تبقى الحاجة لتأهيل الإدارات المدرسية وتدريبها بشكل مستمر لزيادة كفاءتها ماسة حتى تصبح قادرة على القيام بالمهام والصلاحيات الممنوحة لها في خطة تطوير التعليم المنشودة، ولعل فكرة إطلاق مزيد من الصلاحيات للإدارات المدرسية وإعطاء المدير فرصة اكبر للإبداع والإنتاجية جيدة لكنها تحتاج إلى التأهيل. تربويون شددوا على أن تلك الصلاحيات يجب ان تكون طبقا لمعايير وأسس محددة.

محمد سالم الظاهري مدير إدارة منطقة أبوظبي التعليمية أكد حاجة الإدارات المدرسية في ظل فلسفة المرحلة المقبلة إلى تأهيل وتدريب وتزويدها بالكوادر الإدارية الكافية لتتمكن من القيام بدورها في ظل وجود صلاحيات وأعباء جسام ،مشيرا إلى ان عملية توسيع صلاحيات إدارات المدارس وتحديدا المدير ليست سهلة لان الكفاءات الميدانية متفاوتة وليست العبرة بسنوات الخبرة ، فهناك من القدامى من لا يمتلك مهارات العمل الحديثة ولا يقبل عليها وهناك من مديري المدارس الجدد من لديه قدرات عالية رغم قصر فترة عمله الميدانية ، لذلك هناك حرص مستمر من المنطقة على تدريب المديرين والمعلمين وتطوير أدائهم ،لافتا إلى ان القيادة ليست كلمة بسيطة بل هي خبرات ومعارف واكتساب مهارات لتطوير الأداء لما فيه المصلحة الوطنية.

وأشار مدير المنطقة إلى ان المدرسة هي أساس العمل التربوي ومن الضروري تشكيل علاقة جيدة بين المدارس والمناطق والوزارة وإجراء تعديلات جذرية في كافة النظم والإجراءات بحيث تتحقق اللامركزية المطلوبة وتصبح كل مدرسة وحدة مسؤولة عن وضع خطط العمل فيها، وتحديد الميزانيات اللازمة لها وإنفاقها في إطار نظم ومعايير واضحة وتكون بيئة تعليمية ناجحة، يتحدد فيها بوضوح دور المدير ودور المدرسة، ومستويات الأداء المتوقعة للطالب والمعلم والمدير وكافة العاملين على السواء.

تأهيل مكثف: وتساءلت أمينة المران رئيسة قسم الجودة والتطوير بمنطقة أبوظبي التعليمية: هل إدارات المدارس مهيأة للقيام بدورها التطوير الكبير الذي ينتظرها، موضحة ان الإجابة عن هذا السؤال أولا ان يتم تهيئة الكوادر الإدارية تأهيلا مكثفا وصولا للأهداف المنشودة، مشيرة إلى ثلاثة أنواع من إدارات المدارس، قيادية جيدة تستطيع ان تقوم بإعداد الخطط وتنجز وتحاول وضع الأفكار وتسعى لتطبيقها بشكل فعلي ومدروس، ونوع آخر متوسط عبارة عن مدير تنفيذي وليس قياديا، يقوم بتنفيذ الأوامر دون تطوير.

أما النوع الثالث فهو الذي يتظاهر بأنه قيادي ولا يمتلك الصفات التي تؤهله لذلك، وإدارة المدرسة بالنسبة له وظيفة لا غير. ولفتت إلى ان الإدارات المدرسية بإمكاناتها وكفاءاتها الحالية ليست كلها مهيأة لاستقبال الرؤية الطموحة الجديدة للوزارة، التي ترى إعطاء الصلاحيات والمهام إلى إدارات المدارس بشكل تدريجي، لتهيئة الكادر الإداري والفني والإعداد الصحيح المسبق للرؤية الجديدة في المدارس حتى لا تكون المهام والصلاحيات مفاجأة لإدارات المدارس وبحيث لا تستطيع تحمل الأعباء الجديدة بما ينعكس على الطالب بشكل سلبي وهو المعنى الرئيسي بعملية التطوير المقبلة.

مطلب قديم

ويرى محمد الحوسني موجه أول إدارة مدرسية بوزارة التربية والتعليم ان عملية منح الصلاحيات لإدارة المدرسة هو مبدأ ومطلب قديم ويتفق عليه الجميع وهو من المسلمات الطبيعية لتطوير الأداء المدرسي لافتا إلى انه من الأساسيات الموجودة في الدول والأنظمة التربوية المتقدمة.

وأشار إلى فكرة توسيع صلاحيات الإدارات المدرسية يتطلب جعل هذه المدارس مؤهلة للتفاعل مع هذا المبدأ وتطبيقه بالشكل الصحيح حتى تؤتي ثماره، لافتا إلى ان غياب الوعي الإداري الصحيح للأهداف المدرسية لدى بعض الإدارات المدرسية أو ضعف كفاءات القيادة الصحيحة لدى بعض الإداريين في المدارس، أو في حال عدم أهلية البعض في قيادة الآخرين والتعامل معهم، أو حال غياب مفهوم الإدارة المدرسية الصحيحة،

أو في حال وجود بعض الشخصيات الغير متزنة إداريا ونفسيا، بمعنى وجود بعض الشخصيات ذات الطابع التسلطي أو المتساهل، في ضوء هذه الاحتمالات، سيكون تطبيق هذا المبدأ، غير ذي جدوى وبالتالي نعود إلى ضرورة تأهيل هذه الفئات وغيرها تأهيلا إداريا وقياديا لجعلهم في المستوى اللائق.

ويؤكد من خلال تجربته الميدانية ان بعض إدارات المدارس تفتقد إلى ابسط مبادئ الإدارة الصحيحة على الرغم من أنها مازالت تحت سلطة إدارة المنطقة التعليمية والوزارة، مشيرا إلى جانب أكثر أهمية وخطورة ويجب استيعابها من الطرفين المدرسة والوزارة، وذلك بان المدرسة وحدة إدارية مستقلة لا تعني المزاجية، وان مزاج إدارة المدرسة هو المتحكم، و يترتب عليه بناء أنظمة واضحة ودقيقة وإجراءات صحيحة لكافة العمليات التعليمية في المدرسة، سواء في الأمور المالية،

أو الشؤون الإدارية والتربوية أو السلوك الطلابي أو الأنشطة وكافة العمليات التي تتم في إطار المدرسة، حتى لا يكون هناك مجال للمزاجية والآراء الشخصية في عملية اتخاذ القرار، ويجب ان تستند هذه الأنظمة والقوانين إلى نظام تشاركي ديمقراطي متعدد الاطراف في عملية اتخاذ القرارات، حتى لا يكون اتخاذه قاصرا على رأي واحد ، مشيرا إلى انه في إطار هذه الأشياء يمكن ان يكون منح إدارات المدارس صلاحيات واسعة أمراً ذي جدوى تربويا وإداريا.

ولفت موجه الإدارة التربوية إلى بعض الأنماط من الإداريين، ممن ليس لديهم نفسية ممارسة الصلاحيات الإدارية، بحيث أنهم ينتظرون اتخاذ القرارات من الجهات العليا ، مشيرا إلى ان هذا النوع بحاجة إلى التدريب بشكل جيد على ممارسة الصلاحيات.

التدرج في التطبيق

وأوضح عبيد مفتاح مدير مدرسة بن رشد ان أي مدير مدرسة مؤهل ولديه المهارات القيادية ويهتم بتطوير أدائه ذاتيا سوف يسعده التوجه نحو منح صلاحيات واسعة للمدارس، على اعتبار ان المدرسة الوحدة الرئيسية في العملية التعليمية، وان توسيع صلاحيات مديرها لإدارة شؤونه طبقا لخبراته ورؤيته الخاصة مما سيدعم مناخ الاستقرار والإبداع في المدارس

مشيرا إلى الحاجة إلى التدرج في التطبيق كون هناك تفاوت في قدرات المديرين على تحمل المسؤولية والخروج بالنتائج المرجوة وتجربة التعامل مع الميزانيات والأمور المالية أكدت الحاجة إلى التأهيل فهناك مدارس حتى الآن لا تستطيع التعامل مع السلف بالشكل الصحيح، وترد جزءا كبيرا منها رغم حاجتها لها،

كما من الضرورة ان تكون اللوائح المنظمة للعمل تمتاز بالمرونة لان القيود التي تفرضها اللوائح تقف كثيرا عقبة أمام التطوير، مؤكدا على ان هذا التوجه يمنح المدير الثقة في ذاته ويدفعه نحو الإنتاج ويضمن له الاستقرار الوظيفي ولكافة العاملين معه ما داموا مؤمنين بالتطوير ومدركين لمتطلبات المرحلة المقبلة.

ويلفت مفتاح إلى أهمية وجود المرجعية للمدارس من ناحية التقييم للأداء في كل مدرسة لان الميدان حسب رأيه بحاجة إلى من يرى أداءه الفعلي ويكافئ المجد والمجتهد ويحاسب المقصر، كما ان المتابعة والإشراف من قبل المنطقة التعليمية مطلوبة خاصة في المراحل الأولى للتطوير، معتبرا دورها أساسيا في الكثير من الأمور كون المدرسة بحاجة إلى جهة ترجع لها عند الحاجة إلى استشارة وإبقاء التواصل مع الميدان لان تجربة المدرسة المستقلة سلاح ذو حدين،

إلى جانب التفاعل مع الميدان بشكل كبير بفضل الثقة التي أعطيت للعاملين فيه ودافعية وتنافس لإثبات الذات، أما الحد السلبي فيكمن في الزيادة من الفصل بين المدارس وانشغال كل واحدة بذاتها بعيدا عن الأخرى لذا فوجود المنطقة أساسي لحفظ التواصل والتعاون بين الجميع لتبادل الخبرات.

تبادل خبرات

ويؤكد أبو صالح أنيس لقمان الندوي نائب مدير عام المدرسة الإسلامية الانجليزية انه مع توجه ان تأخذ المدرسة دورا طليعيا في الإستراتيجية الجديدة بمنح إدارات المدارس إدارة شؤونها وتسيير أمورها ، مستشهدا بتجربة الدول المتقدمة في ذلك، قائلا : ان مثل هذه الاستقلالية الداخلية هي سر تقدم النظام التعليمي في كل أنحاء العالم خاصة الدول المعروفة بتميزها وعراقتها في النظام التعليمي من العصر القديم وحتى العصر الحديث،

مشيرا إلى ان عدم منح المدارس الاستقلالية يؤثر سلبا على عملية التطوير المنشودة، حيث ستكون بطيئة في أحسن تقدير، وتبوء بالفشل النهائي عاجلا أم آجلا ،لافتا إلى استحالة تطوير أي نظام سواء كان تعليميا ام غيره، دون الاستقلالية في اتخاذ القرارات وتنفيذ المشاريع ورسم الخطط قصيرة وبعيدة المدى حسب إمكانياتها المتاحة والظروف المتجددة التي تمر بها من حين لآخر وانه لا يمكن لأي سلطة مركزية التحكم بتلك الظروف والإمكانيات عن بعد، وبالتالي تمكينها من ان القرارات التي تتخذ من قبل هذه السلطة المركزية تكون صالحة أو ملائمة لعملية التطوير المستمرة على النحو المطلوب.

وفيما يتصل بالعلاقة بين إدارات المدارس والمناطق التعليمية، يرى أبو صالح أنها يجب ان تكون تبادلا للخبرات وليست علاقة رقابية لجهة على الأخرى، علاقة تقوم على أساس المشورة لأجل تحسين الخدمات والتعاون على تحقيق المشاريع التربوية التي تخدم العملية التعليمية وتحقق الهدف المنشود من التطوير، وإعداد الأجيال المبدعة القادرة على صناعة غد مشرق للوطن وللإنسانية جمعاء.

استطلاع ـ عبد الرزاق المعاني