ينطلق المؤلف في متابعة سريعة لرصد الأحداث الأكثر أهمية التي ساهمت في إرساء الأعمدة الحاملة للتوازنات التي يرى أنها ستفرض نفسها عالمياً في العقود المقبلة ويتوقف طويلاً عند حرب الخليج الأولى، ويحلل الكيفية التي تمت بها ترجمة نتائج هذه الحرب في المنطقة، ويلقي نظرة فاحصة على ملامح النظام الدولي الجديد.

كان عام 1991 غنياً بالأحداث الجسام، فمنطقة الخلية عرفت حرباً كبيرة، والاتحاد السوفييتي (السابق) غدا مرتعاً للفوضى، ويوغسلافيا شهدت بدايات تمزقها، هذه الأحداث ذات الأهمية الكونية كان لها مصدر واحد يحدده مؤلف هذا الكتاب بالتحوّل الذي عرضته المنظومة الدولية بسبب تأرجح الامبراطورية السوفييتية. ان انتباه الكبار مشدوداً إلى ما يجري في القارة الأوروبية «القديمة»، ولذلك لم يولوا الأزمة التي كانت تتفاقم منذ أشهر عدة بين العراق والكويت الأهمية التي تستحقها، هذا لم يمنع العالم من أن يصاب بالدهشة، عندما عرف أن قوات صدام حسين قد اجتاحت الكويت في الثاني من أغسطس 1990. ويميّز مؤلف هذا الكتاب في تحليلاته بين الأسباب العميقة والأسباب المباشرة لتلك الحرب،

ويبدأ بالقول إن الحدود في منطقة الشرق الأوسط، كما هي الحال في أوروبا أيضاً، قد نتجت بصورة مباشرة، إلى هذا الحد أو ذاك عن الحرب العالمية الأولى، وبعد الإشارة إلى الواقع «المصطنع» لقيام دول في أوروبا مثل تشيكوسلوفاكيا وأكثر منها يوغسلافيا، مما رسم خارطة سياسية لم تؤخذ فيها آراء الشعوب بالحسبان، يتم التأكيد على أن اتفاقيات «سايكس بيكو» المبرمة عام 1916 كانت ذات طبيعة استعمارية،

هكذا لم يقبل فعلياً أي من الرؤساء الذين تعاقبوا على رأس العراق من الاستقلال عام 1932 وجود الكويت المستقلة بما تحتويه من ثروات نفطية، وكان عبد الكريم قاسم الذي حكم العراق ما بين عامي 1958 و1963 قد أراد اجتياح الكويت عند إعلان استقلالها عام 1961، لكنه تم ردعه عن عمل ذلك.

ومع تعاظم أهمية الاقتصاد النفطي زادت أيضاً حدة المنافسات والاطماع الإقليمية وخاصة بين إيران والعراق، على خلفية هذه المنافسات قامت الحرب العراقية ـ الإيرانية عند سقوط نظام الشاه في إيران، واستمرت طيلة ثماني سنوات مع قبول طهران أخيراً لوقف إطلاق النار، ليخرج العراق تدريجياً بصورة «المنتصر» بينما بدت النتيجة في البداية أنها كانت حرب لا غالب ولا مغلوب، وأخذ النظام العراقي بزيادة تسليح جيشه أمام أنظار القادة السوفييت والغربيين، الذين لم يفعلوا شيئاً حيال ذلك، رغم إثارة ذلك الموضوع من قبل العديد من المراقبين.

حسابات الحقل والبيدر

كانت تلك هي الأسباب العميقة التي يقدمها المؤلف لنشوب حرب الخليج عام 1991، أما الأسباب المباشرة فيحددها في الخلاف على تثبيت أسعار النفط وإلى سعي نظام صدام حسين إلى إعادة ترسيم الحدود فيما يخص حقل الرميلة البترولي وتخلي الكويت عن ديونها على العراق التي بلغت 15 مليار دولار أثناء الحرب العراقية ـ الإيرانية. رفضت القيادة الكويتية جل المطالب العراقية.

