في عداد الدول الصناعية الكبرى الثماني وفي نفس السياق أيضا فكر الاميركيون والأوروبيون بإقامة شراكة إستراتيجية مع موسكو تكون بناءة أكثر
ويؤكد المؤلف أن الأميركيين «لم يكونوا بعيدين فيما يتعلق بتقييم المخاطر، عن اعتبار خصمهم القديم ـ روسيا السوفييتية ـ أكثر أماناً من حلفائهم في الشرق الأوسط. مثلت تنمية صناعة النفط والغاز صميم إستراتيجية إعادة البناء الاقتصادي في روسيا. وكان مثل هذا التوجه يعني في عمقه إمكانية حدوث تبدلات جوهرية في المعطيات الجيوسياسية في الشرق الأوسط ومنطقة القوقاز وآسيا الصغرى.
هذه المنطقة الأخيرة غدت في السنوات الأخيرة احد المناطق التي توليها الإدارة الأميركية أهمية خاصة في منظور تعزيز مواقعها في القارة الآسيوية. ولم تتردد الصين في إعلان موقف متضامن مع الولايات المتحدة الأميركية غداة تفجيرات 11 سبتمبر 2001. وكانت العلاقات الأميركية ـ الصينية قد عرفت فترة مشوشة خلال الأشهر الأولى من رئاسة جورج دبليو بوش،
ذلك أنه لم يكن قد قرر آنذاك ما اذا كان سيعتبر إمبراطورية الوسط ـ الصين ـ بمثابة شريك أو منافس قادم أو خصم بدلاً من الاتحاد السوفييتي «الراحل» ولا شك أنه كان لدى روسيا أسبابا أعمق مما لدى الصين للاقتراب من المعسكر الغربي، ذلك أن نسبة 85% من الروس يسكنون غرب جبال الأورال، أي في القارة الأوروبية كما أن الثقافة الروسية، رغم خصوصياتها وتفردها هي أكثر ارتباطاً مع أوروبا مما هي مع آسيا.
وهناك نقطة مهمة ساهمت في تقارب الصين مع الولايات المتحدة الأميركية وتتمثل في الدور الحاسم الذي لعبته بكين لدى الباكستان التي تقيم معها تحالفاً في مواجهة الهند. وكانت الصين قد ضغطت على الجنرال برويز مشرف الرئيس الباكستاني من أجل دفعه للتخلي عن طالبان وقبول التعاون مع الولايات المتحدة وإذا كانت الصين قد وقعت في شهر يوليو 2001 تحالفاً مع روسيا فإن الطرفين سارعا للتأكيد بأنه ليس موجهاً بأي شكل من الأشكال ضد الولايات المتحدة.
ويفتح المؤلف قوسين هنا ليؤكد أن الغربيين لم يظهروا أبدا على الصعيد الأيديولوجي تعاطفهم حيال باكستان «التي لايفهمونها جيدا» هذا لاسيما وأن حيازتها للسلاح النووي شكلت مصدر قلق كبير ليس لدى الهند فقط، وإنما لدى الغرب أيضا .. وكان شبح «القنبلة الإسلامية» قد لعب دوراً حاسماً حسب رأي المؤلف في انتهاج سياسة الحد من انتشار الأسلحة النووية التي تبنتها إدارة جيمي كارتر وأبدت فرنسا حيالها
موقفاً متردداً في البداية ثم انضوت في إطارها في ظل رئاسة فاليري جسكار ديستان لكن ورغم كل الجهود والتي بذلها الغرب قامت الباكستان بتجاربها النووية بعد التجارب النووية الهندية عام 1998.ولا تزال الهند وباكستان تعيشان حالة نزاع مستمر حول منطقة كشمير، إذ لم تقبل الهند عملياً منذ عام 1947، تاريخ «انفصال» باكستان وإعلان استقلالها الواقع الجديد.. وتجدر الإشارة هنا إلى أن ضم منطقة كشمير إلى الهند يعود لقرار اتخذه «مهراجا» هندي بينما يستدعي الواقع السكاني والجغرافي أن تكون بالأحرى مع الباكستان.
وإذا كانت الولايات المتحدة قد اتخذت دائماً في السابق مواقف مؤيدة للهند في نزاعها مع باكستان حول كشمير، فإن الظرف التاريخي الذي ولدته تفجيرات 11 سبتمبر 2001 والحرب التي أعلنتها الولايات المتحدة ضد «الإرهاب» اقتضى منها أن تقوم بمراجعة لمجمل سياستها الخارجية حيال هذه المنطقة من العالم. إذ عليها أن تجد سبيلاً يسمح لها من جهة بتعزيز علاقاتها مع الهند ومن جهة أخرى مع الباكستان التي اكتسبت المحافظة على وحدتها والتحالف معها «بعداً حيوياً».
النموذج الأميركي
كانت شعبية جورج دبليو بوش تتدنى في منتصف عام 2001 ثم ارتفعت فجأة بعد تفجيرات 11 سبتمبر لتصل إلى مستويات عالية لم يعرفها رؤساء أميركا السابقين منذ فرانكلين روزفلت. وبنفس الوقت أعيدت للمنصب الرئاسي مكانته التي كانت قد ضعفت كثيراً منذ فضيحة ووترغيت في مطلع سنوات السبعينات.
وعلى خلفية القناعة بـ «تفوق الثقافة الأميركية» تعمق إيمان أغلبية الأميركيين، وعلى رأسهم جورج دبليو بوش، أن «النموذج الأميركي» هو الأفضل، وليس لأميركا فقط، وإنما للعالم كله. وكانت الأصوات الاجتماعية تقابل بالتجاهل أو بوصفها أنها تنتمي إلى «القوى الظلامية».
وقد عكست السياسة الخارجية الأميركية بالضرورة فزعة التفوق المتعاظمة. فالقوة الأولى في العالم اعتبرت قانونها أهم من القوانين الدولية في الشؤون التي تخصها، الأمر الذي تمت ترجمته عملياً في منهجها الدولي بالتأكيد على دورها «القيادي»، أي برفضها لمفهوم «تعددية الأقطاب، في العالم والتصرف كـ «قائد» للعالم مع تبني سياسة بدت أنها تخضع لمنطق الإرادة الأميركية فقط ومهما كانت درجة انحيازها، كما ظهر حيال النزاع العربي الإسرائيلي.
وبعد تفجيرات 11 سبتمبر مباشرة بدا أن الرئيس الأميركي يريد «إعادة التوازن» إلى السياسة الأميركية وتحدث صراحة منذ الثاني عشر من أكتوبر ثم في نوفمبر 2001 أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهذا ما لم يتجرأ على فعله أي رئيس أميركي قبله، عن ضرورة قيام دولة فلسطينية، لكنه كان موقف «نظري فقط إذ عملياً» ترك المجال حراً لآرييل شارون كي يفعل ما يشاء،
ووصل به الأمر بعد أعمال العنف التي قام بها الجيش الإسرائيلي في جنين، إلى وصف رئيس الحكومة الإسرائيلية برجل سلام؟ وهذا ما يفترض أنه فاجأ المعني نفسه بذلك، حسب تعبير مؤلف هذا الكتاب الذي يشير إلى النفوذ الكبير الذي تمارسه في أميركا مجموعتي ضغط «لوبي» هما اللوبي اليهودي بالطبع ولوبي المسيحيين المحافظين.
وفي مثل هذا السياق واعتباراً من صيف عام 2002، بدا واضحاً أن إدارة جورج دبليو بوش قد «وضعت صدام حسين في رأس قائمة اهتماماتها»، وينقل المؤلف عن الصحافي الأميركي «بوي ووداورد» قوله في كتابه «بوش يذهب إلى الحرب» انه أثناء اللقاء الأول الذي جمع بين جورج بوش قبل تسلم مهام منصبه الرئاسي رسمياً و«جورج تينيت»، مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، حدد هذا الأخير ثلاثة مصادر رئيسية لتهديد أميركا هي «تنظيم القاعدة ومخاطر انتشار أسلحة التدمير الشامل وصعود الصين».
وبعد تفجيرات 11 سبتمبر أعيد توزيع الأوراق وغدت الصين شريكاً محتملاً وليس منافساً أو خصماً محتملاً.. فالولايات المتحدة التي وجدت عدواً جديداً تحت تسمية «الإرهاب» الفضفاضة لم تعد بحاجة إلى أن تحل دولة مثل الصين يمكنها أن تحيي من جديد الاستقطاب الثنائي الدولي بعد زوال الاتحاد السوفييتي.. ذلك انها وجدت أن «الرئيس العراقي يجسد بالنسبة لها الشر المطلق، أي الذي يجمع حالياً أو افتراضياً بين أسلحة الدمار الشامل والإرهاب»،
وهذا عنى آنذاك أن الإطاحة به وبنظامه تمثل إصابة لعدة أهداف «بحجر واحد»، لاسيما توجيه إنذار جدي لجميع «الدول المارقة» القريبة مثل إيران وسوريا والبعيدة مثل كوريا الشمالية. كانت الحسابات الأميركية تقوم على مبدأ استراتيجي ورؤية أخلاقية.. وكان المبدأ الاستراتيجي يقوم على دعامتين. الأولى هي تأكيد التفوق الأميركي كماً ونوعاً، والثانية ترتكز على تعزيز مفهوم «التدخل الوقائي»،
وحيث أكد العديد من رجال القانون أنه في حالة توقع هجوم وشيك يحق لكل دولة أن تسبقه بعمل وقائي. وهذا يعني أن «الفريق الحالي في البيت الأبيض قد قدم تبريراً تاريخياً لقيام إسرائيل بتدمير مفاعل أوزيراك ـ تموز ـ العراقي عام 1981. فذلك المفاعل الذي باعته فرنسا كان مكرساً حصرياً للاستخدام المدني، لكن كان يمكن استخدام البلوتونيوم الذي ينتجه في أغراض عسكرية «كما يشير المؤلف.
أما الرؤية الأخلاقية التي اعتمد عليها المفهوم الاستراتيجي الأميركي فيحددها بالقول: «من المعروف أن جورج دبليو بوش هو مسيحي متحمس ويعتبر نفسه مكلفاً بمهمة سماوية لاستئصال شر الإرهاب. وفي الولايات المتحدة نجد وبعمق أكبر أن النزعة القومية والسياسة والدين لا فصل بينها تقريباً والنزعة السياسية المحافظة والأصولية الدينية بينهما علاقة وثيقة بشكل خاص».
وما يرجحه مؤلف هذا الكتاب هو أن «رئيس الولايات المتحدة الأميركية كان قد قرر في صيف عام 2002 الشروع بالحرب ضد صدام حسين»، وهذا لا يعني أن «القرار السياسي» كان قد اتخذ إنما كانت آلة عسكرية «هائلة» قد بأت عملها وكانت بحاجة إلى عدة أشهر لإكمال استعداداتها بحيث أن «البنتاغون» لم تكن جاهزة للتنفيذ قبل نهاية شهر يناير 2003 وكانت هناك آلة دبلوماسية خفيفة تتابع عملها في محاولة للحصول على دعم منظمة الأمم المتحدة وإقامة تحالف دولي،
لكن البنتاغون، لم تكن من وجهة النظر العسكرية بحاجة إلى حلفاء، وهذا ما أكده مراراً وتكراراً دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي على مدى أشهر قبل الحرب. وكان جورج دبليو بوش قد أكد من جهته أيضاً أن «القوة العظمى سوف تتدخل بكل الأحوال ومن مصلحة الأمم المتحدة أن تنصاع لزعامتها، من أجل بقائها وكي لا تعرف نفس مصير جمعية الأمم المتحدة خلال فترة ما بين الحربين العالميتين».
في مثل ذلك السياق، ورغم قبول صدام حسين بالقرار الدولي رقم 1441 الذي كان يلزمه بتقديم قوائم بالأسلحة التي يمتلكها وقبول عودة المفتشين الدوليين وفتح جميع المواقع، من دون استثناء، لهم، فإن العد التنازلي للحرب كان قد بدأ.. إذ «كان لدى حضور البيت الأبيض والبنتاغون جدولهم الزمني..
وكان ينبغي التخلص من صدام حسين قبل حلول فصل الصيف، صيف عام 2003، فمن جهة كان العسكريون يريدون تجنب القيام بعمليات عسكرية خلال فصل الصيف القائظ، لاسيما في الحالات التي كان ينبغي على الجنود فيها ارتداء ألبسة واقية ومن جهة أخرى كانت الأزمة تثقل كثيرا اقتصاديا وكان ينبغي أيضا الاستعداد للتحضير اعتبارا من النصف الثاني لعام 2003 للانتخابات الرئاسية عام 2004.
لكن رغم كل المساعي التي قدمها معسكر السلام الذي قادته فرنسا عمليا في الأمم المتحدة خاصة لمنع صدور قرار دولي جديد يتماشى مع الإرادة الأميركية ـ البريطانية لشن الحرب.. فإن الرئيس جورج دبليو بوش «خير» الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين بين أمرين.. «المنفى أو الحرب» هكذا وعند حوالي الساعة الرابعة وثلاثين دقيقة من فجر يوم الخميس 20 مارس 2003 بدأت الحرب بضربة، لم تكن مثمرة كثيرا، للقضاء على النظام واثر بداية العمليات الجوية مباشرة ارتفعت قيمة الأسهم في البورصات وانخفض سعر برميل النفط.
سقوط مدهش
لم يكن هناك من يجهل ان القوة العسكرية للعراق كانت في عام 2003 أدنى بكثير مما كانت عليه عام 1991.. وكان الجميع يعرفون أيضا ان القدرات الأميركية قد تعاظمت كثيرا منذ حرب الخليج الأولى، خاصة على مستوى التكنولوجيات العسكرية مع ذلك انتظر الجميع معركة حامية الوطيس بين الجيش العراقي وخاصة وحدات الحرب الجمهوري، في المدن لاسيما العاصمة بغداد وإذا لم يكن هناك أي خبير عسكري قد توقع ان يرى العالم معركة «ستالينغراد» جديدة، فإن الكثيرين من الخبراء،
خاصة في باريس وموسكو، توقعوا ان تستمر الحرب لعدة أشهر. «لكن بغداد سقطت بسهولة مدهشة». ويشير المؤلف هنا إلى العمل المسبق الذي قامت به الأجهزة السرية لاسيما شراء بعض ضباط نظام صدام حسين، والفعالية الكبيرة التي أظهرتها القوات الأميركية قد «أعطت ثمارها» وإلا «كيف يمكن تفسير تبخر القوات العراقية؟» حسب قوله.
لقد استولى الأميركيون على بغداد دون صعوبة.. وكان سقوط تمثال صدام حسين يوم 9 ابريل بمثابة النهاية الرمزية للحرب، ولم يتردد البعض في ان يشبهوا ذلك بسقوط جدار برلين يوم 9 نوفمبر 1989 وفي يوم 14 ابريل استسلمت مدينة «تكريت» عرين صدام حسين لكن لم تتأخر المصاعب عن الظهور امام جيش الاحتلال وبدا ان القوات الأميركية ـ البريطانية غير قادرة على إحلال النظام المدني حيث مثل نهب متحف بغداد رمزاً بليغاً لذلك العجز.
لقد أطاحت الحرب الأميركية ـ البريطانية في ربيع عام 2003 بصدام حسين وبنظامه.. وتساءل الجميع «من سيكون الهدف المقبل للشرطي الأميركي؟» كانت سوريا هي المرشح المباشر.. وبدت حالة إيران أكثر تعقيداً. وبالتالي هناك احتمال ضئيل ان تقوم الولايات المتحدة بعملية عسكرية ضدها مشابهة لما جرى في العراق يقول المؤلف في محصلة تحليلاته ثم يضيف: «لكن الولايات المتحدة ليست أقل تصميماً في منعها من امتلاك السلاح النووي».
لقد شهد القرن العشرين سقوط العديد من الإمبراطوريات: الإمبراطورية العثمانية والإمبراطوريات الاستعمارية الأوروبية وأخيراً الامبراطورية السوفييتية التي كانت إحدى القوتين العظميين في العالم طيلة سبعة عقود من الزمن تقريباً وفي 11 سبتمبر 2001 بدا ان العالم قد دخل مرحلة زوابع جديدة كانت الحرب على العراق في ربيع عام 2003 عاصفتها الحقيقية الأولى
والتي لا تزال رياحها تعصف حتى الآن وما بين سقوط جدار برلين عام 1989 واحتلال بغداد عام 2003 مرت 15 عاماً هزت العالم وطرحت خلالها الأسئلة التي سيكون على القرن الحادي والعشرين أن يواجهها أما الإجابات فتظل مفتوحة على المجهول.
عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف