تتناول هذه الحلقة تأثير التقدم الذي شهدته العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين في مجال العلوم وتقنية المعلومات في إحداث تغيير حقيقي في بنية النظرية الدولية، أدى بدوره إلى بروز فكرة العولمة التي ارتبطت عضويا بمفهوم اقتصاد السوق والليبرالية الاقتصادية. ومن هنا، فإن المؤلف يؤكد على أن الولايات المتحدة الأميركية التي تعتبر الراعية الأولى لاقتصاد السوق البلد الأكثر تهيؤاً وتأهيلاً للتأقلم مع ظاهرة العولمة، بحيث أن بعض أنصار نظرية المؤامرة يعتبرون أن العولمة ما هي إلا آلة حرب أميركية أو حصان طروادة صممته القوة الأميركية المهيمنة.
لا شك إن إحدى السمات المميزة للقرن العشرين، وخاصة خلال عقوده الثلاثة الأخيرة تمثلت في ذلك التسارع الكبير الذي حققته العلوم والتقنيات مع ثورة المعلوماتية وتطبيقاتها في مختلف الميادين، أنه قرن الجدة والتجديد الذي عرف قفزات «نوعية» لم تعرفها البشرية خلال آلاف مؤلفة من السنين في تاريخها الطويل. ان التقدم العلمي والتكنولوجي «حيادي» مبدئيا من وجهة النظر الأخلاقية، إذ يمكن ان يخدم في اتجاه «خير» البشرية أو «شرها» ومن أجل «البناء» أو «الدمار» ومثلما هو الأمر دائما أيضا، يباعد هذا التقدم، في مرحلة أولى على الأقل، في المسافة بين البلدان أو المناطق، وما جرى في القرن العشرين لا يشذ عن هذه القاعدة...
فإذا كانت قد انبعثت خلال سنوات السبعينات بعض الآمال الخاصة بـ «تحويل التكنولوجيات» فقد تبدى ان تلك الآمال لم تكن سوى مجرد أوهام خبت بسرعة. ولاشك أيضا أن التطورات التي عرفتها بعض البلدان المتقدمة قد فاقمت أكثر من واقع اللامساواة القائم. وإذا كان ميدان صناعة الأدوية يقدم مثالاً جلياً على ذلك، فإن ازدياد عدم التكافؤ يبدو أكثر بلاغة في سياق الاتفاق على تسميته في الأدبيات الأميركية بـ «الثورة في المجال العسكري»، أي النتائج التي ترتبت على استخدام تكنولوجيا المعلومات في صناعات السلاح، والذي تمت ترجمته بازدياد الهوية بين حلف الأطلسي وبقية بلدان العالم من جهة، وبين الولايات المتحدة وبقية بلدان الحلف الأطلسي نفسها من جهة أخرى، وكانت الحربان اللتان شهدهما العقد الأخير من القرن العشرين أي حرب الخليج الأولى عام 1991 ضد صدام حسين وحرب كوسوفو ضد الرئيس الصربي السابق سلوبودان ميلوسوفيتش ما بين 24 مارس و8 يونيو 1999، قد أظهرت تفوقاً أميركياً ساحقاً على الصعيد العسكري.
وكانت المفاجأة «الجديدة» في هاتين الحربين هي أن الخسائر البشرية في معسكر المنتصرين كانت قليلة جداً في الحرب الأولى وشبه معدومة في الحرب الثانية، هذا يعني أن الرأي العام في البلدان الغربية لم يحس بوطأة الحرب عندما كانت تدور، هكذا وبعد «الفضول» إذا أمكن قول ذلك، والتساؤلات خلال الأيام الأولى لحملة القصف الجوي التي قام بها الطيران الأطلسي ضد سلوبودان ميلوسوفيتش، عاد المواطنون الأميركيون والأوروبيون إلى ممارسة حياتهم العادية وتسيير أمورهم اليومية في ظل لا مبالاة شبه تامة حيال الحرب..
ويؤكد مؤلف هذا الكتاب على أن النقاش حول إمكانية القيام بهجوم بري بقي «مجرداً» إلى حد كبير ولم يثر الكثير من الانفعالات. وقد ترتب على ذلك أمر خطير يعبر عنه المؤلف بالجملة التالية: «لقد أصبح من الممكن القيام بحرب عادلة أو غير عادلة، هذه مسألة أخرى، وتكبيد شعب ما خسائر فادحة دون تلقي أية ضربة مباشرة، وهذه هي أحد أشكال التجديد التي لم يتم في الحال تقدير النتائج التي قد تترتب عليها».
ترجمة العولمة
لقد أدى مجمل التبدلات الناجمة عن التقدم التكنولوجي وثورة المعلومات إلى «تغيّر حقيقي في بنية المنظومة الدولية»، هكذا برزت فكرة العولمة التي ارتبطت عضوياً في مفهوم اقتصاد السوق وبالتالي الليبرالية الاقتصادية. ومن هنا تحديداً جاءت صبغتها الأيديولوجية القوية. وبنفس الوقت، وفيما هو أبعد من المجال الاقتصادي، تمت ترجمة العولمة بالأهمية المتزايدة للمنظمات غير الحكومية التي تولي عنايتها لمسائل لها علاقة بـ «الصالح العام» مثل حقوق الإنسان أو التنمية المستدامة، خاصة بالنسبة لمشاكل البيئة وإدارة الموارد الطبيعية مثل المياه.
وبهذا المعنى اهتمت بمسائل كانت سابقاً من اختصاصات الدول حصراً. وكان توقيع المعاهدة الخاصة بمنع الألغام المضادة للأفراد نتيجة لحملة دولية خاصة شاركت فيها أميرة بريطانيا الراحلة ديانا بدور حاسم. وكانت «جودي وليامز» منسقة تلك الحملة قد اقتسمت مع منظمتها جائزة نوبل للسلام عام 1997.ومعروف أن الدولة لا تتدخل إلا بالحد الأدنى اللازم للمحافظة على التلاحم الاجتماعي في ظل التقاليد الليبرالية، وذلك أن الدولة لا تحتكر أبداً المصلحة العامة، بل عليها أن تشجع المؤسسات الخاصة المعنية بها من خلال التسهيلات الضرائبية.
وكانت التقاليد الليبرالية راسخة باستمرار في أميركا، لذلك ليس من المدهش ان تكون الولايات المتحدة الأميركية هي البلد الأكثر تأهيلاً ثقافياً للتأقلم مع ظاهرة العولمة، هذا إلى درجة أن بعض أنصار نظرية المؤامرة يرون بها ـ أي العولمة ـ آلة حرب، ونوعاً من حصان طروادة الذي صممته القوة الأميركية المهيمنة».
أما في التقاليد الاشتراكية التي أنتجتها الماركسية والتي كان لها تأثيرها الكبير على التجربة السوفييتية وأيضاً على التاريخ الأوروبي كله خلال القرن العشرين، فإن المؤلف يؤكد بالأحرى على أن الاقتصاد هو مجال استغلال الإنسان للإنسان والسياسة هي أرض جميع المؤامرات الرامية إلى إضعاف الدولة أو الأمة وإخضاع الشعب لقانون الأقوى ولثقافته أيضاً. ويبدو في هذا تقارب كبير مع المقولات الفكرية للتيارات القومية التي تمثل هي أيضاً نحو النهج الشمولي «التوتاليتاري».
ضمن هذا الإطار من التحليل تبدو العولمة متماشية مع اتجاه تقليص سلطات الدولة «على المدى الطويل». وبكل الحالات تبقى مختلف أشكال التنظيم السياسي للمتجمعات الإنسانية خاضعة بالضرورة إلى مطلب «التكيف» القسري: هذا يعني ضرورة التأقلم مع التبدل الذي أنتجته ثورة تكنولوجيا المعلومات، والتي تبدو أعمق وأبعد مدى من الثورات الصناعية السابقة، مثل تلك التي عاصرت ازدهار صناعة القطن أو اختراع الآلة البخارية.
ويوازي المؤلف في هذا السياق بين ثورة المعلوماتية الأخيرة واختراع المطبعة، حيث كان لهاتين الثورتين نتائج قابلة للمقارنة فيما بينها. لقد كانت المطبعة السبب الأكثر جوهرية في زوال منظومة العصور الوسطى والانبثاق التدريجي للدول القومية انطلاقاً من القرن الخامس عشر. وإذا كانت الدول القومية قد أثبتت قابلية كبيرة للاستمرار وأنها لا تزال فاعلة حتى الآن. فإن هناك مؤشرات كبيرة على أنها لم تعد ما كانت عليه في السابق.
ومع العولمة برز تدريجياً مفهوم جديد بدلاً من المفهوم التقليدي لسلطة الدولة التي تقوم وحدها بمهمة تنظيم الشؤون العامة داخل دولة ما. ذلك أن تعاظم تداخل الأدوار في تسيير أمور العالم على مختلف المستويات، وخاصة الاقتصادية منها، أفرغ دور «الحكومة القائدة لكل شيء» من معاناة المعتاد، ثم هناك أيضاً الدور المتنامي لـ «المجتمع المدني» في الشؤون العامة. ولا شك أنه دور بطيء التقدم« لكنه يتزايد رغم كثرة «جيوب المقاومة».
المفهوم الآسيوي للدولة
وتتم الإشارة هنا إلى مفهوم «الحكومة الجيدة» الذي قالت به آسيا عامة، وأكدت عليه سنغافورة بشكل خاص، ويقوم على الإرث الكونفوشيوسي.. ومفاده أن «الدولة تبلغ السعادة عندما يقودها فريق من الشخصيات المتمتعة بالكفاءة والاستقامة». لكن المؤلف يرى أن هذا المفهوم «الآسيوي» للدولة يعكس رؤية تقوم على الوصاية تصعب أقلمتها مع الحداثة كما تم فهمها في نهاية القرن العشرين. ثم ان صيغ اختيار القادة السياسيين في الأنظمة الديمقراطية الحقيقية لا تضمن كفاءتهم ولا استقامتهم.
إذا كان الفساد بمعنى تجيير الصالح العام لخدمة المصالح الشخصية، ليس أكثر اتساعاً في عصر العولمة، مما كان عليه سابقاً، فإنه غدا بالمقابل صادماً أكثر وذلك في ظل ضرورة إيجاد آليات للتنظيم لا تقوم على أساس مركزية القرارات وعلى فكرة التراتبية وإنما بالأحرى على تقليص المسافة بأقصى ما يمكن بين أصحاب القرار وبين المعنيين في مختلف الميادين وتعني العولمة في أحد مدلولاتها الرئيسية قيام نوع من «آلية الحكم» العالمية المتأقلمة بالضرورة مع تعددية الأقطاب في ميدان العلاقات الدولية.
وهذا يقتضي أيضا اشتراك جميع الأطراف المعنية، حكومية كانت أو غير حكومية، بالتسويات المتعلقة بالقضايا التي تخصها. ومن هنا تأتي الصلة الوثيقة بين مفهوم «آلية الحكم» العالمية ودور المجتمعات المدنية. وكان تعبير «آلية الحكم العالمية» قد ظهر على خلفية تفسخ الاتحاد السوفييتي .. وقد تضمن بشكل غامض فكرة «التوحيد الوظيفي» للعالم والذي يفترض أن يكتمل خلال القرن الحادي والعشرين.
يتلازم مفهوم «آلية الحكم» العالمية مع التأكيد على أمرين أساسيين هما المسؤولية والشفافية، المقصود بهذا أنه سينبغي على أية سلطة ومهما تكن، أن «تقدم حساباً» عن أعمالها بطريقة محددة وخاضعة للرقابة إلى «سلطة أخرى تنطبق عليها نفس المبادئ بحيث تكون «الشفافية» هي القاعدة في التعامل.أما «المسؤولية المباشرة أمام الشعب، فيتم اعتبارها مجرد «وهم»، لكن هل هي «وهم» أكبر من إمكانيات تطبيق «آلية الحكم» العالمية؟!.
وما يؤكد المؤلف عليه في هذا السياق هو أن «تدخل الأخلاق في السياسة» أثار هزات حقيقية حتى في الدول التي تعتبر نفسها «قمة» الديمقراطية، ففي الولايات المتحدة الأميركية نفسها أثارت فضيحة كلينتون ـ لوينسكي التي سيطرت على الحياة العامة في أميركا خلال عامي 1998 و 1999 الكثير من الأسئلة حول حدود «الشفافية» في آليات عمل أجهزة الدولة .. وإذا كانت تلك الفضيحة قد مست بشكل حقيقي وكبير مصداقية رئيس الولايات المتحدة الأميركية فإنها أدت أيضاً إلى شطب وظيفة المدعي العام المستقل.
وبدا أن هناك أخطارا تهدد الديمقراطية في مقدمتها «استحالة السرية» و «الإلغاء المؤقت على الأقل لمبدأ حماية الحياة الخاصة» و «لامسؤولية الصحافة التي لا تنطبق عليها حتى الآن مبادئ المسؤولية والشفافية» هنا تبرز معضلة كبيرة أمام إمكانية تطبيق «المبادئ الديمقراطية الكبرى» للوصول إلى «آلية حكم» عالمية تتماشى معها في الوقت الذي يزداد فيه العالم تعقيداً وخطورة! إن حل مثل هذه المعضلة قد يتطلب الوصول إلى نظام سياسي من نمط جديد، لم يتم تجريبه حتى الآن، نمط «استبدادي بدون مستبد».
قيل الكثير عن مستقبل العالم في القرن الحادي والعشرين إثر سقوط الاتحاد السوفييتي ومنظومته ومعه توازن الرعب في ظل معسكرين يريدان جر العالم في اتجاهين متعاكسين. هكذا تنبأ المفكر الأميركي من أصل ياباني فرانسيس فوكوياما بـ «نهاية العالم» بعد الانتصار الحاسم والنهائي والأزلي للرأسمالية على الاشتراكية.
وقال المفكر الاستراتيجي «كينشي اوهماي» في كتاب له نشره في نيويورك عام 1995 تحت عنوان «نهاية الدولة القومية» أن العالم يسير نحو اضمحلال النظام السياسي القائم على الدول القومية الذي ساد بعد العصور الوسطى في أوروبا أولاً ثم في العالم ابتداءً من القرن الخامس عشر. وذهب المفكر «روبرت الياس» إلى القول ان البشرية على أعتاب قيام «مجتمع كوني» ينتهي فيه أي تمييز بين السياسات الدولية والسياسات الداخلية .. وهذا ما جرى التعبير عنه باختصار في تعبير «القرية الكونية» الشائع.
وإذا كان هناك ما يسمح بوجود بعض المؤشرات التي تذهب نحو قبول الفرضيات المطروحة، فإن مؤلف هذا الكتاب يؤكد بأنه «ليس هناك ما يسمح مثلاً بالتأكيد أن دخول أعداد متزايدة إلى شبكات الانترنت سوف يؤدي على المدى الطويل إلى وجود نمطية أحادية كافية إلى أن يشكل النوع الإنساني كله أمة واحدة متماثلة فيما بينها» ولم يتردد في التأكيد منذ السنة الأخيرة في القرن الماضي «العشرين» أنه كان هناك العديد من الأسباب للتأكيد أن التاريخ «لم ينته» وأنه لا يسير في طريق مستقيم ومتناسق» ونقرأ قوله: «ليس هناك من يستطيع أن يغامر بترقب النتائج البعيدة التي ستترتب على التبدلات الجارية».
لقد اعتمدت أطروحة «نهاية التاريخ» على معادلة أساسية تقول ان اقتصاد السوق والديمقراطية سيجلبان الازدهار ـ والسلام. لكن مثل هذا المنطق يخلط بين أوضاع متنافرة، مثل ما هو قائم في الدولة الروسية وبين اقتصاد مثل اليابان. ثم أنه من السهل أكثر «تقديم تقييم» ديمقراطي ولحالات متباينة مثل كوريا الشمالية والصين والهند «أكبر ديمقراطية في العالم، كما يقال» وفي جميع الحالات هناك «تباينات كبيرة بين الديمقراطية الشكلية والديمقراطية الحقيقية» مثلما كان كارل ماركس يميز بين «الحرية الشكلية» و «الحرية الحقيقية».
ويثير المؤلف هنا مشكلة «توازن واستقرار الدول الديمقراطية متعددة الأثنيات أو متعددة الطوائف»، إذ يشير إلى أنه لم تتوصل أية دولة حتى الآن إلى إيجاد حل شافٍ لهذه المشكلة، إلا ربما الاستثناء المؤقت» الذي تمثله الولايات المتحدة الأميركية حيث أن الثقافة السائدة تسمح لكل المجموعات مهما اختلفت طبيعتها أن تؤكد هويتها دون أن تصطدم مع الحكومات في الولايات المتحدة أو مع «الدولة الفيدرالية» لكن المؤلف يفتح هنا قوسين ليؤكد أنه «في حوالي عام 2050 سوف يتجاوز عدد الأميركيين من ذوي الأصول غير الانجلوسكسونية نسبة 50% من مجموع السكان وليس هناك من يستطيع أن يتنبأ بالنتائج التي سوف تترتب على هذا في المدى الطويل».
وتتم الإشارة هنا أيضاً إلى أن «الدول غير الديمقراطية» لم تحل بشكل أفضل مسألة الاستقرار في ظروف مشابهة، أي في حالة وجود تعدد إثني أو طائفي فوق أراضيها، ولعل مثل هذه الدول، على غرار ما فعله الاتحاد السوفييتي السابق، قد تستطيع التوصل إلى «تجميد» تلك المشكلة وليس «حلها» ®. والأمثلة على هذا عديدة في البلقان وآسيا والعالم العربي.
ويستشهد المؤلف على ضعف مقولة «نهاية التاريخ» مع كل ما تنبأت به من «عالم متجانس» بدروس التاريخ القريب منه والبعيد.. إذ كانت الخطوة الأولى بعد سقوط منظومة الاتحاد السوفييتي التي أشادها لينين وستالين هي نشوب الحرب اليوغسلافية لتعود إلى الواجهة النزعات القديمة الأكثر بربرية، باسم القوميات والطوائف ويعيد المؤلف إلى الأذهان هنا أيضاً حروب الدين التي شهدتها أوروبا في نهايات القرن السادس عشر وبدايات القرن السابع عشر، ذلك ان هناك بعض نقاط «التشابه» بين منعطف القرن آنذاك ومنعطف القرن بين القرنين العشرين والحادي والعشرين.
ويؤكد المؤلف على انه من «الجهل» الكبير الاعتقاد ان بلدان القوقاز أو البلقان أو إفريقيا يمكن ان تصبح بسرعة بلداناً ديمقراطية مع اقتصاد سوق على الطريقة الاسكندنافية أو السويسرية.ذلك ان الحداثة ليست ظاهرة «ذات زي موحد» وان أغلبية البشر لا يزالون متجذرين في منظومات مكانية وزمانية ذات طابع محلي متأصل، هذا ولو كانوا يخضعون أكثر فأكثر في حياتهم اليومية لمؤثرات العولمة.
مفهوم السيادة
تبدو العولمة مبدئياً في إبعادها الشاملة في حالة تنافس مع تأكيد الهويات الخاصة للمجموعات البشرية، وهذا يصح كذلك إلى حد بعيد في المجال الاقتصادي حيث ان للشركات الكبرى تاريخاً وثقافة ينتميان إلى واقع وطني معين.. ان شركة «أي بي ام» أميركية أولاً وشركة سوني يابانية ومرسيدس «بنز» ألمانية و«سان غوبان» فرنسية. وإذا كانت هذه الشركات أو نظيراتها قد سعت إلى «توحيد» نشاطاتها مع شركات من بلدان أخرى فإنه يتم التوصل إلى مجموعات «ثنائية الثقافة» غالبا وشبهة لـ «الزواج المختلط» في ميدان الحياة الخاصة.
وبهذا المعنى لا يبدو حتى الآن قريباً تحقيق مؤسسات ومجموعات «عالمية» تماماً ونقية من أي جذر وطني، هذا رغم تزايد المستلزمات التكنولوجية والتنظيمية التي تستدعي اللجوء إلى ممارسات مشتركة، مع ذلك أخطرت مجموعات أميركية كبرى مثل كوكاكولا ومارلبورو ومكدونالدز إلى «مراجعة» استراتيجياتها المتعلقة بـ «توحيد نمط منتوجاتها» على صعيد العالم كله، إذ أنها أدركت حاجة الاستجابة للمتطلبات المحلية الأكثر تنوعاً.
وما يصح على المؤسسات والشركات يصح أكثر أيضاً على الدول الخاضعة كلها مبدئياً إلى قواعد العولمة، لكن الكثير من هذه الدول تقاوم مثل اليابان وذلك تحديداً بسبب هامش قدرتها الضيق على التكيف، وفاقمت العولمة أيضاً من التفاوت الاجتماعي في «بلدان المحيط»، الأمر الذي لم يكن بعيداً حسب تحليلات مؤلف هذا الكتاب، عن تنامي قوة الحركات السياسية المتطرفة.
وتطرح في هذا السياق أيضاً مشكلة التطور في عدد السكان، التطور الديموغرافي ـ حيث تعاني بلدان متقدمة كثيرة من أفق «شيخوخة مواطنيها وتناقص عددهم بينما تدل التقديرات ان عدد سكان البلدان النامية» بلدان الجنوب سوف يزداد، كما ستزداد ظاهرة نزوح أبناء الأرياف إلى المدن وحيث يشير أفق عام 2025 إلى ان 62% من سكان بلدان الجنوب سوف يقطنون المدن بدلاً من نسبة 35% عام 1995،
هذا قد تترتب عليه نتائج سياسية واجتماعية خطيرة وليس أقلها البحث عن هوية بناء على الانتماء القومي أو الديني، وكانت البلدان المصنعة قد شهدت خلال النصف الثاني من القرن العشرين «تفريغ» الأرياف الكبير من سكانها.من جهة أخرى تمت ترجمة العولمة بنوع من الاختفاء التدريجي للحدود باعتبارها خطوط فصل «كتيمة» بين الدول.
هكذا مثلا لم تعد فنلندا بحاجة ماسة للمطالبة بعودة منطقة «كاريليا» التي كان الاتحاد السوفييتي قد ضمها إليه كي تأمل بان يكون لها فيها دور كبير في المستقبل فالحدود قد أصبحت «شكلية» إلى درجة كبيرة.. والأمثلة الشبيهة كثيرة وهي تدل كلها على ان الاقتصادات الإقليمية قد أصبحت إحدى الحقائق الجيوسياسية الجديدة منذ نهايات القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين.
الوجه الآخر لهذا الواقع الجديد هو تراجع مفهوم السيادة الوطنية، تراجعه وليس اختفاءه، ولم تتغير أيضا الوظيفة الأساسية للدولة والمتمثلة في تأمين ثلاثة مطالب جوهرية هي ضبط علاقة السكان فيما بينهم وحمايتهم ضد الاعتداءات والأطماع الخارجية وأخيراً مساعدة الأكثر فقراً وبؤسا.
ان القيام بمثل هذه الوظيفة المثلثة فرض على الدول، اعتبارا من فجر القرن الحادي والعشرين، التعاون فيما بينها، أي معالجة المشاكل المتنوعة على خلفية الاهتمام بالأمن الجماعي بالمعنى الاشمل للكلمة وإذا كانت لا تزال هناك بالتأكيد مشاكل داخلية صرفة فإن مشاكل البيئة والجريمة المنظمة والإرهاب أصبحت تستوجب معالجة تندرج في اطار العولمة.
وتندرج في اطار العولمة أكثر المسائل المتعلقة بدور الدول في ميداني السياسة الخارجية والدفاع لاشك ان الدبلوماسية الدولية متعددة الأطراف كانت قد أخذت أهمية اكبر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ويعيد المؤلف إلى هذه الدبلوماسية متعددة الأطراف الاستقرار الذي عرفته القارة الأوروبية والذي أمكن المحافظة عليه بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وبعد تفجر الفيدرالية اليوغسلافية وعرفت القارة القديمة، أوروبا، كيف تواجه المشاكل التي نجمت عن انهيار الاتحاد السوفييتي ومنظومته خاصة في منطقة البلقان المتفجرة.
يقول المؤلف: «ان الاتحاد الأوروبي مدان بان يتحمل لعدة عقود من الزمن اعباء منطقة قد تواجه مشاكل جدية كبيرة» ومن هنا جاء مفهوم «حق» بل «واجب» التدخل في الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة قانونياً، وباسم هذا المفهوم كانت الحملة العسكرية الأطلسية ضد صربيا في كوسوفو عام 1999.
تبقى المشكلة الحقيقية المطروحة في مجال الدبلوماسية متعددة الأطراف على المستوى العالمي ومن اجل الوصول إلى استقرار النظام الدولي هي مشكلة التبعية للقوة العظمى الوحيدة في العالم اليوم، أي الولايات المتحدة الأميركية. وهنا يفتح المؤلف قوسين ليؤكد انه قد يكون «من الخطأ تفسير النظام الذي ارتسمت ملامحه عند عتبة القرن الحادي والعشرين على انه من طبيعة امبريالية وسلطوية بحتة، ذلك ان علاقات الأميركيين مع مفهوم القوة لا تزال مشوشة جداً».
ولذلك يتم التأكيد على ان تقدم فكرة الأمن الجماعي «العالمي» يتطلب بالضرورة نوعاً من «اعادة التوازن» في العلاقات الدولية ابتداء من العلاقة بين الأوروبيين والأميركيين داخل الحلف الأطلسي، وكانت فكرة «اعادة التوازن» تلك هي الرهان الحقيقي لمسعى الأوروبيين من اجل صياغة «سياسة خارجية وأمنية مشتركة، وإيجاد هوية أوروبية للأمن والدفاع».
وفي المحصلة يرى مؤلف هذا الكتاب ان الدول «لم تختف» في ظل الواقع الدولي الجديد الذي أنتجته العولمة لاسيما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق ومنظومته بل بقيت «أي الدول» عنصراً فاعلاً في صميم هذا الواقع لكن هذا لا يمنع أيضاً واقع تعاظم تداخل الوظائف فيما بينها بحيث انه لا بد من الاعتراف أن مبدأ «السيادة المطلقة للدول» قد فقد الكثير من «هيبته» وبالتالي من «فاعليته» في العلاقات الدولية.
وفي هذا الإطار الجديد بدأ النظام الدولي وكذلك المنظومات الإقليمية ذات البنى المترابطة بشكل وثيق، يأخذ صيغة ذات طبيعة تعددية على غرار الدول متعددة الاثنيات والطوائف ولكن على مستوى أوسع وأشمل، ولعل هذا قد يفيدها في تعزيز وحدتها الوطنية على أساس القبول المتبادل للآخر.ويبدو أن رهان التعددية في إطار العولمة مرتبط إلى حد كبير بما ستؤول إليه موازين القوى العالمية، وخاصة وزن الصين خلال العقود القليلة القادمة، فالاستقرار الدولي يمر من هنا.
عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف


