بين الحادي عشر من سبتمبر 2001، وخطاب الرئيس الأميركي جورج بوش عن حالة الاتحاد عام 2002، كانت أميركا في راحة يده. ولكن بوش طيرها من يده في الخطاب. وباختياره إيران والعراق وكوريا الشمالية باعتبارها دولا راعية للإرهاب تسعى لامتلاك أسلحة الدمار الشامل، فقد جمعها بوش ووضعها في محور الشر ووجه الإنذار التالي: لن أقف بانتظار وقوع الأحداث، بينما تتعاظم المخاطر.

لن أقف موقف المتفرج، بينما تدنو المخاطر منا أكثر فأكثر. لن تسمح الولايات المتحدة الأميركية لأكثر الأنظمة خطورةً في العالم بتهديدنا بأكثر أسلحة العالم تدميراً. احتفى المحافظون الجدد بهذه النزعة الحربية باعتبارهم أصحاب طابع يذكرنا بتشرشل. غير أن كل ما قام بتحقيقه كان تحطيم الولايات المتحدة والتحالفات الأجنبية التي اتحدت خلف بوش.

كما كتب البعض منا في ذلك الوقت، فإن تسمية إيران والعراق ـ العدوين اللدودين في الحرب التي استغرقت ثماني سنوات في الثمانينات والتي أودت بحياة مليون شخص ـ ب(المحور) كانت أمراً مستهجناً.كان خطاب بوش خطأ من الدرجة الأولى. أولاً لأنه لم يكن يمتلك الصلاحية بالهجوم على أي من هاتين الدولتين، بينما لم يجز الكونغرس الحرب. ثانياً، لم تكن لديه خطط ولا قوات في المكان المناسب لكي يقوم بذلك. ومع ذلك، فقد أخطر الدول الثلاث بما يدور في ذهنه.

وعندما غزت الولايات المتحدة العراق، فهمت كوريا الشمالية وإيران الرسالة. فعملت كلاهما على تسريع برامجهما النووية. وبإصداره إنذارات علنية، لم يترك بوش لهذه الأنظمة مخرجاً. فحتى دولة صربيا الصغيرة شعرت بأن كرامتها الوطنية تقتضي منها القتال بدلاً من الخضوع لإنذار أميركي بالسماح للناتو بدخول البلاد لاحتلال كوسوفو.

الآن كيم يونغ إيل، ورغم أن الاختبار الذي أجراه في 4 يوليو لصاروخ تايبودونغ ـ 2 بدا وكأنه انفجر مثل المفرقعات النارية وقنبلته البلوتونيوم ربما لم تنفجر جيداً، إلا أنه تحدى مذهب بوش علناً. لقد حصل أسوأ الأنظمة في العالم على أسوأ الأسلحة في العالم. ماذا كان رد بوش على ذلك؟ ذهب إلى الأمم المتحدة مطالباً إياها بفرض عقوبات على كوريا الشمالية.

هل ستنجح هذه العقوبات في تحقيق أهدافها؟ ما الذي يجعلها تنجح ؟ وكما ذهب إليه كاتب العمود توني بلانكلي، فإن هذا نظام سمح ـ من أجل ضمان عزلته ونقاء أيديولوجيته ـ بأن يموت الملايين من شعبه جوعاً. إن الأعمال الوحشية التي فرضتها مملكة هيرميت ( كوريا) على نفسها كي تضمن عدم مهاجمة أميركا لها تسبب الذهول.

وهؤلاء ليسوا من النوع الذي يتخلى عن القنبلة الذرية من أجل سيارات بي أم دبليو. بسبب موقف الرئيس بوش المخادع، تجد الولايات المتحدة نفسها اليوم وجهاً لوجه مع إيران وكوريا الشمالية فيما يتعلق ببرامجهما النووية، وأي من هذين النظامين لا يبدو أنه سيتراجع.

هل نسلك الطريق ذاته مجدداً، مثلما كنا في البلقان والعراق، باتجاه حروب أشد وأكثر دموية من ذي قبل؟من المفترض ألا يحدث ذلك، لأسباب أساسية. لا تستطيع لا إيران ولا كوريا الشمالية تحمل حرب شاملة مع الولايات المتحدة، كما أن أياً منهما لم تتجاوز أية خطوط حمراء تستدعي شن مثل هذه الحرب.

ما الذي تريده هذه الدول، وهل بإمكان أميركا أن تستوعبها من دون تعريض أمننا للخطر أو القبول بفقدان المصداقية الاستراتيجية؟

إن ما تريده كوريا الشمالية هو ما منحه الرئيس نكسون للزعيم ماوتسي تونغ في السبعينات. الاعتراف، والضمانات الأمنية، والمعونات، والقبول في المجتمع الدولي، ونهاية للسياسة الأميركية بتغيير النظام.

ما الذي تريده أميركا من كوريا الشمالية؟ عدم إجراء المزيد من الاختبارات النووية، عودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى جميع منشآت كوريا الشمالية النووية، عدم تصدير المواد النووية إلى دول معادية أو لاعبين من غير الدول يمكنهم استخدام الأسلحة النووية كأدوات للإرهاب، أو القتل الجماعي، أو الابتزاز النووي.

لقد فشلت المحادثات السداسية في تحقيق أهدافها. فقد رفضت كوريا الشمالية العروض الأميركية وقاومت مطالب الولايات المتحدة، كما أن كوريا الجنوبية والصين رفضتا استخدام نفوذهما لدعمنا. إذا كانت بكين وسيئول ترغبان بالتفاوض بصورة مستقلة مع بيونغ يانغ، فيتعين علينا أن نفعل ذلك نحن أيضاً.

ينبغي علينا الانخراط في مفاوضات مباشرة مع كوريا الشمالية، محذرين إياها من أن القيام بتصدير أي مواد نووية إلى نظام معادٍ سيعرضها لهجوم من قبل الولايات المتحدة، وإذا تم استخدام أي سلاح نووي، في أي مكان، ضد الأميركيين مصدره كوريا الشمالية، فإن ذلك سيؤدي إلى رد انتقامي نووي هائل.

غير أنه وفي مقابل ضمانات صارمة بأنهم قد فتحوا كل البرامج النووية للتفتيش وتخلوا عن إجراء المزيد من عمليات تطوير الأسلحة النووية، يتعين علينا أن نعرض على الكوريين الشماليين علاقات دبلوماسية، ومساعدات اقتصادية، ومعاهدة أمنية تتوج بانسحاب القوات الأميركية من شبه الجزيرة الكورية.

على الرغم من فظاعة جرائمه، إلا أن نظام كيم لن يضاهي في شروره نظامي جوزيف ستالين و ماو، اللذين كان لديهما ترسانات نووية أكبر مما يمكن لكيم حيازته على الإطلاق، وأميركا لم تذهب إلى الحرب مع أي منهما.وفي غضون ذلك، ضع النزعة الحربية جانباً. فهي لم تحقق شيئاً يذكر لتقدم أمن أميركا.

ترجمة: كوثر علي

عن ( أنتي وور )