ويؤكد المؤلف أن الوهن الذي كان قد أصاب الاتحاد السوفييتي وبداية تباشير الثورة في أوروبا الشرقية، قد أوجدا سياقاً رأى فيه صدام حسين أن اللحظة مناسبة كي يحقق الطموح الكبير المتمثل في الوصول إلى ثروات الخليج النفطية. وهنا يطرح المؤلف التساؤل الثاني: هل كان صدام حسين يفكر في تلك اللحظة في البقاء في الكويت أو ربما في الاندفاع أكثر وصولاً إلى السعودية؟ ويجيب بالقول: هناك فرضية لا تقل قابلية للتصديق، وهي أنه ربما كان مستعداً آنذاك للتفاوض حتى الانسحاب مقابل تعديلات حدودية، تتضمن الحصول على منفذ دائم إلى البحر واقتسام جديد للنفط إلى جانب تخلي الكويت عن ديونها المترتبة على العراق.

وهذا ربما كان قابلاً للتحقق لو أن الولايات المتحدة تركت «الحل العربي» يأخذ مجراه والذي كان موضوعاً لمفاوضات خلال الأيام التي أعقبت الغزو. ويشير المؤلف إلى أن صدام حسين قد أقام حساباته من دون أن يأخذ باعتباره رد فعل الرئيس الأميركي بوش الأب وتصميمه على أن تبقى الأمور على ما هي عليه في المنطقة واستبعاد أية فكرة لإمكانية البحث في اتفاقيات جديدة.

وكان ذلك الموقف الحازم للرئيس الأميركي يتعارض في الواقع مع حالة الإهمال التي أظهرتها إدارته خلال الأسابيع السابقة لغزو الكويت، بل وأشار بعض المراقبين إلى أن واشنطن قد نصبت فخاً لصدام حسين من أجل القضاء عليه وهذا ما يعلق عليه المؤلف بالقول: تبدو قابلية تصديق هذه الفرضية محدودة، لكن بالمقابل، يمكن التفكير بأن الرئيس الأميركي قد فهم بسرعة البصر التي يتحلى بها القادة الكبار الفائدة التي يمكن أن يجنيها من الوضع.

كانت فكرته بارعة، لكنها كانت صعبة التنفيذ، إذ تطلب إيجاد تحالف دولي ضد صدام حسين تحت لافتة منظمة الأمم المتحدة والحصول على تأييد دول المنطقة وحشد إمكانيات عسكرية فيها بحيث تكون الحرب إذا قامت، في حالة عدم تراجع صدام حسين، قصيرة المدة وغير باهظة الثمن على صعيد الخسائر البشرية، وكان ينبغي قبل كل شيء الحصول على تأييد الرأي العام الأميركي.

لقد استطاع بوش الأب أن يحصل على غاياته بواسطة حنكة سياسية فائقة، فميخائيل غورباتشوف الذي كان يواجه مشاكل كبيرة في بلاده انضوى تحت لواء صوت المجموعة الدولية والصين استفادت من الوضع كي تقدم لنفسها صورة غير تلك التي كان ينظر بها إليها العالم الخارجي اثر أحداث القمع الدامية التي مارستها سلطاتها ضد مظاهرات الاحتجاج في ساحة بوابة السلام السماوي عام 1989، وبالطبع كان الدعم البريطاني، كالعادة، من دون أي تحفظ أما فرنسا وبعد أن رفعت أولاً شعار «اتركوا الزمن يفعل فعله!» انحازت إلى الدخول في التحالف العسكري الدولي.

وكانت الولايات المتحدة تمتلك ما يكفي من أوراق الضغط في المنطقة كي تدفع بلداناً مهمة مثل مصر والسعودية إلى الانضمام لمعسكر التحالف الدولي، وفهمت تركيا مدى الفائدة التي يمكن أن تجنيها من الوضع بغية تأكيد أهميتها داخل الحلف الأطلسي، ثم ان هامشها لأي خيار آخر كان ضيقاً بسبب المشكلة الكردية التي تواجهها، اما إيران فكانت تتمنى دون المبالغة في الافصاح عن ذلك، سقوط نظام صدام حسين، عدوها اللدود، ودفعت البراعة المعهودة لدى الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد إلى الاستفادة من الظروف للحصول على حرية التصرف في لبنان مقابل الدعم العسكري السوري للتحالف الدولي.

بين قوسين

يفتح مؤلف الكتاب قوسين هنا للتأكيد على أن التصميم الأميركي لخوض الحرب كان «حيوياً بالنسبة لإسرائيل» ذلك أن تل أبيب رأت ان انتصار صدام حسين يعني أنها ستجد نفسها أمام قوة إقليمية تمتلك قدرات عسكرية هائلة وثروة بترولية متعاظمة. «كانت مصلحة الدولة العبرية هي إضعاف العراق بواسطة شن حرب عليه شريطة أن تبقى هي بعيدة عن تلك الحرب وأن لا تخضع لضغوط كبيرة أثناء فترة السلام التي ستعقب تلك الحرب». كما يقول المؤلف.

استطاع الرئيس الأميركي أن يجمع ضد العراق، البلد الصغير والمعزول سياسياً والخاضع لعقوبات دولية فعالة قوة كبيرة، وقد حدد لنفسه عبر التأكيد باستمرار على تصميمه ثلاثة أهداف رئيسية هي منع العراق من السيطرة على مصادر البترول، وتعزيز الزعامة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، وأخيراً تأكيد مبدأ عدم المساس بالحدود، لقد كان يدافع في الواقع عن مصالح الولايات المتحدة الأميركية

وسمحت له «الفظاظة» التي اتسم بها العمل الذي قام به صدام حسين أن يقدم حملته باسم الأخلاق، لكن لم يكن من السهل تقديم الأمور بتلك الصيغة وباسم الشرعية الدولية لدى الشعوب التي كانت تدرك أن القانون الدولي عامة، وقرارات مجلس الأمن الدولي خاصة إنما يتم تطبيقها بصورة انتقائية. لكن العواطف تتغلب على العقل في لحظات الفعل.

ومع تقدم الأزمة برز هدف إضافي كان موجوداً دون شكل منذ البداية، وهو إنهاء القوة العسكرية للعراق، وخاصة في الميدان النووي، المشكوك آنذاك ان نظام صدام حسين كان يقوم بتطويره، «كان الرهان الرئيسي هنا هو أمن إسرائيل على المدى المتوسط» يقول المؤلف ثم يضيف: «أمكن منذئذ التفكير أن الولايات المتحدة لم تكن تريد الانسحاب من الكويت فقط، وإنما كانت تريد الحرب حقاً والإطاحة بالدكتاتور».

ويرى المؤلف أن «أكثر ما يدهش في تلك القضية هو أن صدام حسين ظل محافظاً على عناده حتى النهاية». كان أعداؤه يخشون أن يقوم بعمل قد يؤدي إلى هز التحالف الدولي وخلخلة موقع رئيسه، فهل كان يعتقد حقاً بأنه يمكن لجيوشه أن تلحق خسائر لا تحتمل بالقوات الأميركية مما كان قد يؤدي إلى تغيير مواقف الرأي العام الغربي وإلهاب مشاعر العرب؟ وهل دفعه المحيطون به إلى ارتكاب خطأ قاتل؟ إنهما سؤالان ظلا دائماً دون إجابة نهائية مع إدراك ان عناده كان ورقة رابحة بيد جورج بوش.

كانت نتائج حرب الخليج عام 1991 كبيرة على الصعيدين الدولي والإقليمي، لقد كانت حرباً أميركية تحت غطاء الأمم المتحدة فمن الذي انتصر فيها أميركا أم المنظمة الدولية؟ لا شك أن الولايات المتحدة هي اليوم الدولة الوحيدة في العالم التي تستحق لقب «قوة عظمى» بعد انهيار الاتحاد السوفييتي (السابق) الذي شكل القوى العظمى الأخرى طيلة فترة الحرب الباردة والاستقطاب الثنائي الدولي بين معسكري الغرب والشرق.

لكن هذا لا يمنع واقع أن العديد من الأصوات من بينها العديد من الأميركيين مثل البروفسور بول كندي، تقول إن أميركا قد باشرت الهبوط على السفح المقابل بعد بلوغها ذروة قوتها الاقتصادية في مطلع سنوات الخمسينات الماضية. فالبلاد تعاني من عدم كفاية الوفورات بالقياس إلى احتياجاتها من التمويل والبنى الأساسية فيها بدأت تعاني من «الشيخوخة» والتوترات الاجتماعية، لاسيما ذات الطابع العنصري، تفرض نفقات جديدة.

هذا كله يفسر جزئياً طلب الولايات المتحدة من حلفائها في المنطقة، ومن ألمانيا واليابان، أي ممن لم يشاركوا في العمليات الحربية تقديم مساهمات مالية لدعم حرب الخليج، بحيث أنه تمت تغطية كلفتها كاملة تقريباً بتلك الطريقة. ويرفض المؤلف المقولة التي قال بها البعض وهي ان «أميركا قد أصبحت قوة مرتزقة» ذلك أنه يرى في تلك المساهمات تعزيزاً للشرعية الخارجية لعملها، هذا فضلاً عن أنها كانت ضرورية من الناحية الاقتصادية.

دور الأمم المتحدة

ما يؤكده المؤلف هو أن العالم لم يصبح «وحيد القطب» بعد حرب الخليج عام 1991، أي بمعنى أنه يدار من قبل القوة العظمى الأميركية وحدها، لا شك أن الولايات المتحدة تتصرف على صعيد الخارج حسب طريقتها لرؤية الأمور وقبل كل شيء حسبما تعتقد أنها تخدم بذلك مصالحها، وقد تتقاطع هذه المصالح مع مصالح العديد من البلدان الأخرى، الأوروبية عامة، تتقاطع دون أن تتطابق بالضرورة.

وهل جعلت حرب الخليج 1991 منظمة الأمم المتحدة في قلب آليات تنظيم المنظومة الدولية؟ لا شك أن دور هذه المنظمة كان إصباغ الشرعية على العمل الأميركي أثناء أزمة حرب الخليج الأولى، فبدون موافقتها ربما كان باستطاعة جورج بوش أن يشكل التحالف الدولي ضد صدام أو أن يقنع الرأي العام الأميركي بالحرب. ولا شك أن العامل الحاسم قد تمثل في التعاون السوفييتي بينما بقي الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك «خافيير بيريز دي كويلار» خارج اللعبة عملياً.. إن أميركا هي التي تزعمت دفة توجيه المنظمة الدولية بالتفاهم مع الأطراف الرئيسية في مجلس الأمن الدولي.

كانت المنظمة الدولية قد أعلنت عن ميثاقها في سان فرانسيسكو في تاريخ 26 يونيو 1945 بعد محادثات كان قد أجراها روزفلت وتشرشل وستالين في طهران بنهاية عام 1943 ثم في يالطا على البحر الأسود لكنها سرعان ما وجدت نفسها تعاني من الشلل بسبب الشرخ الذي أصاب جبهة المنتصرين في الحرب العالمية الثانية ولم يكن تنشيطها ممكنا الا في ظل زعامة تتحرك عند الحاجة وقد كانت زعامة أميركية في اغلب الأحيان.

تمت ترجمة حرب الخليج إقليميا بالتأكيد الصارخ لزعامة الولايات المتحدة الى جانب تقوية موقع الدول غير العربية الثلاث في المنطقة أي إيران وتركيا وإسرائيل وزيادة تبعية بلدان المنطقة الأخرى لأميركا وكان من النتائج الاقتصادية لتلك الحرب ان سعر النفط أصبح سياسيا تقريبا بحيث تلعب واشنطن دور الحكم تقريبا في تحديده وكانت سوريا هي الدولة العربية الوحيدة التي جنت فائدة ما من الأزمة لكنها فقدت بنفس الوقت لعب ورقة موسكو ضد واشنطن كما ان اقتصادها أصبح اكثر حاجة لمساعدات البلدات النفطية الغنية.

ومن خلال حرب الخليج بدا مستقبل المنطقة مرتبطا عميقا بالعلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل ومن المعروف مبدئيا ان إسرائيل تابعة لأميركا الى درجة يفترض معها ان واشنطن قادرة على إيجاد مخرج للوضع في الشرق الأوسط لكن التعاطف الذي تلقاه إسرائيل في الولايات المتحدة وفي البلدان الغربية الأخرى لا يسمع كما يرى المؤلف؟ بتحليل المسألة على أساس موازين القوى فقط

ويؤكد ان الوصول الى سلام دائم في الشرق الأوسط يفترض بعض التعديلات في الحدود وإجراءات متبادلة مقبولة من الجميع ومضمونة دوليا فيما يتعلق بالأمن ويتطلب مثل هذا السلام خاصة حلا للمشكلة الفلسطينية وقيام أنظمة ديمقراطية في المنطقة ويشير الى الموقف الذي اتخذته منظمة التحرير الفلسطينية من حرب الخليج الأولى والذي افقدها الكثير من مصداقيتها آنذاك بسبب موقفها الداعم لنظام صدام حسين لكن المشكلة الفلسطينية قائمة ولم يكن بمقدور الدولة العبرية ارادت ام لم ترد ان تزعم حق اختيار محاوريه من الفلسطينيين.

ان حرب الخليج الأولى لم تؤد الى الإطاحة بنظام صدام حسين ويعيب العديد من الغربيين على الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الاب انه اوقف الحرب بوقت مبكر في ليلة 27 - 82 فبراير 1991 وقالوا انه كانت تكفي متابعتها لمدة يوم او يومين للانتهاء الكامل من القوات العراقية مما كان منه ان تقترف ما اقترفته من أعمال بعد ذلك وقد قيل ايضا ان متابعة الحرب ربما كانت قد دفعت بعض المحيطين بصدام حسين الى التخلص منه.

ويرى مؤلف هذا الكتاب ان وجهة النظر هذه تتجاهل في الواقع مسألتين متكاملتين المسألة الأولى هي ان بوش الاب لم يكن يريد الخروج من اطار المهمة التي حددها مجلس الامن التابع للامم المتحدة والمسألة الثانية هي انه كان يريد تجنب الوقوع في ورطة الفوضى التي قد تحل في بغداد.

لكن عدم التخلص من صدام حسين ومن نظامه لا يعني ان سياسة اميركا او رئيسها بوش قد تغيرت حيال العراق اذ انها كانت تقول دائما بذهاب صدام حسين انما بشروط لا تؤدي الى تفجر العراق وبدأت منذ نهاية الحرب تظهر الضغوط الداعية للتخلص من صدام بواسطة المحافظة على العقوبات والمطالبة بوضع حد للنشاطات النووية في العراق.

واعربت الولايات المتحدة وحلفاؤها في حرب الخليج عن نيتهم بعدم اعادة العلاقات الدبلوماسية مع العراق قبل الانسحاب الطوعي او القسري لصدام حسين من السلطة وبانتظار ذلك ادهش بقاؤه في السلطة اولئك المراقبين الذين قالوا انه لم يعد يمتلك اية شرعية في بلاده وان «ثورة في القصر» سوف تحدث قريبا.

ملامح النظام الجديد

كانت حرب الخليج حلقة في سلسلة مترابطة من الاحداث التي بدأت مع سقوط جدار برلين وبلغت ذروتها مع انهيار الامبراطورية السوفييتية وتداعياتها في اوروبا الشرقية والوسطى وخاصة في البلقان ويوغسلافيا. يقول مؤلف هذا الكتاب: ان هذه الظواهر كلها مترابطة بعضها مع بعض ذلك انه في زمن التنازع بين الغرب والشرق ما كان لسيد بغداد ان ينطلق في مغامرة قد تؤدي الى وضع القوتين العظميين - الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وجها لوجه

وفي الشرق الاوسط قام رد الفعل الاميركي بضبط الامور مؤقتا - اعاد اغلاق المرجل المتفجر - لكن الامر كان مختلفا تماما في اوروبا اذ ان التحركات جاءت من القاعدة وما يتم التأكيد عليه هنا هو ان منظومة الحدود كلها كانت سوف تتفجر لو ان صدام حسين كان قد ربح معركة اجتياح الكويت.

في اوروبا كانت الحلقة اليوغسلافية الضعيفة هي التي «انفرطت» بسهولة وكانت يوغسلافيا قد تأسست في 28 اكتوبر 1918 لكن الممالك الصربية كلها كانت قد فشلت، وكذلك الكرواتية والسلوفينية.. وقامت هذه الإثنيات كلها بمذابح حيال بعضها البعض، وكان من أشهرها المذابح التي قام بها الفاشيون المعروفون باسم «الاوستاشي» في صيف عام 1941 ضد الأقلية الصربية في كرواتيا، وقام الصربيون في الفترة نفسها بمذابح مشابهة.

هكذا كان تاريخ الشعوب يصعد دائماً من جديد إلى السطح في الأزمنة الصعبة، كما يقول المولف، هكذا أيضاً وفي عام 1945، أي عند نهاية الحرب العالمية الثانية وساعدت المقاومة والأيديولوجية الشيوعية فيما مارسته من جذب للجماهير الشعبية أو للمثقفين اليساريين، وخاصة شخصية جوزيف بروز تيتو، في انبثاق طائر الفينيق من رماده وقامت يوغسلافيا الشيوعية التي رأى بها الاشتراكيون الغربيون طريقاً ثالثاً للاشتراكية.

لكن تيتو لم يحضر لفترة ما بعده، ولم يتردد في أن يرسي أركان حكمه على التخلص من جميع الذين خالفوه. وفي عام 1980 توفي تيتو. ولم تتحرك موسكو المشغولة آنذاك بما كان يجري في بولندا، ظهور نقابة التضامن، وأفغانستان. وفي ذلك السياق تفاقمت أزمة الديون التي أصابت خاصة العالم الثالث وأنظمة شرق أوروبا الشيوعية بما فيها الفيدرالية اليوغسلافية. ولا شك بأن سقوط جدار برلين في عام 1989 قد سارع في «الموت الثاني ليوغسلافيا».

وكانت حالة كرواتيا أكثر تعقيداً إذ كان ربع سكانها البالغ عددهم 7,4 ملايين نسمة من غير الكرواتيين.. ومن بين هؤلاء 000,600 من الصربيين، هذا يعني أن خطر «اللبننة» كان قائماً بوضوح إلى جانب تداخل كبير في البنى الاقتصادية بين مختلف جمهورياتها وتداخل عرقي داخل الجيش الذي كان خاضعاً للسيطرة الصربية. وكان لابد للدم من أن يسيل مع انبعاث أحقاد الماضي.

ترددت آنذاك فكرة إعادة ترسيم الحدود لدى بعض الغربيين، وعلى رأسهم بعض الأميركيين والألمان والنمساويين والإيطاليين. لكن المجموعة الدولية، وفي إطار المنطق نفسه الذي ساد عند إعادة توحيد ألمانيا أو منع ضم العراق للكويت بالقوة. ضغطت كي يتم ترسيم الحدود، إذا حصل بطريقة التفاوض الداخلي بين الأطراف المعنية وفي إطار الشرعية الخارجية مثلاً تحت رعاية مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا وبحيث يكون للأمم المتحدة دور لاحق.

هكذا لم تبحث أية دولة أوروبية عن بسط نفوذها بواسطة امتلاك أراضي الغير، كما كان سائداً بعد الحرب العالمية الأولى.. فلم تفكر النمسا مثلاً بضم سلوفينيا إليها مع أن هناك العديد من السلوفينيين يتمنون ذلك.. وإذا كان الحنين إلى الإمبراطورية النمساوية ـ الهنغارية لم يختف تماماً، فإن ترجمته لم تكن تتم بواسطة إرادة الفتح». أما الاتحاد السوفييتي فقد كان آنذاك حريصاً على عدم التدخل من بعيد أو قريب من تلك الورطة، مع إعلانه عن موقف حازم ضد أي تعديل في الحدود.

هكذا إذن كان تكاثر المشاكل العرقية والقومية، والتشكيك بالحدود القائمة هو السمة الغالبة في نهاية القرن العشرين وكما كان الحال أيضاً في بداياته. وقد طرح هذا معضلة كيفية المصالحة بين مبادئ حق الشعوب بتقرير مصيرها وحقوق الإنسان وعدم المساس بالحدود، وبدت هذه المعضلة أكثر حدة في حالة توزع أبناء نفس الإثنية بين مجموعة دول مثل الألبانيين والأكراد، أو في حالة وجود أقليات كبيرة في نفس البلد. لكن لم يكن ذلك هو مصدر التهديد الوحيد للأمن الدولي.

بل هناك أيضاً التخلف وما يترتب عليه من توسع تجارة المخدرات والتطرف والإرهاب، وكذلك هناك انتشار الأسلحة الفتاكة، »ولا شك أن البؤس لا يشكل أرضاً خصبة من أجل ازدهار الديمقراطية، وطالما لم تتم إزالة هذا المرض الخطير فإن البلدان المتطورة سوف تواجه دكتاتوريين مستعدين للعب بالنار»، يقول المؤلف.

وعلى صعيد موازين القوى الجديدة في العالم أنهت «ثورات» عام 1989 حلف وارسو لكنها طرحت في الوقت نفسه مسألة مستقبل الحلف الأطلسي، وكانت واشنطن قد أبدت منذ خريف عام 1989 نفسه قصتها حول مستقبلها في أوروبا. وهكذا ما دعا جيمس بيكر وزير الخارجية الأميركي آنذاك، إلي أن يقترح في شهر ديسمبر إعداد «إطار» إن لم تكن «معاهدة، من أجل تنظيم العلاقات الأميركية الأوروبية (عبر الأطلسي). وبدا انه لابد من إصلاح الحلف الأطلسي بشكل يأخذ في اعتباره الوقائع الجديدة.

لقد برزت بعض الخلافات في وجهات النظر بين الولايات المتحدة وأوروبا، وبين البلدان الأوروبية نفسها، حول مفهوم الدفاع الأوروبي. وجرى اجتماع في كوبنهاغن لوزراء خارجية بلدان الحلف الأطلسي في مطلع شهر يونيو 1991 تم التأكيد فيه على الهوية الأوروبية في ميدان الدفاع باتفاق الجميع، كما جرى التأكيد على تعزيز دور الحلف الأطلسي باعتباره «المنتدى الأساسي للتشاور بين الحلفاء في ميداني الأمن والدفاع».

إن سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفييتي (السابق) ومنظومته وحرب الخليج الأولى هي أحداث منعطفات تاريخية غيرت المشهد الدولي الذي كان محكوماً منذ عام 1945 بحالة التنازع بين الغرب والشرق. وبدت ترتسم ملامح نظام دولي جديد يعتمد على المشاركة «الحرة» للدول من أجل تحقيق نوع من الأمن الجماعي.

وانبثق الأمل بتحول مثل ذلك النظام إلى واقع حقيقي في السياسة الدولية بعد فترة توازن الرعب تحت ظل مفهوم الردع النووي طيلة عقود الحرب الباردة التي حكمت آنذاك العلاقات الدولية كلها. لكن ذلك الأمل الذي انبثق على خلفية انهيار الاتحاد السوفييتي ونيران حرب الخليج بدا للكثيرين مجرد وهم عابر أكثر مما هو تعبير عن بداية حقيقة مستمرة.

عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف