يتناول المؤلف في هذه الحلقة أبرز الأحداث التي وقعت في عام 1996 كإعادة انتخاب الرئيس الروسي بوريس يلتسين الذي تلقى دعماً أميركيا وأوروبيا خوفاً من فوز منافسه الذي كان من الممكن أن يرجع عجلة التقدم في روسيا إلى الوراء.

ويعرج أيضاً على التغيرات التي طرأت في تركيا مع فوز حزب الرفاه في الانتخابات وتسلم نجم الدين أربكان زمام الأمور في الحكومة وسط مخاوف من عواقب ذلك التطور على علاقات تركيا بأميركا وحلفائها، الأمر الذي لم يكن له ما يبرره، حسبما تبين فيما بعد.

ويركز المؤلف كذلك على عملية السلام في الشرق الأوسط والنكسات التي منيت بها في أعقاب «حملة عناقيد الغضب» التي شنها شيمون بيريز على جنوب لبنان وسقوطه في الانتخابات التي تلتها في مواجهة خصمه نتانياهو الذي حاول التنصل من كافة الاتفاقيات التي وقعتها حكومته مع السلطة الفلسطينية برعاية دولية.

كان مستقبل التوازن الدولي عامة، وتوازن القارة الأوروبية خاصة، مرهونين إلى حد كبير بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ومنظومته بمسار التطور الذي ستعرفه روسيا. من هنا جاءت الأهمية الكبيرة للانتخابات الرئاسية الروسية عام 1996، وكانت تلك هي المرة الأولى التي يتم فيها انتخاب رئيس الدولة الروسية بالاقتراع العام المباشر في فترة مابعد الشيوعية .

ويشير مؤلف هذا الكتاب هنا إلى أن القليل من المعلقين قد انتبهوا إلى أن الدستور الذي أعده بوريس يلتسين وجرى تبنيه عام 1993 يعطي صلاحيات واسعة جداً لرئيس الدولة وبحيث أن من يتحمل هذه المسؤولية يستطيع إذا لاءمت الظروف إعادة إرساء الدكتاتورية بـ «أكثر الصيغ قانونية في العالم».

لقد جرت الانتخابات الرئاسية الروسية في موعدها المحدد، الأمر الذي عبرت عنه السيدة هيلين كارير دانكوس، الأخصائية الفرنسية ذات الشهرة العالمية بالشؤون السوفييتية ثم الروسية والتي كانت أول من تنبأ بسقوط الاتحاد السوفييتي منذ سنوات السبعينات بالقول:

«لقد أصبحت روسيا بلدًا مثل غيره من البلدان» وكان الغرب قد أعلن عن ابتهاجه بفوز بوريس يلتسين في تلك الانتخابات بل وكان قد ساهم مالياً في ذلك. وكان صندوق النقد الدولي قد منح روسيا في مطلع تلك السنة 1996، قرضاً قيمته 2,10 مليارات دولار على ثلاث سنوات، أي أكبر قرض تمت الموافقة عليه حتى آنذاك باستثناء المساعدة التي جرى تقديمها للمكسيك عام 1995.

لقد طمأن انتخاب بوريس يلتسين الغرب. لكن هل كان ذلك انتصاراً للديمقراطية؟ يتساءل مؤلف هذا الكتاب ثم يشير في معرض إجابته إلى أن شعبية يلتسين كانت في غاية التدني خلال مطلع السنة نفسها، ذلك أن البلاد عرفت في ظل قيادته حالة متقدمة من الفوضى شبه المعممة، إذ أن حفنة من الأفراد جمعوا ثروات فاحشة عبر توظيفهم «عمليات الخصخصة الأكثر عشوائية في التاريخ» لصالحهم الشخصي .

وكذلك عبر مضاربات لا مثيل لها في الالتواء بنفس الوقت بقيت الأحوال المعاشية لأغلبية الروس متردية وبائسة، بل ازدادت تردياً وبؤساً، والقوة العظمى السابقة تدنت إلى دولة من المرتبة الثالثة خاصة بعد تورطها «الأحمق» في المأساة الشيشانية.

ولم يضع فوز بوريس يلتسين في الانتخابات الرئاسية حداً للصراع على السلطة في موسكو في ظل الإحساس العام أن الرئيس يمكنه أن «يرحل» في أية لحظة نظراً لصحته المعتلة، وقد توجهت الأنظار آنذاك إلى رجلين هما فكتور تشيرنوميردين والجنرال الكسندر ليبيد.

كان الأول رئيساً للوزراء فضلاً عن سيطرته على شركة «غازبروم» ذات الموارد المالية الهائلة. وكان دستور عام 1993 في روسيا يحدده كرئيس في حالة «غياب الرئيس أو عجزه عن ممارسة مهام منصبه» وكان الثاني الجنرال ليبيد أحد أكثر الشخصيات الروسية شعبية.

شهر العسل

على صعيد السياسة الخارجية بدأ أن «شهر العسل» في العلاقات بين الشرق والغرب قد انتهى، لاسيما بعد أن قام يلتسين بعزل وزير خارجيته «اندريه كوزيريف» وعين بدلاً منه يفغيني بريماكوف، رئيس أجهزة الاستخبارات السوفييتية خلال سنوات 1991 ـ 1996، الشيوعي السابق؟ كما عمّقت موسكو بالوقت نفسه «تعاونها النووي» مع طهران وأعلنت استئناف بناء مفاعل ذري في كوبا، ولم يتردد يلتسين، أثناء زيارة قام بها إلى الصين خلال شهر أبريل من عام 1996.

في تحدي أميركا، التي كانت بصدد تعزيز تعاونها الأمني مع اليابان، عندما تحدث عن (شراكة استراتيجية للقرن الحادي والعشرين)بين روسيا والصين، بل وأعلن عن إقامة «خط هاتفي أحمر» بين موسكو وبكين. وأكد يلتسين أيضاً تأييده لسياسة الصين حيال تايوان وحيال التيبت.

لكن هنا أيضاً، وفيما هو وراء الإعلانات والتصريحات، استمر الصراع الروسي ـ الصيني على النفوذ في جمهوريات آسيا الوسطى الجديدة من أجل تأمين السيطرة على النفط والغاز.

ولا شك أن الرئيس الروسي كان يفعل ذلك كله على خلفية قناعته أنه يقوم بخدمة بلاده. ويقترب من الرأي العام الحساس أكثر فأكثر لاستيقاظ المشاعر القومية والذي كان حذره يتزايد حيال الغربيين. لكن كان يمكنه لذلك كله أن يؤدي إلى توترات جديدة في العلاقات الروسية ـ الأميركية، وكذلك في العلاقات الأوروبية ـ الأميركية على خلفية التباين في وجهات النظر وفي المصالح.

كانت أوروبا خلال ذلك مشغولة بمشاريع تعزيز مسيرتها التوحيدية وتوسيع إطار الاتحاد الأوروبي، لكن عينها كانت أيضاً على التطورات المهمة التي تجري عند «خاصرتها» الجنوبية، وخاصة في الشرق الأوسط.. كانت إسرائيل تقوم آنذاك بعمليتها المعروفة باسم «عناقيد الغضب» ضد جنوب لبنان والتي انطلقت في شهر أبريل من عام 1996.

ويشير المؤلف هنا إلى أن شيمون بيريز رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك كان قد اعتقد بأن قمة شرم الشيخ «ضد الإرهاب قد أعطته الضوء الأخضر» للقيام بتلك الحملة والتي كان هدفها الرئيسي هو سوريا، كما يحدد القول. أمّا الدرس الرئيسي الذي يخرج به منها فيحدده في قوله: «إذا كان هناك درس ينبغي استخراجه منها، أي حملة «عناقيد الغضب» ـ فإنه يتمثل في تأييد حقيقة أبدية هي أنه ليس هناك أبداً حل عسكري صرف لمشكلات سياسية معقّدة».

وكانت إسرائيل قد اجتاحت جنوب لبنان عام 1978 من دون أن تأبه لإدانتها من قبل مجلس الأمن الدولي في قراره رقم 425 الصادر يوم 19 مارس 1979. وبعد ثمانية عشر عاماً بقي الاحتفاظ ب«منطقة أمنية» عملاً غير شرعي.

أما حزب الله الذي برز على مسرح الأحداث بعد الاجتياح الإسرائيلي المأساوي للبنان خلال يونيو من عام 1982، فإنه قدم نفسه باعتباره عنصر المقاومة الرئيسي للنضال ضد الاحتلال. ويشير المؤلف هنا أيضاً إلى ترسخ موقف حزب الله بفضل الخدمات الحقيقية التي قدمها للسكان في مناطق تواجده. وهكذا تحوّل شيئاً فشيئاً إلى قوة سياسية حقيقية كي يحصل في الانتخابات التشريعية اللبنانية لعام 1992 على ثمانية مقاعد في البرلمان.

ويحدد المؤلف في هذا السياق قوله: «إن المقارنة التي تعقد غالباً بين وجود القوات السورية والاحتلال الإسرائيلي ليست مقارنة بليغة». ذلك أن القوات السورية قد دخلت إلى لبنان عام 1976 بطلب من المسيحيين ل«سد فراع استراتيجي».

هكذا ومهما اختلفت تقييمات الوجود السوري من قبل اللبنانيين فإن «شرعيته لا شك فيها». ثم أن معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق التي وقعها الرئيسان السوري حافظ الأسد واللبناني الياس الهراوي بتاريخ 22 مايو 1991، أقامت علاقات وثيقة بين البلدين في الميادين السياسية والاقتصادية والثقافية والأمنية. هكذا «كانت العلاقات التي أقيمت بتلك الطريقة غير متكافئة إلى حد كبير لكنها لم تكن أبداً علاقات غير شرعية».

إغراء انتخابي

ويقول المؤلف في السياق نفسه: «إن المنطقة الحدودية بين لبنان وإسرائيل لن تعرف في الواقع، سلاماً دائماً طالما أن الدولة العبرية لن تطبق القرار 425، أي إذا لم تسحب قواتها إلى أراضيها».

ثم يشير إلى أن شيمون بيريز، رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، ربما كان على قناعة تامة بذلك؟ ولكن «بنفخه على الجمر، مشيراً بذلك نزوحاً جديداً للمواطنين اللبنانيين، فإن خليفة إسحاق رابين الذي اغتيل في 4 نوفمبر 1995، لم يستطع مقاومة إغراء عملية انتخابية كان يعتقد أنها مربحة».

وكانت عملية الاجتياح الإسرائيلي، وكانت أيضاً مذبحة قانا، الرهيبة التي «لم تكن أقل إثارة للرعب والإدانة من عمليات القصف التي أدمت سوق سراييفو القديم وأثارت غضب الرأي العام العالمي».

حسب تعبير مؤلف هذا الكتاب ثم يضيفه: «إن عملية عناقيد الغضب لم تؤدِ في نهاية المطاف سوى إلى تعزيز مكانة حزب الله والتذكير بالدور المركزي الذي تلعبه سوريا وإذلال الولايات المتحدة الأميركية. كما أنها أعطت الفرصة لفرنسا كي تستعيد موطئ قدم لها على مسرح الشرق الأوسط.. أما شيمون بيريز فقد تكبّد هزيمة كبيرة في انتخابات 29 مايو عام 1996».

بالمقابل كان الفوز الانتخابي الذي حققه بنيامين نتانياهو، مرشح حزب الليكود اليميني هو تعبير عن أن نسبة مهمة من الإسرائيليين لم تكن مؤيدة لمسيرة السلام التي كان قد بدأها إسحاق رابين ثم سار شيمون بيريز على خطاه بعد اغتياله. ولم يتردد رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد نتانياهو في أن يدغدغ أحلام مؤيديه بوعود تحقيق «إسرائيل الكبرى».

وقد نقض ضمنياً المبدأ القائل بمبادلة الأراضي مقابل السلام الذي اقترحته اتفاقيات أوسلو كما تضمنه قرارا الأمم المتحدة رقم 242 و338. وكان ذلك يعني بوضوح أن نتنياهو يرفض رفضاً قاطعاً إعادة الجولان المحتل إلى سوريا. على العكس أعلن عن نيته في زيادة عدد المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية وقطاع غزة..

وأوقف انسحاب الجيش الإسرائيلي، المقرر سابقاً، من عدد من المناطق الفلسطينية. وفي مواجهة مثل ذلك الوضع، وجد الرئيس الأميركي بيل كلينتون نفسه مكتوف اليدين بسبب أهمية اللوبي اليهودي في الحملات الانتخابية الأميركية.. وكان لا بد من انتظار مطلع عام 1997 كي تأخذ واشنطن المبادرة جدياً، يقول المؤلف.

فهل عنى ذلك أن مسيرة السلام التي بدأت في أوسلو في 1993 قد انتكست؟ بكل الحالات ظلت صورة مناحيم بيغن وهو يستقبل الرئيس المصري الراحل أنور السادات في القدس محفورة في الذاكرات. ويشير المؤلف هنا إلى أن الحكومتين الأميركية والإسرائيلية قد خلطتا لفترة طويلة بين أمن إسرائيل ومكافحة الإرهاب.

هكذا أعلن الرئيس كلينتون أثناء قمة شرم الشيخ، التي لم تحضرها سوريا أن الهدف الرئيسي هو إقامة تحالف ضد إيران باعتبارها «دماغ الإرهاب الدولي»، بنفس الوقت ألقى نتانياهو اللوم على سوريا خاصة وحث الأميركيين على أن يوسعوا من إطار سياسة الاحتواء المزدوج حيال إيران والعراق لكي تشمل دمشق أيضاً.

لكن الطرفين الأميركي والإسرائيلي أهملا واقع «إن الارهاب هو نتيجة لحالة الانسداد بمقدار ما هو سبب لها»، هكذا جاءت تفجيرات 25 يونيو 1996 ضد القاعدة العسكرية الأميركية في «الخبر» بالمملكة العربية السعودية كي تبرز مدى البغض الذي تواجهه الولايات المتحدة في المنطقة بسبب تماثل مواقفها الكامل مع المواقف الإسرائيلية، ولكن أيضاً «وهذه ظاهرة مغلقة جداً» يقول المؤلف الإحساس بالضغط الذي يمثله الوجود الأميركي منذ عقود في منطقة الخليج.

قبل وصول بنيامين نتانياهو إلى السلطة إثر انتخابات 29 مايو 1996 في إسرائيل، كانت مسيرة «أوسلو» تعتمد على الإرادة السياسية لرجلين هما ياسر عرفات وشيمون بيريز، إذ بدا أن مصيرهما «مرتبط» إلى هذه الدرجة أو تلك، أما نتانياهو فلم يكن يولي أهمية كبيرة لتلك المسيرة وإنما اقترب أكثر فأكثر من اليمين المتشدد، مما كان له رد فعله لدى الفلسطينيين.

وكانت المواقف المعلنة لرئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد قد أثارت الوجوم في العالم العربي الذي كانت قد هزّته أصلاً اتفاقية التعاون العسكري التي جرى توقيعها في فبراير 1996 بين إسرائيل وتركيا. ويشير المؤلف هنا إلى «التباين العميق» بين القادة العرب الذين أيّدوا بدرجات متفاوتة، اتفاقيات أوسلو وبين الجماهير التي تقبلها أبداً لأنها كانت تجدها ظالمة، وكان ذلك التباين مرشحاً للتعاظم أمام التشدد الذي أبدته الحكومة الإسرائيلية بزعامة نتانياهو.

بدأت ترتسم ملامح نوع من توحيد الموقف العربي في مواجهة التشدد الإسرائيلي، هكذا أبدى المشاركون في قمة القاهرة ما بين 21 و23 يونيو 1996 تأييدهم وتأكيدهم من جديد لمسيرة السلام القائم على احترام المبادئ التي جرى تبنيها في مدريد عام 1991، ثم في اتفاقيات أوسلو أي الانسحاب الاسرائيلي من الأراضي المحتلة، بما في ذلك من الجولان وجنوب لبنان، وحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وانتهز الرؤساء والملوك العرب فرصة ذلك اللقاء الذي دعا له الرئيس المصري حسني مبارك، كي يطلبوا من المجموعة الدولية القيام بضغوط على إسرائيل.

أكدت سوريا في تلك الأثناء دورها الإقليمي وشرعت في حملة دبلوماسية ترمي إلى إقامة تحالف ضد الاتفاقية الإسرائيلية ـ التركية، إلى جانب سعيها لتعزيز العلاقات بين إيران وبعض الحكومات العربية المقربة من الغرب وعلى رأسها مصر.

كانت محاولة إعادة دمج إيران في «الجوقة العربية» ترمي إلى مواجهة السياسة الأميركية التي كانت تواجه بعض التردد أيضاً من قبل الاتحاد الأوروبي وروسيا، بكل الحالات، كان تعزيز أواصر التقارب بين دمشق وطهران ذا عواقب صامتة جداً على الصعيد الإقليمي.

ويرى مؤلف هذا الكتاب أن تشدد الموقف الإسرائيلي في ظل حكومة نتانياهو لم يكن بعيداً عن تنامي قوة الحركات الإسلامية المتطرفة، وفي ذلك السياق عرفت الجزائر موجة من العنف الذي أودى بحياة الآلاف من الناس، مما دفع الغرب، حسب التحليلات المقدّمة إلى تقديم دعم كبير للحكومة الجزائرية آنذاك تمثّل خاصة في إعادة جدولة الديون الخارجية التي زادت على 20 مليار دولار خلال عامي 1994 و1995.

كذلك تمّ تقديم مبلغ 5 مليارات دولار لها تحت عناوين مختلفة، وكانت المحصلة هي استئناف النهوض الاقتصادي، حيث ارتقب صندوق النقد الدلي أن تحقق الجزائر نمواً اقتصادياً بمعدل 2,3% خلال عام 1996.

الحالة التركية

ويفتح المؤلف قوسين هنا لدراسة الحالة التركية، حيث كان حزب الرفاه الإسلامي قد حقق انتصاراً مهماً في الانتخابات التشريعية يوم 24 ديسمبر 1995، وإنما بنسبة 21% فقط من الأصوات، وبعد تسعة أشهر من التشوش السياسي في تركيا تولى نجم الدين اربكان رئاسة الحكومة التي انتهجت خطاً معتدلاً ومنفتحاً على القوى السياسية الأخرى، مما عبّر عنه مؤلف هذا الكتاب بقوله:

«دلّت التجربة في هذه البلاد على أن الإسلام السياسي ليس مرادفاً بالضرورة للانقلاب الجذري الراديكالي، ثم يشير إلى تمايز نهجه في تركيا عن بقية الدول المجاورة وإلى ما ذهب إليه العديد من المراقبين عندما قالوا إن نجاح الأحزاب الإسلامية التركية يعود جزئياً إلى حالة «الاغتراب السياسي» التي فرضتها الكمالية، أي النهج الذي أرسى مصطفى كمال أتاتورك أسسه، هكذا يتعلق الأمر إذن ب«ظاهرة اجتماعية» إلى حد كبير.

وهكذا أيضاً لم يخش تورغوت اوزال رئيس الدولة الذي كان واعياً لذلك، من تشجيع صعود حزب الرفاه بقصد إعادة مصالحة تركيا مع «ماضيها العثماني» حسب تعبير المؤلف.

ولم تتخذ حكومة أربكان بعد عامين من وجودها في السلطة أية إجراءات من أجل «تنقية» الحياة العامة مثل إغلاق النوادي الليلية والحانات، وحيث أظهر رئيس الحكومة نفسه اعتداله وهو الذي كان قد انخرط منذ سنوات طويلة في معترك السياسة وتبوأ مناصب حكومية ثلاث مرات، وكان الجيش التركي ـ حامي الدولة الكمالية ـ قد قبل وجوده على رأس الحكومة، مقابل بعض الضمانات التي مثّلها تأكيده على احترام علمانية الدولة.

وكذلك احترام الاتفاقيات والمعاهدات الدولية المبرمة سابقاً. وكان من بين التنازلات الأساسية التي قبل بها حزب الرفاه تخليه عن الحقائب الوزارية الأساسية، أي الخارجية والدفاع والداخلية والتربية ـ هذه الوزارة ترمز في تركيا إلى العلمانية الجمهورية.

ولم تعرف تركيا أيضاً قبولاً كبيراً في ميدان السياسة الخارجية أثناء فترة حكومة نجم الدين اربكان، إذ كان ينبغي عليها احترام التزاماتها حيال الحلف الأطلسي، لاسيما في ظل الوصاية التي كان الجيش يمارسها في هذا المجال، بل وتم التوقف تماماً عن ذكر تعبير «الحلف الأطلسي الإسلامي» الذي كان موجوداً في برنامج حزب الرفاه.

كذلك لم يتم الرجوع عن اتفاقية التعاون العسكري التركية ـ الإسرائيلية، لكن لا شك أن تطبيقها عرف درجة أدنى بكثير من الحماسة، ثم وعلى الرغم من خطاب حزب الرفاه «حول «التضامن الإسلامي» فإنه لم يبد في الأفق أي توجه للقيام بتقارب محسوس بين أنقرة وطهران.

ولا يرى مؤلف هذا الكتاب أن حكومة نجم الدين اربكان كانت تنوي اللجوء إلى أي تغيير جوهري فيما يخص الآليات الاقتصادية التي تحكم الاقتصاد التركي، ولم تكن تريد أبداً التشكيك بالليبرالية والخصخصة.

بالمقابل، كانت حكومة نجم الدين اربكان تواجه العديد من الاسئلة الخاصة بالعلاقة مع الجيش ومع قواعد حزبه المناهضة بقوة لأي تقارب مع الغرب، وقد أبدى زعيم حزب الرفاه حسا عمليا براغماتيا كبيرا حيال هذه الأسئلة وغيرها. وعرف كيف يقود الائتلاف الحكومي بعيدا عن الفوضى الاقتصادية والسياسية التي توقعها العديد من المراقبين..

وأن يقدم وهذا ما يعتبره المؤلف من أهم منجزات تجربته في الحكم، صورة أخرى لظاهرة يراد تقديمها عامة بأنها «وحيدة النمط وانها في أصل العنف في منطقة الشرق الأوسط الحساسة والتي تعتريها «تقلصات حادة» تنبيء بشتى الاحتمالات.

مستقبل الشرق الأوسط

وفي نظرة عامة إلى هذه المنطقة آنذاك يرى المؤلف ان «مستقبل الشرق الشرق الأوسط يرتبط بقدرة شعوبه على المصالحة فيما بينها وعلى تنظيم نفسها» وكان المراقبون قد أشاروا بعد وصول بنيامين نتانياهو إلى السلطة في إسرائيل إلى أن هذا الأخير سوف ينتهج أحد سبيلين «متطرفين» فإما أنه سوف ينسف مسيرة السلام التي بدأت في مدريد عام 1991 ثم استؤنفت بقوة إثر اتفاقيات اوسلو 1993 مع ما يحمله ذلك من أفق نشوب حرب اسرائيلية ـ عربية جديدة.

أو أنه قد يقوم بمنعطف حاسم مثل تلك التي يزخر بها التاريخ الإنساني ـ لكن سرعان ما تكشفت الصورة وبدا ان السبيل الأول هو الفرضية الأكثر اقترابا من الواقع مما هو سبيل الآخر، السلمي يقول المؤلف: « ان ضربات المعاول الأولى من أجل إنشاء مستعمرة حار حوما«جبل أبو غنيم » بالقرب من القدس، حرفت مسيرة أوسلو عن طريقها».

ويرى المؤلف ان انسداد طريق مسيرة السلام لم تكن تعود آنذاك إلى شخصية بنيامين نتانياهو فحسب، وإنما كان المجتمع الإسرائيلي نفسه ليس مستعداً للذهاب في منطق السلام إلى نهايته.

وكان في حالة تشوش كبير وساد الاعتقاد آنذاك ان الفلسطينيين قد قدموا أقصى ما يستطيعون من التنازلات، وان السلطة الفلسطينية قد أصبحت في وضع هش الأمر الذي يزيد بالإضافة إلى فشل مفاوضات السلام من احتمال قيام انتفاضة جديدة وبعد زمن الأمل حل زمن الخوف واجواء عدم الثقة المتبادلة وعلى الرغم من نوع التعقل المتبادل على الأرض، كان يمكن للوضع ان يتفجر بأية لحظة.

وكانت المفاوضات الإسرائيلية ـ السورية حول هضبة الجولان قد وصلت إلى «النقطة الميتة» بعد أن كان الطرفان على وشك توقيع اتفاق عام 1995 وبدأ التهديد بنشوب حرب إقليمية جديا في مثل ذلك السياق من الاحتقان لكن لم يكن العرب يمتلكون امكانيات الدخول بحرب ضد إسرائيل. ولم يكن الإسرائيليون على استعداد للدخول في مغامرة جديدة وغير محسوبة النتائج.

ويفتح المؤلف قوسين في ذلك السياق ليؤكد على أن الوصول إلى سلام حقيقي في لبنان مرتبط بالواقع الإقليمي لاسيما فيما يتعلق بالوصول إلى اتفاقية تنهي حالة النزاع بين سوريا وإسرائيل وبقيام دولة فلسطينية، وهكذا كانت أغلبية اللبنانيين ترى آنذاك في الوجود السوري «أقل الشرور» فالسياسة هي «فن الممكن».

كما كان الكثير من اللبنانيين يخشون ان يؤدي التشدد الإسرائيلي والرفض الأميركي للقيام بأي ضغط على الدولة العبرية إلى تشجيع صعود الحركات المتطرفة، مثلما يجري في جميع الأمكنة والأزمنة. وتتم الإشارة هنا أيضا إلى رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري الذي رأى آنذاك ان حالة الـ «لا حرب ولا سلم» قد تستمر سنوات طويلة ولذلك من المفيد استثمار ذلك الوقت لتطوير الاقتصاد».

وكان السؤال الكبير هو حول «سلبية» الولايات المتحدة الأميركية التي أصبح من الشائع القول انها غدت القوة العظمى الوحيدة في العالم، وحيث كان الفارق العلمي والتكنولوجي يتوسع أكثر فأكثر بين أميركا وبقية بلدان العالم خلال عقد التسعينات، لكن هذا لم يمنع شخصية مثل جيمس شلزنجر، الذي عمل مديرا لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ثم وزيرا للدفاع وبعدها وزيراً للطاقة من أن يشجب كما ينقل عنه مؤلف هذا الكتاب: «سياسة خارجية لحكومة بجماعات الضغط ـ اللوبي ـ التي يتحدد نفوذها تبعا لقدرتها في تمويل الحملات الانتخابية».

«ان المثال الصارخ على هذا يتمثل في الموقف من النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني» يحدد المؤلف قوله مع اشارته إلى أن هذه المسألة غدت ثانوية نسبياً من وجهة نظر الاستراتيجية الأميركية نتيجة لزوال الاتحاد السوفييتي وبالتالي لخطر التصعيد النووي التي كان ملازما للمواجهة بين إسرائيل والبلدان العربية «هذه البلدان لم تكن تمتلك واقعيا ما تستطيع أن تواجه به إسرائيل، يشير تيري دومونبريال ثم يتساءل:

« لكن هل من الطبيعي ان يكون تأثير بنيامين نتانياهو على بيل كلينتون أكبر مما هو تأثير هذا الأخير على السياسة الإسرائيلية؟ وكيف يمكن للدولة العبرية ان تتابع سياسة بناء المستعمرات مخالفة بذلك تماما حقوق الانسان وحيث يمكن ان توجه المحكمة الجنائية الدولية إدانة ـ نظرية بالتأكيد ـ لقادتها؟

ان السياسة الأميركية في الشرق الأوسط أصبحت محكومة أكثر من أي يوم مضى باعتبارات أميركية داخلية، بعد التغير الذي شهده التوازن الاستراتيجي مع سقوط الاتحاد السوفييتي ومنظومته. قول المؤلف: يعتبر الرئيس بيل كلينتون هو الأكثر تبعية بين جميع الرؤساء الأميركيين لدعم اللوبي اليهودي». كان ذلك في الأمس القريب، لكنه الأمس الذي أسس لما بعده.

عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف