عندما سقط البرجان التوأمان، بكت إيران مع الولايات المتحدة وأقام الإيرانيون أمسيات عفوية على ضوء الشموع للتعبير عن تضامنهم مع الشعب الأميركي. فالكثير من الإيرانيين وجزء من قادتهم، على الأقل، كانوا يرغبون بإقامة علاقة أفضل مع القوة العظمى. بيد أنه لم يبق من تلك اللحظة شيء يذكر. ولقد جلب ذلك عواقب طالت، بشكل غير مباشر، حتى المذبحة التي ارتكبت أخيرا في لبنان وإسرائيل وصولا إلى الأزمة الدولية التي اندلعت حول برنامج إيران النووي.
قبل هجمات 11 سبتمبر، كان هناك مندوبون إيرانيون يشاركون في المحادثات متعددة الأطراف حول الوضع في أفغانستان. وبعد الاعتداءات، قدم الإيرانيون تعازيهم وأبدوا استعدادهم للتعاون مع الولايات المتحدة للإطاحة بنظام طالبان، الذي كانوا يمقتونه كما الغرب تماما. وأثناء الغزو الأميركي لأفغانستان، أقيمت قناة سرية للاتصال بين واشنطن وطهران، اشتملت على تقديم المشورة الإيرانية في ميدان الاستخبارات وعمليات التفتيش الجوية والدعم اللوجستي.
عندما وضعت الحرب أوزارها، اقترح الشركاء الإيرانيون في قناة الاتصال تلك أن يمتد ذلك التعاون إلى مسائل أخرى ذات اهتمام مشترك، مثل العراق. وعلى الرغم من أن الأميركيين لم يكونوا واثقين من أن هذا العرض كان يعتمد على تصريح من حكومة الجمهورية الإسلامية، إلا أنه كان بوسعهم،على الأقل، أن يقنعوا أنفسهم بأن جزءا من الإيرانيين، على الأقل أيضا، كان يرغب بأن تتطور تلك العلاقة حتى تتحول إلى تقارب جديد أكثر اتساعا.
بدل كل ذلك، فإن ما حصلوا عليه هو خطاب «محور الشر»، الذي اعتبر إيران على قدم المساواة مع النظام المستبد في العراق. وبالتالي، فإن فرصة المضي قدما في العلاقة بين الأمتين تبخرت. على كل حال ولإنصاف حكومة بوش، فإنه لا بد من الإشارة إلى أن قادة القاعدة الذين كانوا قد فروا من أفغانستان وجدوا أنفسهم تحت إقامة جبرية لطيفة في إيران وأن طهران رفضت تسليمهم للولايات المتحدة. بينما تعتقد المخابرات الأميركية أن إيران تقدم دعما (تسليحا وتمويلا) لحركتي حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين، في حربهما ضد إسرائيل.
من نافلة القول إن سلوك بوش الجديد حيال النظام الإيراني يندرج في إطار تغيير الاتجاه في السياسة الخارجية للإدارة الأميركية، الذي حدث بعد 11 سبتمبر، والذي كانت عواقبه وخيمة عموما بالنسبة للولايات المتحدة، تزامنا مع اندلاع أزمات وصراعات في العالم الإسلامي بأسره. ومع ذلك، فإن زلات السياسة الخارجية لحكومة بوش اعتبارا من 11 سبتمبر قد تفضي، بصورة توحي بتناقض ظاهري، إلى وضع الولايات المتحدة في موقف أكثر فعالية في مواجهة البرنامج النووي الإيراني.
من الواضح، منذ زمن طويل، أن الأمل الواقعي الوحيد لإيقاف البرنامج النووي الإيراني يكمن في إستراتيجية متعددة الأطراف تقوم على سياسة العصا والجزرة، تكون فيها القوى العظمى، خصوصا الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، مستعدة لتوسيع التجارة مع طهران وإدماجها بالعالم، في حال تخلي إيران عن برنامجها. أما في حال لم تفعل ذلك، فإنها ستواجه تهديد العقوبات الاقتصادية.
ولقد تبنت الولايات المتحدة وأوروبا وحتى روسيا والصين تلك السياسة مع إيران ولقد أعطت ثمارها. والعام الماضي، أحالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية البرنامج النووي الإيراني إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الذي صدر عنه الشهر الماضي قرار يشترط على إيران وقف نشاطاتها في مجال تخصيب اليورانيوم وإلا ستواجه عقوبات.
لقد أضعفت إخفاقات إدارة بوش في العراق وفي المنطقة كلها القوة الأميركية العظمى وجعلت البيت الأبيض أكثر تواضعا. لو لم تكن الولايات المتحدة تقاتل في العراق (ولم تكن بالتالي هشة أمام الضغط الإيراني ولم تعتمد على حلفائها الأوروبيين كي يساعدوها في العراق وأفغانستان وأماكن أخرى) لكان الاحتمال ضعيفا أن تتبنى واشنطن طرحا متعدد الأطراف فيما يتصل بإيران.
إن كارثة العراق قد جردت صقور المحافظين الجدد والحكومة من أسلحتهم وجعلت من الممكن أن تلقى العناصر الأكثر براغماتية في وزارة الخارجية والسي آي إيه والجيش دعما لخوض غمار مواجهة دبلوماسية مع برنامج إيران النووي. لو لم تكن هناك حرب مع العراق، فربما كانت ستكون مع إيران.
كما ساهمت نتيجة غزو العراق بأن تقوم الحكومات الأوروبية بتطوير موقف متعدد الأطراف في إيران. فهناك، على الأقل، روايتان لما حدث: واحدة تقول إن الأوروبيين يقرون أن الضرر الذي ألحقته حرب العراق بالحلف الأطلسي لم يكن، بشكل حصري، ذنب حكومة بوش. فصحيح أن تكون الدبلوماسية الأميركية قد أخطأت قبل غزو العراق، لكن فرنسا وألمانيا لم تقوما بالعمل على نحو أفضل بكثير قطعا . والجانب المناهض للحرب في أوروبا أعطى الانطباع بأنه سلمي ومؤيد لصدام وغير مسؤول، وبدا وكأنه لا يرغب بأن تتمكن الحكومات من مجابهة التهديدات الحقيقية للأمن.
رواية أخرى تقول إن حرب العراق جزأت أوروبا بشكل عميق، منتقصة من أهداف السياسة الخارجية للمملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا. فلقد سعت هذه البلدان الثلاثة للعب دور أكبر في الموضوعات الدولية، لكن ما كان بوسعها أن تجعل الولايات المتحدة والصين والهند وروسيا تأخذها في الاعتبار إلا إذا بقيت معا على مستوى القادة وشكلت جبهة أوروبية قادرة على التصرف بقرار خارج حدودها. بغض النظر عن أي الروايتين هي الصحيحة (ربما كانت الاثنتان معا صحيحتين)، إلا أن الواقع يفيد بأنه قد نشأ إطار ملائم لمواجهة البرنامج النووي الإيراني.
ففي عام 2003، وبعد أن أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية وجود منشآت سرية في إيران لتخصيب اليورانيوم وفصل البلوتونيوم، اعتبر فرنسيون وبريطانيون وألمان ذلك فرصة لإصلاح الضرر الذي تسببت به حرب العراق. واتفقوا على تبني خط متشدد وفتح جبهة مع إيران بسبب تطوير الأخيرة للتكنولوجيا النووية، وصولا إلى حد فرض عقوبات على البلد الذي يمثل شريكا تجاريا مهما.
بهذه الطريقة، أجبرت الحرب في العراق حكومة بوش على أن تتبنى مع إيران سلوكا متواضعا أكثر مما كانت ستتبعه في ظروف أخرى، كما شجعت الأوروبيين، في الوقت نفسه، على أن يكونوا أكثر تشددا. وكانت النتيجة توافقا، حيث قدمت الولايات المتحدة الجزرة بينما أشهرت أوروبا العصا. وذلك الطرح سمح كذلك بتشكيل تحالف لإقناع الهند والصين وروسيا بأنه يتعين عليها أن تواجه إيران بموقف أشد بكثير مما كانت قد تتبناه هذه البلدان في ظرف آخر.
في شهر مايو الماضي، قدمت الولايات المتحدة وأوروبا حزمة من المحفزات والعقوبات. وكان على الإيرانيين مواجهة مأزق ذي حدين : برنامجهم النووي أو اقتصاد معاقب. وهو وضع لم يتصوروا أنهم كانوا سيواجهونه أبدأ. ولقد أحدث هذا الاختيار انقساما في كنف حكومة طهران، حيث فضل أنصار الخط المتشدد مواصلة البرنامج النووي رغم خطر العقوبات على الاقتصاد الإيراني.
العالم ينتظر الآن رؤية إذا ما كان التوافق الأميركي - الأوروبي سيبقى على حاله بعد الرد الأخير، غير الحاسم،الذي قدمته طهران. لكن مظهر الوحدة الذي يمكن للقوى الكبرى أن تقدمه أمام العناد الإيراني بدا أفضل بكثير مما كان ينتظره جميع اللاعبين تقريبا، بما فيهم الإيرانيون أنفسهم.
من المؤسف أن الصراع في لبنان قد يحدث خللا في التوازن القائم وبالاتجاه الخاطئ. فإذا ما فسرت روسيا وفرنسا وربما بلدان أخرى دعم إدارة بوش الواضح لإسرائيل على أنه عودة لدبلوماسية راعي البقر، فقد ينظرون بعين الغيرة إلى فكرة مواصلة السير في طريق قد يوفر للقوميين في واشنطن صك براءة من الجريمة يتيح لهم الشروع في عمليات عسكرية ضد إيران. حتى في هذه الحالة، فإنه من الممكن أن تبقى أوروبا، على الأقل، موحدة منتظرة أن تدفع إيران ثمنا لتحديها.
والأمل يكمن (رغم ضعفه) في أن تفعل العقوبات الاقتصادية فعلها وتجعل إيران تصحح خط سيرها، مثلما فعلت مع ليبيا. إذا حدث هذا، فإننا سنجد أنفسنا أمام عاقبة إيجابية للمأزق الذي وضعت إدارة بوش الشرق الأوسط فيه وأمام سبب للصفح عن الولايات المتحدة التي لم تكن قادرة على بناء علاقة جديدة مع إيران بعد 11 سبتمبر.
ترجمة: باسل أبو حمدة
عن «الموندو» ـ اسبانيا