سيمنى حلف شمال الأطلسي بالإخفاق في التصدي للحركة المسلحة المتصاعدة في أفغانستان ما لم يظهر مرونة وتصميما على التعامل مع المشكلات الرئيسية الثلاث هناك بصورة متزامنة، وهي جميعها وليدة الإخفاق الأميركي في أفغانستان على امتداد السنوات الخمس الماضية.وقد تسلم الحلف مؤخرا كل العمليات العسكرية في أفغانستان من الأميركيين ولكن الناس العاديين في العاصمة الأفغانية كابول يخشون أن طالبان في طريقها إلى العودة إلى السلطة وأن المجتمع الدولي ليس لديه القدرة أو الرغبة على إيقاف الحركة ومنعها من الوصول إلى ما تنشده.

ولتغيير الاتجاه الراهن في أفغانستان سيتعين على حلف شمال الأطلسي التحرك ليس كتحالف عسكري فحسب، وإنما كتحالف سياسي واقتصادي ودبلوماسي كذلك، وهو الأمر الذي لم يفعله من قبل قط.ومنذ الربيع الماضي، عندما قام عشرة آلاف رجل من جنود حلف شمال الأطلسي بتولي المسؤولية في جنوبي أفغانستان من خلال تسلمها من القوات الأميركية، فقد تكبدوا ثلاثة أضعاف معدلات الخسائر التي تكبدها الجنود الأميركيون، وذلك نتيجة لهجمات شنتها حركة طالبان بعد تخطيط محكم لها.

على الرغم من أن قوات حلف شمال الأطلسي قد قتلت المئات من رجال حركة طالبان، إلا أنه لا تبدو في الأفق نهاية سريعة للحركة المسلحة في أفغانستان، وذلك مع قيام حركة طالبان بالتحرك ببراعة والانتقال من هجمات المواجهة الشاملة التي كانت تشنها على مواقع الحلف إلى الهجمات الانتحارية التي يشن كل هجوم فيها رجل واحد في المدن الأفغانية.

وليس من المدهش أن الرأي العام والبرلمانات وأجهزة الإعلام في العديد من الدول الأعضاء في الحلف التي يلقى جنودها حتفهم في أفغانستان يستبد بها الغضب وتطالب حكومات هذه الدول باستدعاء قواتها من أفغانستان. ومؤخرا صرح رئيس الوزراء البريطاني توني بلير ونظيره الكندي ستيفن هاربر بأن قوات بلديهما ستحصل على أفضل المعدات وأشكال الدعم والتأييد الممكنة ( تكبدت القوات الكندية أقسى الخسائر وأفدحها في أفغانستان).

ولكن شعبي البلدين يريدان ردودا على أسئلة أكثر وضوحا: لماذا عادت حركة طالبان إلى الساحة بينما قالت الولايات المتحدة مرارا وتكرارا إنها قد انتهت؟ لماذا تواصل المؤسسة العسكرية الباكستانية السماح لقادة طالبان بالإقامة على الأراضي الباكستانية؟ وهل يمكن أن يكلل جهد حلف شمال الأطلسي بالنجاح بالفعل؟

منذ عام 2001 أخفق التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في أفغانستان في نشر ما يكفي من قوات حفظ السلام هناك وكذلك حشد الموارد ومساعدات الاعمار. وحلف شمال الأطلسي يقوم الآن بتصحيح هذا الوضع فحسب، حيث ينشر القوات في المناطق الرئيسية في الجنوب التي انتشرت فيها الحركة المسلحة ويقوم بتطوير سياسة إعادة اعمار أكثر وضوحا في أهدافها وملامحها.

ولكن الدول الأعضاء في الحلف لم تتحرك بالسرعة الكافية لجلب المساعدة المالية والمعدات العسكرية الضرورية إلى أفغانستان. وعملية الاعمار الكبرى لا يزال يتعين انجازها. وحتى في كابول فإن هناك اليوم قدرا من الكهرباء يقل عما كان موجودا في ظل حكم الشيوعيين في الثمانينات من القرن الماضي.

في المدى الطويل لا يمكن أن ينعقد لواء الفوز لقوات الحلف في جنوب أفغانستان إلا إذا كانت على استعداد لجلب ما يكفي من المساعدة والاعمار لكسب قلوب أبناء قبائل البشتون الذين تم تغريبهم. وينبغي أن تكون نجاحات الحلف العسكرية بمثابة رافعة اقتصادية تكفل جلب المزيد من المال من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والعالم الإسلامي.

والمشكلة الثانية هي الحكومة الأفغانية التي يتولى رئاستها حامد قرضاي والتي لم تتوصل إلى قرارات سريعة وحاسمة ولم تعمل بأسلوب جيد في الحكم ولم تتصد للفساد وتجارة المخدرات والممارسات الأخرى الشائعة في صفوف وزرائها ومسؤوليها.ومع تصاعد انتقاد الأفغان لحكومتهم، فإن حركة طالبان تجد أن بمقدورها أن تجند الكثيرين داخل أفغانستان وذلك للمرة الأولى منذ عام 2001. يتعين على حلف شمال الأطلسي القيام بدور سياسي بارز في انعاش الحكومة الأفغانية ومنحها الثقة لتحقيق أداء أفضل.

ثالثا، يتعين على الحلف القيام بدور دبلوماسي في إقناع باكستان بوقف اتباع سياسة مزدوجة قوامها دعم الحرب على الإرهاب عندما يتعلق الأمر باعتقال قيادات القاعدة ورفض القيام بذلك عندما يتعلق الأمر بطالبان. وقد تحملت واشنطن هذه الازدواجية طوال السنوات الخمس الماضية لأنها لم تعط كبير اهتمام لكبح جماح طالبان، ولكن الحلف لا يمكن أن يفعل ذلك.

في جلسة استماع عقدتها لجنة العلاقات الخارجية التابعة لمجلس الشيوخ الأميركي في 21 سبتمبر الماضي، شهد جنرال جيمس جونز القائد الأعلى للحلف بأن مقر قيادة حركة طالبان موجود في كويتا بباكستان، ومع ذلك فإن الرئيس جورج بوش لم يطرح أصلا موضوع كويتا عندما أقام مأدبة عشاء لقرضاي والرئيس الباكستاني برويز مشرف.

لقد أقنع رفض أميركا التعامل مع هذه القضية الأفغان بأن الغرب ليس جادا فيما يتعلق بوضع نهاية للحركة المسلحة التي تقوم بها طالبان وضمان الأمن لأفغانستان. ويتعين على حلف شمال الأطلسي أن يغير هذا المفهوم المستقر لدى الرأي العام إذا أراد أن يكلل بالنجاح في أفغانستان.

عن «انترناشيونال هيرالد تربيون»

بقلم: أحمد رشيد