يقال إن الشعوب الأفريقية التي خضعت لاحتلال واستعمار في حقب ماضية كانت تنأى بنفسها بعيداً عن مظاهر الحرمان والخوف الذي يتملكها، فيتوجه المقهورون إلى مناطق بعيدة عن أماكن سكناهم (الغابات والبحار)، ويبدأون بالرقص والتمايل تعبيراً عن حالة الرفض التي تعتريهم نتيجة لما يلمسوه من ظلم وعدوان،
وفي تلك الأماكن تتجلى مشاهد الحرية التي ينشدونها في رقصهم العفوي، فيريحون أجسادهم بروحانية تظهرهم وكأنهم يحلقون في الهواء كما العصافير، وهذه دلالة على شعور مكبوت يبعدهم عن واقعهم ويدمجهم في واقع آخر يحلمون فيه، وتالياً وجد الرقص الأفريقي الشهير الذي كانت بدايته بحسب ما يقول المختصون في هذا المجال هروباً من الاحتلال والظلم. وأياً كان الرقص في هذه الأيام فهو لا يعدو عن كونه وسيلة للتعبير عن أشياء مختلفة، فبعضه يستغل لإشباع رغبات ونزوات الآخرين، وجني مبالغ مادية طائلة من وراء ذلك، وبعضه الآخر يكون تعبيراً روحانياً عما يجول في خاطر الإنسان الباحث عن متعة مختلفة عن الماديات،
وهناك من يرقص في مناسبات تعيشها الشعوب على اختلاف ثقافاتها مثل الفرح والزواج، وآخرون يرقصون بعيداً عن كل ذلك لكونهم موظفين يجنون مقابل عملهم أجوراً محددة، ثم يعودون إلى حياتهم اليومية وكأن شيئاً لم يكن. ولكن ما الذي يدفع عشرات الفتيات المواطنات والوافدات العربيات والأجنبيات إلى تعلم فنون الرقص الأفريقي واللاتيني والسلسا وغيرها من المسميات المرتبطة بثقافات شعوب عايشت الكثير من المتغيرات، ولكنها لم تفقد إلى أيامنا هذه متعة الرقص الروحانية والمادية التي تجوب مخيلة الجنس الناعم أكثر بكثير عن الذكور من الصغار والكبار، فربما للروح ومتعتها سبب في ذلك، لكن أسباباً أخرى لا بد أن تؤخذ في الحسبان لمواكبة هذه الظاهرة القديمة المتجددة.
مدربة كولومبية: في أحد الأندية الصحية الذي يعنى باللياقة البدنية في دبي، تجمع ما يزيد عن الخمسين فتاة مواطنة و30 من الجنسية العربية، بالإضافة إلى مئات المتدربات الأجنبيات، حول مدربة رقص محترفة جاءت من كولومبيا بأميركا اللاتينية لترسم حياة أخرى في مخيلة طالباتها كما أجمعت على ذلك مجموعة من المتدربات. ليريس موسكيدا راقصة محترفة كما عرفتها المتدربات، تملك حساً روحانياً منتعشاً على الدوام، فترسم البسمة على وجوه طالباتها، وتنقل متعتها الروحانية إليهن بفعل الرقص وتمارين اللياقة البدنية والممارسات الحركية الخفيفة والراقصة.
لاتيني وأفريقي
وفي نوعين من الرقص العالمي وهما اللاتيني والأفريقي تتألق هذه الفتاة وتبدع بحركات إيقاعية ممتعة فتغذي نفسها بملامح الأمل وتنعش جسدها بلياقة الحركة وتحافظ على توازنها أثناء العمل وفي مختلف أوقاتها. ليريس تقول إنها تقدم هذا النوع من الرقص أو الرياضة كونه يخرج من قلبها، فهي متعلقة كثيراً بمهنتها التي منحتها الكثير من الحرية والإبداع والتألق في مختلف جوانب الحياة،
ولأنها تحب المتدربات عندها مثلما تملك إحساساً إيجابياً تجاه جميع بني البشر، فهي تعبر عن شخصيتها من خلال تعميم شعورها الإيجابي المتواصل على أكبر قدر ممكن من الجمهور دون النظر إلى الجنسية أو الجانب المادي، وهي كما تقول تعمل موظفة ولا تقبل سوى راحة وثقة وطمأنينة وحرية طالباتها المتدربات والراقصات.
عروض فنية
غير ذلك تقدم هذه المدربة مع مجموعة من الفتيات عروضاً فنية راقصة مصدرها أميركا الجنوبية، في الحفلات والأعراس والمناسبات العائلية والاجتماعية، وجهات كثيرة تحرص على استضافة هذه الفرقة من أجل إضفاء مزيد من البهجة والمتعة على الحفلات والمناسبات المختلفة.
وفوق هذا كله تضيف ليريس أن ثلاثة أزواج اثنان من الإماراتيين وآخر من السعودية، إضافة إلى أزواج آخرين كثر من دول عربية وغربية، يأتون إلى النادي من أجل تعلم وممارسة رقصة «السلسا» الثنائية، موضحة أنها تقدم لهؤلاء الأزواج دروساً خصوصية منفردة، وأن المتدربين يجدون متعة كبيرة في مواصلة رقصهم الثنائي، والذي من الممكن أن يمارسوه في بيوتهم حيث أنهم باتوا على مقربة من إتقان هذا النوع من الرقص المناسب للأزواج.
انتعاش جسدي
وفي المكان ذاته تجد مجموعة غير قليلة من الفتيات، لا سيما المواطنات، انتعاشاً جسديا وروحانياً مبالغاً فيه نتيجة لما يسمينه فنون الرقص الممتعة والمفيدة للياقة الجسد، واحدة من هؤلاء عبير محمد عبد الله معلمة اللغة الإنجليزية في مدرسة الصفوح الثانوية للبنات، والتي تقول إنها جاءت إلى النادي بهدف ممارسة الرياضة، فاكتشفت نفسها لاحقاً تتسلل من الرياضة إلى الرقص دونما تشعر.
تمارين خاصة
ولم تخفِ عبير تعلقها الكبير بالنادي الذي جعلها تطرق بابه يومياً لتعيش أجواء الرقص اللاتيني والأفريقي مدة ثلاث ساعات على الأقل، فإن لم تكن لديها حصصاً ودروساً تأتي لتجلس مع مدربتها التي تعلمها تمارين خاصة إضافية، وهو ما يبقيها في راحة وطمأنينينة وحيوية ونشاط ومرونة في تعاملها مع الآخرين، مشيرة إلى أن الرياضة مملة في بعض الأوقات، لكن ومع الرقص فلا مكان للملل أبداً.
شيخة المزروعي التي تعمل مبرمجة حاسوب في مستشفى آل مكتوم في دبي، وتدرس في إحدى جامعات قرية المعرفة، تمارس هي الأخرى تمارين رياضية وفنون رقص عالمية، وذلك كما تقول أثر على نفسيتها كثيراً حتى أضحت تلمس تغيرات إيجابية كبيرة في حياتها اليومية، حيث القابلية للعمل وللدراسة مع نشوة الشعور بمرح الروح والجسد، لافتة إلى أن أقاربها شجعوها بقوة على التدريب في النادي وممارسة فنون اللياقة والرقص، والذي تعتبره ذا مغزى وفائدة ويختلف عما هو موجود لدى راقصات أجنبيات أمثال شاكيرا وزمرتها.
وأوضحت شيخة المزروعي إحدى المتدربات أن شعورها الإيجابي مع هذه التمارين برهن لديها أن الفتاة المواطنة لا تتألق فقط في عقلها وروحها، بل في جسدها الرشيق والأنيق، فهي ليست إنسانة مقيدة تسير في طريق رسم لها آنفاً، لكونها تملك مواهب كما غيرها من الفتيات، وليس من الخطأ تنميتها في إطار المسموح والمقبول.
كارمن سنجاب سورية الجنسية وتعمل مديرة تجارية بشركة موبايلات في دبي، قالت أنها تأتي إلى هذا المكان منذ عام، وتمارس فيه دروساً محددة في «الكارديو» وتمارين المعدة، حيث تقول إن الرياضة على اختلاف أشكالها تمنح ممارسها مواصفات إيجابية لا يمكن إغفال أهميتها، لا سيما وأنها تساعد المرأة على وجه التحديد في التخلص من روتين العمل والجلوس لساعات طويلة، وتمنحها جسداً رشيقاً يمنحها التميز في مختلف جوانب حياتها اليومية.
من باب التجربة
الفتاة ريم خميس التي تعمل فني مختبرات بمستشفى الوصل في دبي جاءت إلى هذا المكان من باب التجربة لكونها متعلقة كثيراً بكل ما يمت بصلة للرياضة والتجديد، فوجدت مساحة إضافية في ألوان مرغوبة وجذابة من الرقص والتمارين الحركية المفيدة، التي تلقي بإيجابياتها على الجسد الأنثوي في المرونة والرشاقة.
دبي ـ عنان كتانة:



