بينما يتركز النقاش الأميركي المحتدم في الوقت الراهن بشأن العراق على التأثيرات التي يتركها الوجود العسكري الأميركي على القاعدة والتنظيمات التابعة له بصورة أساسية، فإن إدارة بوش لا تبدي اهتماماً يذكر بالكيفية التي يؤدي من خلالها تورطها في العراق وكذلك تأييدها العنيد لإسرائيل إلى تشدد التيار الرئيسي في الرأي العام في العالم الإسلامي.

قمت خلال الأسابيع القليلة الماضية بإجراء مقابلات مع العشرات من الناشطين الإسلاميين، وكذلك الداعين إلى حقوق الإنسان سواء أكانوا من المنخرطين في التيارات الإسلامية أومن ذوي الاتجاه الليبرالي، وكذلك مع الكثير من المواطنين العاديين. وحدثني معظم من أجريت هذه المقابلات معهم أن الغرب، وبصفة خاصة الولايات المتحدة، يشن حرباً صليبية حديثة على الإسلام.

ومن منظور فئات بالغة التعدد والاختلاف تتراوح بين مدرسي المدارس الثانوية وسائقي سيارات الأجرة، تبدو أميركا قوة كولونيالية جديدة.

وقلة قليلة من المسلمين هي وحدها التي تقبل بالخطاب الأميركي الذي يطري بمزيد من الإسراف والإلحاح الديمقراطية والحرية، فهم ينظرون إلى الوجود العسكري الأميركي في قلب العالم العربي على أنه مؤامرة بشعة لتقسيم العالم الإسلامي وإخضاع المسلمين.

وقال حازم سالم، وهو داعية مصري من دعاة حقوق الإنسان في العشرينات من عمره: «انظر إلى ما يفعله الأميركيون في العراق. إنها تستغل الديمقراطية قناعاً لاستعمار البلاد الإسلامية ونهب نفطها».

وقد ذكرته بما ذهب إليه الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش من أنه يدعو إلى إقرار الديمقراطية في العالم الإسلامي، فرد على ذلك بحدة قائلاً: «لا، إنه يثير الفوضى ويفجر الحرب الأهلية».

عندما زرت الجامعة الأميركية بالقاهرة، التي تعد معقلاً للنزعة الليبرالية الغربية، أعرب الكثير من الطلاب بصراحة ووضوح عن غضبهم حيال التأييد الذي تبديه أميركا لإسرائيل.

وقالت الطالبة رانيا في فناء الحرم الجامعي: «لقد أعطى بوش الضوء الأخضر لإسرائيل للهجوم على الفلسطينيين واللبنانيين. والحرب على الإرهاب ليست إلا حرباً مفتوحة تشنها أميركا على المسلمين». وأعرب الكثير من الطلاب في الجامعة الأميركية ببيروت عن وجهات نظر مماثلة.

ومؤخراً حضرت إفطارا مع المئات من الشخصيات المصرية والعربية من مختلف الانتماءات السياسية. وقال المتحدث الرئيسي، وهو شخصية سياسية قيادية معتدلة تعد من النجوم الناهضة في المجتمع المصري إن رمضان هذا العام قد تزامن مع هجوم منسق يشن بضراوة بالغة على الإسلام. وأضاف فيما الضيوف يومئون برؤوسهم إقراراً بموافقتهم على ما يقوله: «لقد قدم البابا تبريراً دينياً لبوش لحربه على الإسلام والمسلمين».

ولم ألتق بسائق سيارة أجرة ولا بائع فاكهة ولا بمدرس لا يرى أن هناك صلة بين الرسوم الدنماركية المسيئة واستخدام الرئيس الأميركي جورج بوش لاصطلاح «الفاشية الإسلامية» وملاحظات البابا بنديكت السادس عشر التي ربط فيها بين الإسلام والعنف.

وقد عارضت الدول الأوروبية، بالطبع، المغامرة الأميركية في العراق وقال البابا كذلك إن الغزو الذي قادته أميركا للعراق واحتلالها له هما أمران يفتقران إلى المبرر وأنهما غير عادلين وعارض التكتيكات العشوائية التي تتبعها إسرائيل ضد الفلسطينيين واللبنانيين.

ولكن فيما يتعلق بتهدئة غضب المسلمين فإن هذا كله لا أهمية له، لأن معظم المسلمين ينظرون إلى الغرب على أنه كيان موحد.

وقال عبد الرحيم بركات، وهو من القيادات الإسلامية: «لقد استخدم الرئيس بوش نفسه، اصطلاح حملة صليبية لوصف حربه على الإرهاب». فقلت في معرض الرد على ذلك (تلك كانت زلة لسان) فقال: «لا، لقد كانت زلة بالمعنى الفرويدي، حيث كشفت عما يعتمل في دخيلة نفسه».

وبعد خمس سنوات من وقوع هجمات الحادي عشر من سبتمبر، فإن مفهوم القاعدة عن صدام الأديان لم يعد بالمفهوم المستبعد أو بعيد الاحتمال. وفي المعسكرين كليهما هناك أقليات تقرع طبول الحرب وتحشد مناصريها لخوض غمار الحرب وتعتقد أن المعسكر الآخر هو الذي كان سبباً لاندلاعها.

وبوش بمواصلة السير على الدرب ذاته في العراق، إنما يؤيد طروحات العناصر المتطرفة ويغرب الوسط المتأرجح في الرأي العام الإسلامي. وإذا أرادت أميركا حقاً أن تنتصر في الحرب التي تشنها القاعدة والتنظيمات التابعة لها، فإنها بحاجة إلى كسب قلوب وعقول التيار الرئيسي من المسلمين.

وخلاصة الأمر أنه لا بد من التوصل سريعاً إلى طريقة لإخراج القوات الأميركية من رمال العراق المتحركة وإيقاف سفك الدماء اليهودية والفلسطينية.