يشير المؤلف في هذه الحلقة إلى وجود عولمة أولى غير التي نشهدها حالياً، وكانت قد حملت لواءها الدول الأوروبية في القرن الثاني عشر واستمرت حتى القرن التاسع عشر. ولكنها لم تأخذ شكلها المتطور المرتبط بالتقدم العلمي وثورة المعلومات إلا بعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية وخروج الولايات المتحدة منها منتصرة وفارضة نفسها كقوة عظمى على مستوى العالم.
وعلى الرغم من أن ازدهار المعارف والتقنيات بشكل لا سابق له في التاريخ قد جعل العولمة واقعاً ملموساً في حياة الشعوب والأفراد، إلا أنها بقيت أسطورة من حيث ميلها لتعميم نمط حضاري واحد على جميع شعوب العالم وإلغاء الهويات والخصوصيات الثقافية الوطنية والقومية. مع نهاية الألفية الثانية وبداية الثالثة بدت كلمة «العولمة» أنها قد تكون الأفضل لوصف حقبة تكتمل وأخرى تبدأ. لكن العولمة ليست ظاهرة جديدة تماماً، إذ ان «عولمة أولى» كانت قد أرست أوروبا أسسها عام 1179 عندما قرر مجمع «لاتران» الكنسي منع المسيحيين من التجارة مع العرب وانتهت يوم الخامس من يوليو 1830 مع احتلال فرنسا للجزائر. إن مؤلف هذا الكتاب يعيد أسباب تلك العولمة «الأولى» إلى أثر العلم والتقنيات على وسائل المواصلات والتسلح، مؤكداً أن اختراع المطبعة قد لعب «دون شك» دوراً كبيراً في تسارعها. واستمرت العولمة التنافسية خلال القرن التاسع عشر بينهما انغمست النزعات القومية الأوروبية في تناقضاتها التي «أثمرت» حربين عالميتين عرفهما القرن العشرين». وهكذا كانت السمة الأولى للعولمة في القرن العشرين هي الحرب.
وقد أعطيت تسمية «الحرب الكبرى» للحرب العالمية الأولى 1914 ـ 1918 بينما تم تكريس تسمية «الحرب العالمية الثانية» بالنسبة لحرب 1939 ـ 1945. بعد هذه الحرب «الثانية التي انتهت بسقوط النظام النازي في ألمانيا وقصف مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين بالقنابل الذرية بدأ النقاش حول ضرورة إيجاد نوع من الحكومة العالمية على أسس أكثر واقعية من المبادئ التي كان الرئيس الأميركي ويلسون قد أطلقها بعد الحرب العالمية الأولى، ومن مبادئ عصبة الأمم».. وكانت تلك نقطة الانطلاق التي أدت إلى إنشاء هيئات دولية عامة في مقدمتها منظمة الأمم المتحدة أو هيئات دولية مختصة مثل «صندوق النقد الدولي». استمرت العولمة إذن طيلة القرن العشرين من الزاوية المأساوية للحروب، لكنها توقفت عن أن تكون موازية في الأذهان للتوسع الاستعماري ولتاريخ أوروبا، لاسيما وأن الولايات المتحدة الأميركية بدأت تفرض نفسها باعتبارها القوة الرئيسية في العالم. وكانت أميركا قد كرّست جهوداً استثنائية لتنميتها الاقتصادية بعض خروجها مباشرة من الحرب الأهلية في سنوات السبعينات من القرن التاسع عشر.
وكان الدور الحاسم الذي لعبته عندما دخلت الحرب العالمية الأولى عام 1917 لنصرة أوروبا الممزقة هو أول «برهان» للقوة تخوضه على المسرح الدولي. وفي نفس الفترة استطاع الدولار الأميركي أن يؤكد تفوقه تدريجياً في مواجهة الجنيه الاسترليني ليتكرس بذلك الوزن الاقتصادي الراجح للولايات المتحدة خلال فترة ما بين الحربين العالميتين. لكن لا شك أن أميركا قد غيّرت إلى حد كبير مجرى التاريخ عندما تدخلت عام 1942 في الحرب العالمية الثانية. واعتباراً من تلك اللحظة أصبح «تشرشل» مجرد «بيدق» على رقعة شطرنج روزفلت.. لتكتفي بريطانيا بعد الحرب بأن تكون «المحظية» التي تقيم «علاقات قيادة خاصة» مع الولايات المتحدة الأميركية. واعتباراً من تلك اللحظة أيضاً أصبحت واشنطن هي التي تقوم بـ «تصميم» الاستراتيجية الغربية. واستمرت بلعب نفس الدور طيلة فترة الحرب الباردة، وكذلك بعد انهيار المعسكر الشيوعي.
الطريق الثالث
وكان الدور الأوروبي قد تقلص أكثر فأكثر خلال الربع الثالث من القرن العشرين مع فترة نهاية الاستعمار، حيث تخلت أوروبا الغربية، الاستعمارية سابقاً عن الطموح بفعل أي دور فيما يخص شؤون العالم، ربما باستثناء فرنسا التي «رفعت رأسها مؤقتاً في ظل قيادة الجنرال شارل ديغول. وفي محصلة ذلك السياق «تراجعت العولمة الأوروبية، لكن العولمة الأميركية تقدّمت تدريجياً في مواجهة الكتل الشيوعية».
لكن اعتباراً من مطلع عقد الثمانينات بدأت ترتسم ملامح تطور نحو «طريق ثالث» في المعسكر الشيوعي مع وصول دينغ شياو بينغ إلى قيادة الصين بعد ماوتسي تونغ وقبل سبع سنوات من وصول ميخائيل غورباتشوف إلى السلطة في موسكو. وإذا كان النظام الصيني قد استمر وولج طريق تنمية استثنائية لا تزال مستمرة، فإن النظام السوفييتي لم يكن قابلاً للإصلاح، فانهار.
وفي سنوات الثمانينات أيضاً دارت نقاشات طويلة حول «الصعود القوي» لليابان، و«الجمود» الأوروبي و«الانحدار» الأميركي.. لكن مثل هذه المقولات لم تصمد أمام محك الواقع إذ ظهر في نهاية القرن ان «الاندفاعة اليابانية» قد تباطأت كثيراً بينما أظهرت أميركا قدرة كبيرة على التكيف مع المستجدات، وأعادت بناء القطاع المالي مستخدمة شبكات الإنترنت والتكنولوجيات الحديثة.. وقد كان الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون المستفيد الأكبر من حالة الازدهار طيلة فترتيه الرئاسيتين ما بين عام 1992 وعام 2000.
بل يرى المؤلف ان تلك الحالة كان هي التي جنبته «عار» تنحيته عن الرئاسة أثر فضيحته الشهيرة مع المتدربة في البيت الأبيض «مونيكا لوينسكي» وكانت النتائج التي حققتها أوروبا في موقع متوسط بين «التقهقر» الياباني و«التقدم الأميركي» وكانت الصعوبة الكبيرة التي واجهتها البلدان الأوروبية هي في ميدان إصلاح دولها «ذات الحركة الثقيلة وغير الفعالة» خاصة في الميادين الحساسة «سياسيا» مثل التربية الجماهيرية والحماية الاجتماعية.
ان العولمة، بمعنى التعبير عن تعاظم ظاهرة التداخل في شؤون البشر هي استمرار لتوجه تعود بداياته إلى مطلع الألفية الثانية على الأقل. أما سببها الأكثر عمقا فيحدده مؤلف هذا الكتاب في حاجة البشر إلى الفعل في العالم الذي يحيط بهم وفهم الطبيعة. هكذا سارع القرن العشرون بما شهده من ازدهار المعارف والتقنيات، بشكل لا سابق له في التاريخ في جعل العولمة واقعا ملموسا في حياة الشعوب، والأفراد أيضا.
مع ذلك فإن العولمة وبمقدار ما هي واقع، هي أيضا أسطورة من حيث نزوعها نحو تعميم «نمط» حضاري واحد في العالم وإلغاء الهويات والخصوصيات الوطنية والقومية، أما الترجمة السياسية لتوجه العولمة فقد عبر عنها المؤلف في الجملة التالية: «ربما سيأتي الوقت خلال السنوات أو العقود المقبلة الذي ستقوم فيه مجموعة دولية أفضل تنظيما سائدا هو اليوم.
بحيث تفرض نوعا من الانتداب على المناطق التي تعاني باستمرار من التخلف الاقتصادي أو الرعب أو الحرب الأهلية» أي ما يعبر عنه البعض بنوع من «الاستعمار الجديد» و «تبعية» البلدان المعنية لمركز سلطة خارجي، وهذا هو رهان المستقبل الذي حددت القوى الكبرى الدولية والاقليمية توجهاتها على أساسه في مطلع هذا القرن الحادي والعشرين.
الإرث الأوروبي
لا تزال أوروبا، وهي في مطلع القرن الحادي والعشرين، تعاني من «إرث» إن لم يكن «وزر» الماضي.. ودون الرجوع إلى الحروب الصليبية وما ترتب عليها من نتائج لا تزال آثارها حاضرة حتى الآن في أذهان الكثيرين، فإن التاريخ الاستعماري للقرنين التاسع عشر والعشرين يحكم علاقاتها مع العالم الخارجي إلى هذه الدرجة أو تلك.
ولا يزال هذا التاريخ موضوعا خاضعا للنقاشات الدائرة، يقول مؤلف هذا الكتاب «إن المنحدرين من أجدادنا، الذين كانوا سابقا على قناعة تامة بأنهم قد حملوا الحضارة للبرابرة، يعتبرون أنفسهم اليوم بغالبيتهم مسؤولين عن الآلام التي عانى منها أبناء مستعمراتهم السابقة. وربما أن أوروبيي سنوات 2030 أو 2040 سيقرؤون التاريخ الاستعماري بطريقة مختلفة.. بل وهذا هو المرجح».
وتعاني أوروبا اليوم أيضا من الإرث الشيوعي الفاشي خلال القرن العشرين 10 من بلدان أوروبا الشرقي والوسطى، بما في ذلك الاتحاد السوفييتي السابق، تركز توجهها نحو الحاضر والمستقبل وتحاول نسيان الماضي القريب، ذلك ان مثل هذا النسيان يشكل «ضرورة للبقاء بعد معاناة هائلة» .
أما أوروبا الغربية فهي على العكس تؤكد على واجب «الذكرى» إذ لا نزال نشهد حتى سنوات خلت محاكمات لنازيين سابقين بعد مضي أكثر من نصف قرن على سقوط النظام النازي ويتم التأكيد في هذا السياق على أن «اشكال الرعب التي شهدتها أوروبا خلال القرن العشرين» سوف تضغط بثقلها لمدة طويلة أيضا على الوقائع السياسية للقارة الأوروبية» ثم إن أوروبا هذه التي اعتقدت طويلا بأنها تسيطر على العالم أو على الأقل تقوم «بتنويره» تخلت عمليا في نهايات القرن العشرين عن ممارسة أية مسؤولية على الصعيد العالمي، أي فقدت باختصار «سلطتها».
وها هي تدخل القرن الحادي والعشرين محاول استكمال مسيرتها التوحيدية حيث يضم الاتحاد الأوروبي 25 دولة، وهذا ما يصفه المؤلف بالقول: «يبدو الاتحاد الأوروبي اليوم بمثابة المختبر الأكثر تقدما من أجل بناء وحدات سياسية جديدة في القرن الحادي والعشرين».
لا شك أن الاتحاد الأوروبي صيغة توحيدية فريدة لا سابق لها في التاريخ. وكانت خطوة اتخاذ قرار توحيد العملة مطلع عام 1999 هي إحدى أكثر الخطوات جراءة التي شهدتها السنوات الأخيرة من القرن العشرين.
وكانت «مغامرة» التوحيد الأوروبي قد بدأت حول المصالحة الفرنسية ـ الألمانية بعد الحرب العالمية الثاني ثم قيام المجموعة الأوروبية للفحم والحديد. لكن تبقى مشكلة تعيين حدود أوروبا قائمة، بل «لم يقم أحد بترسيم حدود أوروبا وكان هيرودوت قد عزف عن تحديدها» كما يقول المؤلف ليشير مباشرة إلى أن «الحدود التي قال بها الجغرافيون في القرن التاسع عشر ـ أي التي تصل إلى الاورال والقوقاز والدردنيل ـ إنما هي حدود تعسفية ومعاييرها الثقافية والدينية قابلة للنقاش» .
ولا شك ان مسألة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي تثير إحدى أكثر المشاكل تعقيداً لاسيما ان المؤرخين والجغرافيين قد اتفقوا جميعهم على اعتبار الاناضول في قارة آسيا ثم يضيف البعض أن «الاسلام لم يتم اعتباره أبدا كدين أوروبي رغم بعض البؤر التي تركتها الامبراطورية العثمانية في البوسنة والهرسك وكوسوفو وألبانيا».
إن البناء الأوروبي الموحد هو في طريق التحقق لكن لم يحن الوقت الذي يمكن فيه القول متى وكيف سيكون له سياسة خارجية وسياسية دفاعية موحدتين.. ويتوقع المؤلف أن يتطلب ذلك عدة عقود من الزمن «أو أنه لن يتحقق أبدا» فهذا متعلق بالمسار التطوري الذي سيشهده القرن الحادي والعشرين واحتمالات تغيير وجهة السياق الدولي الراهن، أما أقصى ما هو مأمول فيتم التعبير عنه بالقول: « ان أكثر ما هو مأمول في المستقبل القريب هو أن يلعب الاتحاد الأوروبي دورا مركزياً في الشؤون الأوروبية نفسها وأن يقوم بدور ملطف في الشؤون الخارجية».
ويؤكد المؤلف على أن أكبر التحديات التي ستواجهها السياسة الخارجية الأوروبية خلال السنوات المقبلة، وكما كان الأمر خلال السنوات المنصرمة الأخيرة، تتعلق بدورها في منطقة الشرق الأوسط. وكان الدور الأوروبي في هذه المنطقة الاستراتيجية من العالم قد بدأ في التضاؤل من سنوات الخمسينات في القرن الماضي مع صعود نفوذ الولايات المتحدة الأوروبية، بل اتسم الدور الأوروبي منذ ئذ بالسلبية وعدم الفاعلية و «تقديم المساعدات» فهل ستتوصل إلى تغيير هذا الاتجاه خلال السنوات المقبلة؟
يتساءل المؤلف ثم يشير في معرض اجابته إلى أن دول المنطقة كلها، باستثناء اسرائيل، انضوت تحت لواء نفوذ القوة الأميركية الجبارة بانتظار أن تؤكد أوروبا قوتها سياسياً.
المغامرة السوفييتية
بدأ في مطلع القرن الحادي والعشرين أن مستقبل المنظومة الدولية كلها مرهون إلى حد كبير بمستقبل روسيا، وريثة الاتحاد السوفييتي الذي سوف تستمر النقاشات مدة طويلة أيضا حول «ولادته ومسيرة حياته وموته» ودور الصدفة والضرورة في تلك المغامرة الفريدة التي شهدها القرن العشرين إذ ان الاتحاد السوفييتي استطاع رغم كل ما قيل عن آليات القمع والضغط التي مارسها على مواطنيه أن يبلغ في بعض الميادين ذات العلاقة بالعلم والتسلح نتائج باهرة دفعت للحديث طيلة عقود عن العالم بأنه «ذو استقطاب ثنائي، ووصف الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة بـ «القوتين العظميين».
ويشير المؤلف هنا إلى ان الاتحاد السوفييتي كان «أقل قوة مما كان يعتقد ويقال «وكان قد نجح خاصة في إشاعة وهم تقديم نفسه بصورة القوة التي ستعيد صياغة العالم من جديد بعد الصدمة الرهيبة التي مثلتها الحرب العالمية الأولى 1914 ـ 1918 لكنه كان قد شهد في السنوات الأخيرة من حكم ليونيد بريجينيف والذين جاؤوا بعده مباشرة، خاصة اندروبوف وتشرننكو، حالة من الجمود المريع، هنا يفتح مؤلف الكتاب قوسين ليسأل عما إذا كانت أية عملية لإصلاح النظام السوفييتي مستحيلة؟
وهل كان محكوما على الاتحاد السوفييتي بالتفكك؟ ويؤكد في معرض إجابته مباشرة قوله: «من السهولة التفكير أن ما حصل كان ينبغي أن يحصل.. مع ذلك كان زوال الاتحاد السوفييتي بالصيغة التي جرى فيها قليل الاحتمال جدا، بمقدار ما كان قليل الاحتمال أيضا على العكس ان تسمح مسيرة الإصلاح التي قادها دينغ سياوبنغ للصين بالانتقال خلال بضع سنوات فقط من اشكال الخراب التي سببتها الثورة الثقافية ـ في ظل ماوتسي تونغ ـ إلى الحداثة الاقتصادية».
كان الاستقطاب الثنائي الدولي بين شرق ـ وغرب يبدو راسخاً ولا شيء ينبئ بانبهاره قبل عشرين سنة فقط من نهاية القرن العشرين. وفي نهاية عام 1991 وجه بوريس يلتسين «الضربة القاضية» للاتحاد السوفييتي عندما أقصى نهائياً خصمه ومنافسه على السلطة ميخائيل غورباتشوف. لقد شهدت روسيا في ظل «القيصر الجديد» ولمدة عقد من الزمن تقريباً، إساءة استخدام السلطة وحالة من الاضطراب مثل تلك التي كانت قد عرفتها مراراً في تاريخها، خاصة في نهاية القرن السادس عشر.
ومع تأكيد مؤلف هذا الكتاب، انه لم يكن لدى يلتسين أية بوصلة حقيقية للتوجه، يشير إلى أن الرئيس الأول لروسيا مابعد الشيوعية قد ترك الباب مفتوحاً أمام الديمقراطية واقتصاد السوق على صعيد السياسة الداخلية لبلاده .. وفيما هو أبعد من «الخلط» الذي قام به محللون عديدون عندما تحدثوا فقط عن «الفوضى وسيطرة المافيات». مع ذلك يقول المؤلف: «ترك بوريس يلتسين الدولة السوفييتية تتحلل لكنه لم يعرف كيف يبني أية منظومة بديلة لها مؤسساتها الخاصة بها. لذلك ساد بعده وضع فاسد وغير ثابت الأركان، وغدت الحياة السياسية للبلاد معلقة بمسألة خلافته».
وفي مثل هذه الأجواء دخل فلاديمير بوتين على مسرح السياسة الروسي، ذلك بعد قيام يلتسين بالعديد من التغييرات على رأس الحكومة الروسية كان من بينها إقصاء يفغيني بريماكوف الذي رأى به العالم لفترة من الزمن خليفة محتملاً ليلتسين الذي وقع خياره في النهاية على بوتين الشاب والعنصر السابق في جهاز الاستخبارات السوفييتية كي. جي بي. سرت الشائعات في البداية عن المدة التي سوف يمضيها هذا الوافد الجديد من سان بطرسبورغ على رأس الحكومة في روسيا.
وحيث أظهرت استطلاعات الرأي آنذاك أنه لن يحصل سوى على نسبة 2% من أصوات الناخبين في حالة إجراء انتخابات. لكن الشاب «المجهول» عرف كيف يرفع من أسهم شعبيته عبر زج الجيش الروسي في حرب جديدة ضد الشيشان إثر حملة من التفجيرات شهدتها موسكو في منتصف شهر سبتمبر 1999.
وفي 31 ديسمبر من نفس السنة أعلن بوريس يلتسين عن استقالته من المنصب الرئاسي فاسحاً الطريق أمام الخليفة الذي اختاره وموفراً له أفضل الظروف للفوز كرئيس جديد لروسيا في الدورة الانتخابية الأولى بتاريخ 26 مارس 2000.
ومن الواضح أن «الرئيس الأول» لروسيا مابعد الشيوعية قد أبرم اتفاقاً مع ذلك الذي نصبه «ملكاً» بعده يضمن له ـ ولعائلته ـ عدم التعرض لأية تحقيقات. هكذا تمثل احد الإجراءات الأولى التي اتخذها بوتين «الرئيس الجديد» في إقالة المدعي العام الروسي «يوري سكوراتوف» الذي كان «متحيزا للاهتمام» أكثر مما ينبغي. بيلتسين وزمرته، وهنا يفتح مؤلف هذا الكتاب قوسين ليؤكد انه «من السهل جداً توجيه الشتائم للأبطال التاريخيين واختزال أعمالهم إلى أدنى الحوافز» ثم يطرح فرضية أن يلتسين.
وعلى خلفية إدراكه لمدى إمكانياته ولضرورة تأمين منهج واضح بعده، وجد في بوتين ذلك الرجل المنظم الذي تحتاجه روسيا لنهوضها، وفي الواقع كانت الخطوات الأولى لبوتين في الحكم قد أظهرت إرادته في المحافظة على وحدة «الفيدرالية» الروسية وإعادة بناء الدولة ومتابعة سياسة خارجية ملائمة للنهوض الاقتصادي .. وهذا ما ساعد عليه في المدى القصير ارتفاع أسعار النفط.
زوابع روسيا
استطاع بوتين بعد زوابع السنوات الأخيرة من القرن العشرين أن يكون أول رئيس يعطي لروسيا صورة دولة طبيعية مثل الدول الأخرى .. ويرى المؤلف أنه من الخطأ طرح السؤال عما إذا كان بوتين يطمح لإقامة نظام ديمقراطي أو نظام تسلطي إذا لم يكن شمولياً في بلاده فروسيا كانت محكومة دائما على أساس «الاستبداد الآسيوي» وقد غدت المهمة الأولى بعد انبهار النظام الشيوعي هي إعادة بناء دولة في سياق تصعب فيه إقامة ديمقراطية وكذلك إقامة نظام شمولي. والدولة القائمة حالياً في روسيا تقوم حسب التوصيف المقدم، على شبكة من العلاقات الشخصية أكثر مما هي العلاقات المؤسساتية وحيث لا تحتل الايدولوجيا فيها سوى ساحة ضئيلة جداً.
الأولوية بالنسبة لبوتين كانت إقامة دولة تعمل. وللوصول إلى ذلك سعى إلى تحطيم الشريحة الرأسمالية من الأغنياء الجدد التي تشكلت في ظل حكم يلتسين وأحكم سلطته على قطاعي الطاقة والنقل، ثم عمل على تعبئة جميع الثروات الاقتصادية الروسية عبر سلسلة من الإصلاحات .. وفي محصلة هذا كله أظهرت روسيا قدرة متواضعة للشروع في التنمية الاقتصادية إلى جانب نوع من الاستقرار السياسي في ظل امتلاك بعض الأفراد للسلطة الحقيقية ولا يخضعون لمساءلة أحد.
وعلى صعيد العلاقات الدولية ظلت التباينات عميقة بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، فالأميركيون يتصرفون على أساس أنهم المنتصرون وأنهم «الشعب المختار» لإنهاء «إمبراطورية الشر» حسب التعبير الشهير للرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان. وهم بالتالي يسعون إلى زيادة دائرة نفوذهم إلى الحد الأقصى على حساب المهزومين «ورثة الاتحاد السوفييتي» السابق. وفي مثل ذلك السياق أراد الأميركيون توسيع الحلف الأطلسي كي يصل حتى بلدان البلطيق.
بنفس الوقت عاش الروس نهاية الشراكة الاستراتيجية بين القوتين العظميين السابقتين على أنها بمثابة «إذلال» لهم وفي مثل هذا السياق أيضا أدرك بوتين أنه لم يعد يمتلك الإمكانيات التي تسمح له بمواجهة جورج دبليو بوش رغم لقاءاتهما العديدة لـ «التشاور» في أمور العالم.
لكن هذا لا يمنع واقع أن روسيا لا تزال تمتلك بيدها العديد من «الأوراق الرابحة» الهامة فهي تستطيع أن تستخدم حق النقض ـ الفيتو ـ في إطار مجلس الأمن الدولي، وتستطيع أن تتابع أو تعزز، علاقاتها مع الدول التي تصفها القوة الأميركية العظمى بأنها «دول مارقة» وتستطيع أن تلعب ورقة ترجيح كفة الهند أو الصين في موازين القوى الدولية مستقبلاً.. وهناك أيضا ورقة الطاقة وغيرها.
وإذا كان من غير المشكوك فيه أن الولايات المتحدة الأميركية هي القوة العظمى الوحيدة في عالم اليوم فإنه من الواضح أيضا أن حالة النهوض التي عرفتها آسيا خلال العقود الثلاثة المنصرمة قد أثبتت أن التخلف «ليس قدراً» وأن النهوض ليس احتكاراً بيد الغرب». وهل ينبغي التذكير أن الصين والهند تمثلان، وحدهما ثلث سكان العالم؟
يتساءل مؤلف هذا الكتاب قبل أن يشير إلى الباكستان «القوة النووية» المواجهة للهند، القوة النووية الأخرى التي حظيت بدعم الولايات المتحدة الأميركية الصريح منذ نهاية فترة الحرب الباردة، وحيث يخشى ان يؤدي النزاع بينهما إلى «مجابهة نووية» مما قد يغير من معطيات العلاقات الدولية كلها.
ولاشك أيضاً أن مستقبل القارة الآسيوية أساساً ومستقبل العالم جزئياً على الأقل يتقرران في الصين، كما يتردد في مجمل التحليلات المقدمة في هذا الكتاب. لاسيما وان هذه البلاد تبدو بمثابة النموذج الوحيد الذي قام بعملية «انتقال» ناجحة من الاقتصاد الذي توجهه الدولة إلى اقتصاد السوق.
وغدا من المشروع الحديث عن وجود «مجتمع مدني» في الصين بينما تقوم شرعية الحزب الشيوعي الصيني، الحزب الواحد، اليوم بشكل أساسي على قدرته في متابعة مسيرة التحديث. ولاشك أن هذا يمثل تحدياً كبيراً. ثم إن القادة السياسيين الصينيين أصبحوا أكثر حذراً في تعاملهم مع مظاهر الاحتجاج المختلفة بعد القمع الكبير الذي واجهوا به الطلبة في ساحة تيانانمن عام 1989، وبنفس الوقت أصبح الطلبة الصينيون بعد اطلاعهم أكثر على العالم الخارجي بفضل ثورة المعلوماتية ينظرون إلى الغرب بصورة أكثر «موضوعية» وأقل «مثالية».
يبقى الخطر الرئيسي هو نشوب نزاع مسلح قد تبادر به جمهورية الصين الشعبية من أجل «استرداد» تايوان إلى سيادتها الوطنية يقول المؤلف: «في حالة قيام هذه الحرب، فإن الولايات المتحدة الأميركية لن تبقى على الحياد. وبانتظار ذلك يخشى قيام سباق في التسلح يحمل في طياته بذور عدم الاستقرار هكذا يغدو منظور قيام نزاع بين القوة الأولى في العالم وإمبراطورية الوسط قابلاً للتصور».
وهناك نقطة ساخنة أخرى في شرق آسيا هي كوريا والتهديد بخطر الحرب في هذه المنطقة ليس مستبعداً طالما أن كوريا الشمالية تمتلك السلاح النووي، يقول المؤلف: «في كل الحالات، سوف تخسر كوريا الشمالية بالتأكيد أية حرب محتملة قد تقوم بها لكن ليس دون أن تكيد الخصوم خسائر فادحة».
ويبدو الوضع في السنوات الأخيرة قائماً على توازن هش في شرق آسيا وجنوب شرقها، وما يؤكده المؤلف في المحصلة أنه «في حالة حدوث قطيعة في هذا التوازن، فإن أميركا ستكون مضطرة للتدخل بسرعة وبقوة، ذلك أن الأمر سيتعلق بمكانتها في العالم».
هكذا إذن قد يكون من السذاجة الكبيرة الاعتقاد أن التاريخ قد «انتهى» بعد سقوط الإمبراطورية السوفييتية أو أنه «قارب على الانتهاء».
إضاءة
لاشك أن أميركا قد غيرت إلى حد كبير مجرى التاريخ عندما تدخلت عام 1942 في الحرب العالمية الثانية. واعتباراً من تلك اللحظة أصبح تشرشل مجرد بيدق على رقعة شطرنج روزفيلت. واكتفت بريطانيا بعد الحرب بأن تكون «المحظية» التي تقيم علاقات قيادة خاصة مع الولايات المتحدة الأميركية.
عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف


